انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب الحديث

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 4
أستاذ المادة مثنى عبد الرسول مغير الشكري       20/11/2012 09:08:55
دلالة البواكير الأولى
القصيدتان اللتان وصفتا بأنهما بداية الانطلاقة الجديدة في الشعر، وهما قصيدة " الكوليرا " لنازك، وقصيدة " هل كان حبا " للسياب ، لا يصلح اتخاذها مؤشرا قويا على شيء سوى تغيير جزئي في البنية، فأما الأولى فأنها خبب مسيقي لذلك الموكب المخيف الذي يمثله الموت، ووصف خارجي للوصول إلى إثارة الرعب ؟دون القدرة على إثارته - باختيار مناظر يراد بها أن تصور هول الفجيعة، وأما الثانية فإنها تنطلق من محاولة لتحديد معنى الحب هل هو نوح وابتسام أو خفوق الأضلع عند اللقاء، ثم تتردد فيها المشاعر بين تصوير للغيرة والشك والحسد للضوء الذي يقبل شعر المحبوبة، ولولا تفاوت ضئيل في بعض الأشطار دون بعض، لما ذكرت هذه القصيدة أبدا في تاريخ الشعر الحديث.
أذن فإن اختيار هاتين القصيدتين لدراسة معالم الاتجاهات لهذا الشعر في البداية لن يؤتي نتيجة تلفت الأنظار، ولهذا كان لابد من تجاوزهما، زمنيا، إلى نماذج مما جد بعدهما، وبين العمد والعفوية، أراني أختار لهذه الغاية ثلاث قصائد للرواد الثلاثة الأوائل، وهي: قصيدة " الخيط المشدود في شجرة السرو "
لنازك (1948) و " في السوق القديم " للسياب (غير مؤرخة ولكنها ربما لم تتجاوز 1948) و " سوق القرية " للبياتي (حوالي سنة 1954) مع الاستعانة في تحليل القصيدة الثالثة، بقصيدة رابعة للبياتي عنوانها " مسافة بلا حقائب " وكلتاهما من ديوانه " أباريق مهشمة " . (1)
ومن أجل أن أضع القارئ في جو قصيدة نازك " الخيط المشدود " أقول أنها قصة محب كان يظن واهما أن الحب في قلبه قد مات، ولكنه عاد إلى المعاهد الأولى لذلك الحب، وأقترب من " البيت " والهواجس تقول له لأن صاحبته ما تزال على عهده وأنه سيلقاها ولا بد، وبعد أحجام يدق الباب، فلما لم يجبه صوت، يفتحه فيرى في ظلمة الدهليز وجها شاحبا، هو وجه الأخت (أخت المحبوبة)، ويقف السؤال في فمه وهو يحاول أن يقول: هل؟. ويجيئه الجواب، أنها " ماتت " ، وفيما هو يسمع هذه الكلمة الرهيبة وهي تتردد في أذنيه كالمطرقة، يتعلق طرفه بخيط مشدود في شجرة سرو قائمة في باحة البيت، وبين رنين اللفظة الداوي يملأ الليل صراخا: " ماتت. ماتت " وبين الخيط المشدود تتوزع نفسه متقسما، ويطول به الوقوف، وهو غائب عما حوله، تتجاذبه القوتان الطاغيتان، ثم يعود ؟وهو ما يزال يسمع الصوت - والخيط في يده يعبث به ويلفه حول إبهامه.
على هذا الوجه تبدو القصيدة تصورا ذاتيا لما سيحدث في المستقبل، فهي حلم أو نبوءة أو أمنية تصور العودة ومد العواطف المستشرقة للقاء حتى الذروة، ثم الصدمة النفسية ثم التمزق ثم العودة الثانية (عودة المحب أدراجه مضطربا آيسا)، فهي أذن وجدانية ذاتية، ومن خلال هذا التلخيص تبدو عادية في رومنطقيتها. ولكنها ليست كذلك لاحتوائها على عناصر شعرية رفعتها فوق ذلك المستوى.
وقبل الحديث عن تلك العناصر لا بد من الإشارة إلى أن الشاعرة اهتمت في فاتحتها بإبراز الجو المكاني والزماني " الشارع المظلم ؟الليل - أشجار الدفلى " وهو جو ذو صلة بالذكريات، غير أن رسم مثل هذا الجو وتحديد معالمه يعد متكأ أثيرا لدى الشاعرة في كثير من قصائدها السابقة واللاحقة، كأن تقول: " في سكون المساء/في ظلام الوجود " أو " كان المغرب لون ذبيح/ والأفق كآبة مجروح " أو " في الكرادة في ليلة أمطار ورياح " ؟ الخ، وغالبا ما تكون هذه التوطئة إيذانا بقص حكاية، وقد عمدت في هذه القصيدة إلى هذا الشكل القصصي نفسه، لأنه شكل قابل للنمو الطبيعي بين طرفي " العقد والحل " ، ولأنه يتلائم بقوة وتلك الحرية التي اختارتها في سياق التفعيلات المتفاوتة، وقد مكنها الشكل المتحرر والقالب القصصي من إبراز أمر ثالث وهو: التعمق في تحليل نفسية المحب وربط تلك النفسية بمظاهر الطبيعة، وإخراج بعض كوامن تلك النفس على شكل حديث ذاتي أو مونولوج داخلي، يعكس الاستشراف والقلق والتذكر والتردد والحيرة والابلاس والتعب الذي يشرف بصاحبه على الانهيار.
ويمثل " البيت " عنصرا هاما في قصيدة نازك، بل في كثير من قصائدها:
وترى البيت أخيرا
بيتنا، حيث التقينا
عندما كان هوانا ذلك الطفل الغريرا
وترى البيت فتبقى لحظة دون حراك
ها هو البيت كما كان هناك؟.. "


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .