انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب الحديث

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري       20/11/2012 09:19:27
القصيدة في مقطوعات أو دورات (بلغت إحدى عشرة دورة) وهي أيضا في هذه القسمة تشكو ما تشكوه قصيدة نازك، من حيث أن تلك الدورات لا تعبر عن مراحل محددة في بناء القصيدة، ومن ثم فإن إغفالها لا يعد إخلالاً بطبيعة ذلك البناء، غير أن السياب ؟على الضد من نازك - لم يحصر القصيدة في جو البيت أو المعبد، وإنما جعله أرحب من ذلك حين أتخذ السوق مسرحا لقصيدته، غير أن هذا التغيير يجب ألا يخدعنا طويلا، فإن الوحدة مضروبة على هذا السوق نفسه لأن الوقت ليل، وقد خلا من البائعين والمشترين ومن الجالسين والماشين، سوى بعض العابرين الذين لا يتجاوز أصواتهم الغمغمة، وإنما فعل الشاعر ذلك ليتيح لنفسه عمق الإحساس بالغربة في ذلك الجو الليلي الذي بسطه - كما فعلت نازك أيضا - فاتحة لقصيدته، ولأنه يخشى أن تشغله الأصوات عن تأمل أمرين: الأول: البضائع التي يحتويها السوق، والثاني ما تثيره تلك البضائع من ذكريات أو ما تفتحه من كوى على المستقبل، وليس للأمر الأول من قيمة إلا لأنه يؤدي إلى الثاني. ويسير " الغريب " في السوق فيرى الأكواب والمناديل (أدوات حفلة عرس) ولكن الشموع هي أشد ما يجذب انتباهه، لأنها تذكره بقلبه الذي كان حيويا ثم أخذت حيويته في الإطفاء مثلما هو مصير كل شمعة، وفجأة يتذكر كيف عاد النور إلى قلبه بظهورها ؟أعني فتاته - لتنقذه من وحدته، ولكنه كان يحس أنها ليست هي، وأن أحلامه في أخرى سيمضي باحثا عنها، إلا أن الأولى أكدت له إنها هي معقد أمانيه، هي الحبيبة التي طال انتظارها، غير أنها تنبأت له بأنه لن يحقق حلمه ببناء بيت على الربوة مضاءة بالشموع، وتضعه بين " قرني المعضلة " حين تقول له:
لك أنت وحدك، غير أني لن أكون
لك أنت ؟اسمعها، واسمعهم ورائي يلعنون
هذا الغرام
سيبقى لا ثواء ولا رحيل، سيحاول السير فيجد أن قدميه مسمرتان في مكانهما، وسيستنجد بإرادته، لا بد من المضي للقاء تلك التي تنتظره، لأنه يحس بقسوة الشموع التي ستضاء في عرس تلك المتشبثة به ؟وهي ليست له - ، لا بد من المضي، فترتخي يداها عنه، ليجد نفسه واقفا حيث هو لا يستطيع أن ينقل قدما.
نحن إذن مرة أخرى في جو رومنطقي: غريب في جو حزين وذكريات حزينة، فالسوق كئيب والحوانيت كأنها أنغام تذوب والأنغام التي تتأدى فيه حزينة والنور شاحب ووجوه العابرين شاحبة وكلامهم غمغمة، والأشياء ؟بسبب الضوء الباهت (أو بسبب نفسية الغريب على الاصح) توحي بتنبؤات كئيبة: فالأكواب تحلم بالشراب والشاربين، وربما حشرجت فيها الحياة وبردت، والمناديل حائرة لأنها تنبئ عما سيحدث في المستقبل من مناظر وداعية، يضوع فيها العطر أو يضرجها الدم الذي يتقطر. مغمغما " مات. مات " ؟تماما كما فعلت الطبيعة في قصيدة نازك، إلا أن الكلمة هنا ليست سحرية، ولا تتردد سوى مرتين، وتنقطع النبوة عند هذا الحد، فيما يتصل بالمناديل، لأن سلعة أخرى شغلت انتباه الغريب وهي الشموع التي يراها ؟بعين بصيرته - وقد أوقدت في المخدع المجهول، في مكان ما في جنوب العراق، وحيث عاش الغريب يحلم " بالصدر والفم والعيون " ، وطال به الحلم:
بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل
حتى خبت شمعة قلبه وأعادت إيقادها ؟مؤقتا - تلك التي " أتت هي والضياء " .
حتى هذا الحد أنهى الشاعر ثماني دورات من قصيدته وهو يصور انعكاس مواجده النفسية على الأشياء، وقدرة تلك الأشياء على الإثارة التنبؤية لما يكنه المستقبل، فهو غارق في حلم أو سائر في النوم، تلوح لعينيه المغمضتين رؤى المستقبل، كما تلوح له ؟في هذا الوضع - نافذة تضاء، والنافذة التي تضاء في شعر السياب تقترن بالطفولة (شناشيل ابنة الجلبي) وبالحب وبالمرأة المتمناة وبالأمل العريض، ولكنها هنا ترد عابرة وكأنها حشو في القصيدة، وهذا السائر في النوم لا يرى إلا بعض الأشياء التي تتخذ في حفلات الزواج، حتى إذا لاحت المنتظرة ظنها الفتاة التي سيقترن بها، ولكن حين وضعته في منطقة " الما بين " (1) ؟لا يأس ولا رجاء، لا ثواء ولا رحيل - كان أقسى ما تصوره أن يحس بأن الشموع ستوقد في زفافعا لغيره:
ليس أحداق الذئاب
أقسى علي من الشموع
في ليلة العرس التي تترقبين
وكما هرب المحب في قصيدة نازك من صعقة الكلمة السحرية إلى الخيط، هرب الغريب في قصيدة السياب إلى إرادته ولاذ بها يستنجدها، مصمما على الرحيل، ليلقى الأخرى، " سوف أمضي، سوف أسير " ثم ليجد نفسه وقد أحاط به العجز من كل ناحية، ذلك لأنه عقد هذه الارادة بلقاء أمرأة متوهمة لا وجود لها، عند طرف السراب، في
الجنوب، حيث حدثنا أن حياته هنالك مرت في صورة حلم طويل لم يتحقق منه شيء، ولم تظهر فيه أية امرأة.
قصيدة السياب قسمان يكادان يكونان متمايزين: تصورات بين الماضي والمستقبل أو سلسلة من الهواجس الحلمية ثم صراع ؟في الحلم - بين الواقع والمستحيل، والقسم الأول هو الأطول، إذ طال به التلدد في جنبات السوق حتى وقع بصره على الشموع وكانت وقفته عند الكوب والمنديل (رغم صلتها بحفلة الزواج) غير متسقة مع الوقفة الطويلة التي وقفها عند الشموع بل ربما لم يكن ربط الجزءين معا في هذا المبنى إلا بشيء من التجاوز والتقدير.
ومع ما في قصيدته من تشابه بقصيدة نازك إلا أن الفروق بينهما واسعة، لا في أن السياب هنا استسلم لروابط واهية في إطالة القصيدة وحسب، بل لأنه ما يزال يعني بالتصوير الخارجي، لا بالتحليل الداخلي، ويذهب مع الاستطراد حيثما أتجه به، وإذا كان للشكل الجديد لديه من أهمية، فإن أهميته تكمن في القسم الثاني حيث استقوت الناحية الحوارية، على حساب التصوير الذي شغل أكثر القسم الأول. أن السياب ؟سيظل مثل نازك - شغوفا بالمشرع التمهيدي الذي يحدد الجو المكاني والزماني، بل سيزيد على نازك في هذا المنحى لأنه سيختلف اختلافاً كبيرا عن نازك في اتجاهه الشعري عامة وهذه القصيدة على دلالتها لا تصلح أن تكون مؤشرا على جميع انعطافات السياب في المستقبل، لأنها تجربة يحسن أن ينتقل عنها إلى غيرها، ولأنه تعرض لمؤثرات كثيرة عنيفة ظلت نازك بمعزل عنها. ولكن مهما يكن من شيء، فإن القصيدة تنبئ أيضا أن
التحول إلى الشكل الجديد لم يبعد بصاحبه كثيرا عن المنحى الرومنطقي الخالص، حتى ذلك الحين (1) ، كما أنها من وجه آخر تدل على شغفه بالإطالة ؟على حساب المبنى - وعلى قوة التداعي، وعلى تعلقه الواقعي بإبراز مشكلة حرمانه من المرأة، ورغبته الواقعية الطاغية العارمة في العثور على زوج وبيت، وعلى حنينه الدائم إلى " الجنوب " حيث القرية ؟(جيكور) - والأم والنخيل والحقل الذي تموج به السنابل تحت أضواء الغروب، وإذا كان السياب في هذه القصيدة لم يلجأ إلى الكلمة ؟التعويذة (جالبة الخير أو طاردة الشر) فإنه لجأ إليها في بعض قصائد هذه المرحلة مثل قصيدته " نهاية " (2) حيث يردد ما قالته له الحبيبة " سأهواك " وسيلجأ إليها من بعد مقترنة بإيحاءات شعائرية خالصة (3) . وقد يمكن أن يقال أن المحب في قصيدة نازك قد انتقل من المجتمع ؟عبر الطريق المألوف - إلى وحدة المعبد، وضاع في وحدته، وأن الغريب في قصيدة السياب قد ضاع في السوق، أي في المجتمع، أو في نوع منه (ولعل السوق هنا يرمز إلى المدينة)، وأن كلا الضياعين يعبران بقوة عن اتجاهين مختلفين منذ البداية، وستتسع مسافة الخلف بينهما في المستقبل.
ويتناول البياتي السوق في قصيدته " سوق القرية " ، ويحتفل بالتوطئة المكانية والزمانية مثل زميليه، لكن هذه التوطئة جزء من صلب القصيدة لا يراد منها أن ترسم جوا معينا يصلح لما يليه ؟لأن القصيدة كلها توطئة لشيء لم يقل من بعد - باستثناء لفظة " الشمس " التي تفتتح بها القصيدة، فإنها تصلح أن تكون تحديدا زمنيا كما تصلح أن تشير إلى معاناة المحتشدين في لك السوق من شدة الحرارة. فالمنظر إذن في النهار لا في الليل، وهو بذلك ضئيل الإيحاءات الرومنطقية لأنه ضئيل الصلة بالحلم، والشاعر هنا مشاهد، وقد يبدو أنه مشاهد محايد إلا أنه ليس كذلك، فإنه يعتمد على حاستين ؟متوازيتين توازيا مقصودا في القصيدة - وهما حاسة البصر وحاسة السمع، والأولى تسجل وكأنها آلة فوتغرافية، ولكنها في الوقت نفسه، انتقائية فيما تريد أن تنقله. كل شيء هنا مرتب بالتناوب ؟على نحو عامد - بين المنظور والمسموع: والمنظور نوعان: أشياء ومناظر توحي بالفقر والتخلف " كالحمر الهزيلة والذباب وحذاء قديم، وبنادق سود وأطفال يصطادون الذباب؟ " ، وأناس طيبون حالمون: فلاح فقير يحلم بأن يشتري الحذاء القديم وحكيم صغير يبيع حكمته ولا يجد لها من يسومها، وحاصدون متعبون يزرعون صاغرين للإقطاعي ويظلون جائعين، فهم يحلمون يوما أن يزرعوا لأنفسهم، وعائدون من المدينة يصرخون مما شاهدوه من أهوالها ويلوذون بحمى قريتهم، وبائعة أساور وعطور (حيث يسعى الناس إلى العثور على الحاجي والضروري فكيف يجدون ما يعينهم على شراء الكمالي!) وحداد دامي الجفن يستعيض بالحكمة عن كساد سلعته، وبائعات كرم يحلمن بالأزواج:
عينا حبيبي كوكبان وصدره ورد ربيع


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .