انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب الحديث

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري       13/12/2012 08:04:22
هذه التوطئة جزء من صلب القصيدة لا يراد منها أن ترسم جوا معينا يصلح لما يليه ؟لأن القصيدة كلها توطئة لشيء لم يقل من بعد - باستثناء لفظة " الشمس " التي تفتتح بها القصيدة، فإنها تصلح أن تكون تحديدا زمنيا كما تصلح أن تشير إلى معاناة المحتشدين في لك السوق من شدة الحرارة. فالمنظر إذن في النهار لا في الليل، وهو بذلك ضئيل الإيحاءات الرومنطقية لأنه ضئيل الصلة بالحلم، والشاعر هنا مشاهد، وقد يبدو أنه مشاهد محايد إلا أنه ليس كذلك، فإنه يعتمد على حاستين ؟متوازيتين توازيا مقصودا في القصيدة - وهما حاسة البصر وحاسة السمع، والأولى تسجل وكأنها آلة فوتغرافية، ولكنها في الوقت نفسه، انتقائية فيما تريد أن تنقله. كل شيء هنا مرتب بالتناوب ؟على نحو عامد - بين المنظور والمسموع: والمنظور نوعان: أشياء ومناظر توحي بالفقر والتخلف " كالحمر الهزيلة والذباب وحذاء قديم، وبنادق سود وأطفال يصطادون الذباب؟ " ، وأناس طيبون حالمون: فلاح فقير يحلم بأن يشتري الحذاء القديم وحكيم صغير يبيع حكمته ولا يجد لها من يسومها، وحاصدون متعبون يزرعون صاغرين للإقطاعي ويظلون جائعين، فهم يحلمون يوما أن يزرعوا لأنفسهم، وعائدون من المدينة يصرخون مما شاهدوه من أهوالها ويلوذون بحمى قريتهم، وبائعة أساور وعطور (حيث يسعى الناس إلى العثور على الحاجي والضروري فكيف يجدون ما يعينهم على شراء الكمالي!) وحداد دامي الجفن يستعيض بالحكمة عن كساد سلعته، وبائعات كرم يحلمن بالأزواج:
عينا حبيبي كوكبان
وصدره ورد ربيع
(1/48)
________________________________________
في القصيدة حلم كثير بل سلسلة من الأحلام، ولكن الشاعر نفسه ليس هو الحالم الرومطيقي، وإنما هو يسقط الحلم على مجتمع هذا السوق (وهو نفسه مجتمع القرية) لأن ذلك الحلم في حياة أولئك الفقراء الكادحين تعويض عن الحرمان، وإذا كان " الغريب " في سوق السياب قضى شطرا طويلا من عمره " بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل " فإن القرية تبدو للواقف في سوق الباتي " أكواخا تتثاءب في غاب النخيل " ، وكأن البياتي يقول في قصيدته: لماذا يختار الشاعر أن يمشي في الليل وحيدا في سوق قد خلت من الناس أو كادت ليحلم بالحب والمنتظرة، ولا يحاول أن يرى السوق في واقعها الصحيح، في رائعة النهار، وفي القرية لا في المدينة، ويستمع إلى أحلام الفقراء وتمنيات المعوزين، أنه ليس في حاجة أن يرى السوق حزينا لأنه هو نفسه حزين، شاحبا لأن أحلامه شاحبة، وما عليه إلا أن يجيل بصره وسمعه ليدرك أن السوق بائس حزين، دون استقطاعات ذاتية. ومن اللافت للنظر تلك المفارقة التي يقيمها الشاعر بين القرية والمدينة مستمدا حكمه على المدينة من تصور الفلاحين لها وهم يقولون لدى عودتهم منها:
يا لها وحشا ضرير
صرعاه موتانا وأجساد النساء
والحالمون الطيبون
فهذه المفارقة تضيف إلى بؤس الريفيين بؤسا جديدا: أين يذهبون؟ أنهم يفرون من قراهم وبؤسها وتخلفها إلى المدينة فتفترسهم ببراثنها خبط عشواء، فيعودون وقد ضاق عليهم المنقلب والمتردد يرضون بمعايشة الذباب، واجترار الحكم البالية. ويتذكرون أن قريتهم ؟رغم قذارتها
(1/49)
________________________________________
المادية - نظيفة معنويا لأن أجساد النساء لا تباع فيها، وينسون وهم الحاصدون المتعبون " أنهم مسخرون جسديا ومعنويا ليزرعوا صاغرين كي يأكل الإقطاعيون. (وليس من شك في أن هذه القرية وتلك المدينة هما ؟من بعد - قرية السياب ومدينته، إلا أن القرية تتوشح بذكريات الطفولة وظلال النخيل والبراءة كما يكبر الوحش الضرير وتطول أنيابه وتشحذ براثنه، حتى يصبح هولا لا يطاق، ولا نجاة منه إلا بالعودة إلى وداعة القرية وسماحتها، لأن السياب سيظل دائما واحدا من " الحالمين الطيبين " ).
وليس في قصيدة البياتي ذلك المبنى الذي يمنح قصيدة نازك ما فيها من روعة في الأحكام، ولا فيها شيء كثير من التحليل، ولا فيها نزوع السياب إلى الافتتان بحشد الصور والتقاطها من كل مكان، وإنما هي محض " صورة " للسوق في فترة زمنية محددة تقع بين حدة النشاط فيه واقفاره، نعم فيها ذلك التوازي الذي لا يختل بين المنظورات والمسموعات، ولكن لا شيء سوى ذلك، وتكاد تعتمد الجانب الإحصائي، دون تدخل مباشر أو تعليق موجه أو إغراق في استعمال الصفات، وتكاد تتجنب الإثارة العاطفية ؟في ظاهرها - وهي بهذا كله اقرب إلى لوحة الرسم منها إلى القصيدة، وهي من ثم غير متطورة من داخل الموجة الرومنطقية في الشعر العربي، كما هي الحال في القصيدتين السابقتين، ولما كانت أقرب إلى الرسم لم تحاول شيئا من الدرامية الحوارية، وكل ما أفادته من الشكل الجديد حرية الاختيار في الإحصاء، وإرسال الأقوال الحكم دون توطئة لها بمثل " قال " أو " يقول " . ومشاعر الشاعر فيها محتبسة وراء سور ؟يكاد يكون مصمتا - من الاقتصاد الدقيق في إسباغ الصفات والصور والاكتفاء
(1/50)
________________________________________
بالتسجيل، فهو رغم حدبه على هؤلاء الكادحين، في تعبيرات خاطفة في إيحاءاتها، لا يبدي شيئا من الرثاء لحالهم، ولا يصرح بشيء من التفجع لهم، ولا يستصرخ أحدا لإنقاذهم.
ليس في القصيدة فرد يقع تحت تقلبات العاطفة وتغير العلاقات أسيرا للضياع، هنا مجتمع صغير ضائع، كل فرد فيه ضائع لأنه مرتبط بالمجموعة الضائعة ويحاول أن يتعزى بالحلم. وحضور الشاعر هنا جزئي، لا شخصاني (وليعذرني اللغويون في استعمال هذه الصيغة)، وهو أمر لم نألفه في الشعر الغنائي الذي يتطلب أن يكون حضور الشاعر كليا. ذلك حضور أقرب إلى تصور اليوت لمهمة الشاعر، في أن يكون حياديا، إلى أقصى ما يستطيع، ولكن رغم أن حيادية اليوت قناع من الأقنعة الذاتية، فإن هذه القصيدة تخرج على ما يريده اليوت نفسه، من حيث أنها صورة مسطحة لا تنقل الرمز وأعماقه، معا في آن واحد، بل هي بعيدة أن تكون رمزا، لأنها تنقل ما تنقل دون أن تقول ؟على المستوى الرمزي - أي شيء.
وإذا كانت هذه القصيدة ؟كما قررنا من قبل - غير متطورة من داخل الموجة الرومنطقية، فهل نذهب لنبحث عن منتمى جديد لها؟ لا أجد بأسا في ذلك لأننا نعلم حق العلم أن التجاه إلى التجديد في هذا الشعر إنما كان مستوحى من الإطلاع على الشعر الإنكليزي ؟كما سبق القول - فلا ضير إذا نحن ذهبنا نطلب صلة لهذه القصيدة بمناخ آخر غير مناخ اشعر العربي. إن قصيدة نازك نفسها تذكرنا بقصيدة " سويني بين العنادل " (1) لاليوت، من حيث البناء، فقصيدة اليوت تزاوج بين الرثاء والسخرية ؟رثاء البطل الحقيقي أغاممنون، والسخرية من البطل المزيف
__________
(1) العنادل: جمع عندليب.
(1/51)


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .