انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب الحديث

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري       20/11/2012 09:17:33
ولولا أن الشاعرة أوجدت في قصيدتها عنصرا ثالثا مهما ؟بل أهم عناصرها ؟ لتوقف حركة القصة عند نهاية مألوفة، وذلك العنصر هو الخيط، وهو سر تعلق المحب بتفسير ما يظنه من لغز فيه، وهو تميمته (تعويذته) التي استعان بها على طرد أثر الكلمة السحرية " ماتت " ، ووجوده هنالك مشدودا في شجرة السرو جعل المحب يهرب من مجال المسموع إلى مجال المنظور، وبدلا من أن تصعقه اللفظة السحرية، بشدة وقعها الرهيب، تلقى " الخيط " عنه لعنتها حين أمسكه وأخذ يبعث به، فغدا أداة " تسريب " للسموم التي كانت تنفثها في نفسه لفظة " ماتت " . ذلك أن حروف لفظة " ماتت " ؟في رسمها
كانت تبدو كالمشنقة، " كل حرف عصب يلهث في صدرك رعبا " كما أن الخيط كان صورة من المشنقة أيضا، كان " حبالا من جليد " ، وقد هرب المحب من مشنقة حقيقية إلى أخرى رمزية، وكانت حياته ؟في نظر الشاعرة - ضرورية ليتعذب ويقاسي أهوال الندم ويغرق في لحج الضياع. وقد كانت الشاعرة قادرة على أن تجعل ذلك الخيط جزءا من الذكريات، فيصير في يد المحب شيء من الماضي، ولكنها أبت حتى ذلك عليه، إذ أنه بعد فراق شهرين، عاد ليرى الخيط وهو لا يدري متى شد في موضعه؟ من شده؟ ولماذا علقوه، أنه شيء لم يكن له في تاريخ الحب علاقة بالمحبوبة، ومع ذلك فقد تعلق به المحب، لعله أن يكون أثرا من آثار تلك التي ماتت، لعله؟ ألم يكن مشدودا إلى شجرة السرو، وهذه الشجرة ترمز إلى المحبوبة، أتراها هي التي وضعته هنالك ليرمز إلى أنها أحكمت ربقة الموت حول نفسها وحول حبها وحول الماضي؟؟ علالة نفس هي كل ما تبقى له من " الحب العميق " ، وعدم اتصال الخيط بأي شيء من ذكريات الماضي يعمق مشاعر التشفي والشماتة، ويومئ في سخرية خفية إلى أن المحب حين فقد كل شيء انتحل لنفسه وجود لغز حسبه متصلا بالماضي ليتأمله على البقاء.
وقد قسمت الشاعرة قصيدتها في سبعة مقاطع (أو دورات)، ولكن هذه القسمة لم تكن ذات قيمة في البناء الفني للقصيدة، لأنها لا تمثل مراحل دقيقة في نموها واسترسالها، ولهذا يستطيع الدارس أن يغفل هذا المظهر دون أن يجوز بذلك على المبنى العام للقصيدة، وهو مبنى قائم في جملته على التوازي المستمر بين شيئين أظهرهما: موت " البطلة " وتحولها إلى جزء من الطبيعة الأم المخصبة تلك الطبيعة ترثي المحبوبة إلى الكون بترديد الخبر عن
موتها، كأنه القوة السارية في تلك الطبيعة، وحياة " المحب " والسخرية من تلك الحياة إذ يحاول استمداد البقاء من عنصر مجدب ميت تافه صغير هو " الخيط " ، وبين هذين المتوازيين تقع المتوازيات الأخرى من حركة وتوقف، وتوبة وعقاب، ومسموع ومنظور، وراحة أبدية وعذاب مستمر، والتطهر بالموت (دون ذنب) والحرمان من التطهر (وبقاء الذنب)، إلى غير ذلك من صور التوازي.
هذا المبنى المتوازي ليس هو الذي يمنح القصيدة لونا جديدا، لأنه موجود في الشعر الكلاسيكي، كما أن منحاها الرومنطيقي لا يمنحها جدة وإنما يلحقها بتيار عريق في التاريخ الشعري، ومع ذلك يحس القارئ بهذه القصيدة أنها تنفرد بسمات مميزة: ومن أبرز تلك السمات طريقة خلق التوازي، وخلق الجو شبه الديني، والإلتفات إلى العناصر الصغيرة التي بها يكتمل نظام المبنى، فهل هذا كله من أثر انتحال جديد؟ مهما يكن الجواب على ذلك، فإن هذا الشكل قد يسر الجانب التحليلي، وقوى العنصر الدرامي، وجعل للتوازي مجالا واسعا، وسيجد من يدرس شعر نازك أن هذه القصيدة تعد معلما على التيار الكبير في ذلك الشعر، من حيث الاحتفال بالبناء والتحليل والدرامية وبسط التمهيدات المكانية والزمانية، والتمرس بمشكلة الموت وبالزمن، والاغتراف الكبير من الذاتية ذلك الاغتراف الذي يجعل التوجه إلى الخارج أمرا مرهقا غير سهل بل قد يستعصي على الشمولية والاحكام، فليس غريبا إذا وجدنا نازك تستقل بإتجاه خاص في الشعر يصعب التحول عنه.
وقد سار بدر شاكر السياب في قصيدته " في السوق القديم " على الطريق الذي سلكته نازك من حيث قسمة


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .