انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

تكمله للمحاضرة السابقة

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       3/12/2012 6:16:33 AM
حدثنا المقري في مقدمة كتابه عن جميع المرحلة التي سبقت تهممه لتأليف هذا الكتاب، ومنه نفهم أنه ثمرة لزيارته التي قام بها لدمشق، فقد حدث تلامذته فيها عن لسان الدين ومكانته السياسية والأدبية فأثار في نفوسهم حب الاستطلاع إلى مزيد من البيان عنه، وكان أحمد الشاهيني المدرس بالجمقمقية أشدهم إلحاحاً في ذلك، ولهذا نزل المقري عند رغبته، ووعده ((بالشروع في المطلب عند الوصول إلى القاهرة المعزية))، وبعد أن قطع في العمل شوطاً بدا له أن هناك صعوبات لا يستطيع التغلب عليها، فخامره التردد من جديد، وعاود ابن شاهين الإلحاح وكان اطلع على بعض ما جمعه المقري، فأحس بخيبة أمله لأن المقري لم يدرج في فاتحة الكتاب المجموع ما دار بينها من محاوره، مما اضطر المقري إلى معاودة العمل على نسق جديد، وتخصيص قسم من المقدمة ومن الكتاب لذكر دمشق وأصحابه فيها، وكان في البداية يزمع أن يسميه ((عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب)) فلما رأى أن المادة التي اجتمعت لديه قد استفاضت بحيث شملت تاريخ الأندلس وأدبها غير اسم الكتاب وجعله ((نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب)). وعلى هذا النحو أصبح الكتاب قسمين: قسم خاص بالأندلس عامة وقسم خاص بلسان الدين وما يتعلق به من شئون. وفي كل قسم من هذين القسمين ثمانية فصول. وقد فرغ من كتابته ((عشية يوم الأحد المسفر صباحها عن 27 رمضان سنة 1038 بالقاهرة)) ثم ألحق فيه كثيراً في السنة التالية بعدها فيكون جميعه في آخر ذي الحجة الحرام تتمة سنة 1039.
والحق أن زيارة المقري لدمشق كانت ارتباطاً ((بوعد)) ساعد المقري على إنجاز الكتاب، ولكني أرجح أن فكرة الكتاب كانت تجول في ذهنه، قبل ذلك؛ لأسباب منها:
1 - أن إعجابه بلسان الدين ابن الخطيب، بحيث يقلده في طريقته الإنشائية ويحفظ الكثير من رسائله وشعره، كان قميناً بدفعه إلى كتابه مؤلف عنه، وخاصة لإحساسه بالغربة والوحشة اللتين أحس بهما ((مثله الأعلى)) حينما لجأ إلى المغرب.
2 - أن مثل هذا الكتاب كان كفيلاً بأن ينفس عنه كربه، ويعود به من خلال أشعار الحنين ومن خلال التاريخ الماضي والقريب إلى وطنه، عودة نفسية وروحية.
3 - أن المنهج للتأليف في لسان الدين كان سهلاً مفتوح المسارب أمام عينيه لأنه قد مارس مثل هذا المنهج حينما كتب عن القاضي عياض كتاباً سماه ((أزهار الرياض)).
4 - أن انفصام آخر الروابط الإسلامية من الأندلس لم يكن قد مضى عليه إلا سنوات، فكانت صورة ((المأساة))ما تزال تلح على مخيلة المقري، وكان الربط بين الماضي والحاضر من الأمور التي تعين على التذكر والتذكير والعبرة في آن واحد؛ وكل من درس ((نفح الطيب)) بتأمل، سيشعر بهذه الناحية، ويكفينا مثلاً على ذلك تلك الوقفة الطويلة التي وقفها المقري وهو يستعيد صورة المنصور بن أبي عامر الذي يمثل البطولة العربية بالأندلس في أوجها.
5 - كان المقري كغيره من المغاربة يحس مدى إهمال المشارقة للتراث الأندلسي والمغربي، وكان ذلك الإهمال في القديم للاعتداد بالثقافة المشرقية، أما في عصر المقري فكان سببه ضعف الثقافة عامة، وحسبك أن تجد لسان الدين - وهو من هو في المغرب والأندلس - محتاجاً إلى من يعرف المشارقة به ويحدثهم عن أخباره؛ ولهذا وجد المقري أن كتابه مؤلف جامع شامل تحقق هذا الغرض، وكان في البدء يزمع أن يقصره على لسان الدين، ثم وجد أن صورة لسان الدين لا يمكن أن تتضح إلا على محمل من التطور الأدبي والسياسي في الأندلس. وفي الوقت نفسه كان الكتاب يحقق تبيان الصلة الثقافية بين المشرق والمغرب، ولهذا خصص جزءاً كبيراً من كتابه للرحلتين: رحلة المغاربة إلى الشرق ورحلة المشارقة إلى الأندلس والمغرب، وفي هذه الناحية الثانية كان المقري يحس أنه حلقة في تلك السلسلة الطويلة، وكأنه في مقدمة الكتاب وفي بعض
فصوله الأخرى سجل طرفاً من رحلة، كما سجل أسلافه من قبل أخبار تنقلاتهم. وبذلك أسعفه مؤلفه هذا على أن يحقق ما قد نسميه ((نزعة مغربية)) وهي نزعة لا تقتصر على الرحلة وإنما كانت تشمل نقل التراث المغربي الخالص والأندلسي إلى المشارقة.
ولست أرى المقري مغالياً أو مترسماً لتقليد معين حين يعلن عن تهيبه من الإقدام على هذا التأليف؛ نعم كان المنهج أول الأمر واضحاً في مخيلته، ولكنه ما إن بدأ العمل حتى واجهته أكبر صعوبة يمكن أن تواجه من يتصدى لذلك، أعني ندرة المصادر الأندلسية والمغربية في المشرق. ولسنا ننكر أن الرجل كان ذا ذاكرة قوية، ولكن الذاكرة القوية لا يمكن أن تسعفه في كل وجه، ولو كانت كذلك حقاً لأنقذته من التكرار الكثير الذي يقع في صفحات متقاربات أحياناً، ثم هناك أشياء قد اختلت عن صورتها الأولى في ذاكرته لأنه حفظها حفظها منذ عهد بعيد، وإذن فما العمل؟ إن كل من يقرأ النفح يحس أن المقري لم يكن لديه نسخة من الذخيرة أو من المقتبس أو من زاد المسافر أو من الصلة لابن بشكوال، ولم يتح له أن يطلع على صلة الصلة والذيل والتكملة والحلة السيراء وتحفة القادم وجذوة المقتبس ومعجم أصحاب الصدفي... إلخ؛ وإذا رأيته يذكر هذه الكتب فهو إنما ينقل عنها بالواسطة. ولهذا كله انقض على مصادر معينة فأسرف في النقل عنها لأنه لا يملك سواها، فقد وجد لديه من مؤلفات ابن سعيد المغرب والقدح المعلى (أو اختصار القدح) ووجد للسان الدين نفسه الإحاطة وللفتح ابن خاقان المطمع والقلائد، وكان بين يديه كتاب ابن الفرضي في العلماء والرواة وكتاب المطرب لابن دحية ودرر السمط وكتاب التكملة لابن الأبار، وتاريخ ابن خلدون ونيل الابتهاج لشيخه أحمد بابا، وأمعن في التفتيش عن كل ما دونه المشارقة من أخبار الأندلس فاستعان بابن خلكان وبالخريدة وبكتاب بدائع البدائه لابن ظافر، ونقل أكثر ما فيها من حكايات وأخبار أندلسية، وكان مما جرأه على الاضطلاع بذلك العبء، أنه كان قد نقل كثيراً من المادة
ومع أن نفح الطيب أقدم كتاب أندلسي ظهر للنور وعرفته المطبعة العربية وكان مصدراً لأكثر ما عرفه المشارقة عن الأندلس في مدى مائة عام أو أكثر فإنه لم ينل من عناية المحققين ما ينبغي له، وخير طبعة ظهرت منه هي تلك التي تولاها بالعناية كل من دوزي ودوجا وكريل ورأيت (ليدن: 1855) فقد اعتمد هؤلاء المستشرقين على النسخ الخطية التي توفرت لهم في باريس ولندن وأكسفورد وغوطة وبرلين وكوبنهاجن وبطرسبرج، ونشروا الكتاب في قسمين يحتوي كل قسم على جزءين وألحقوا بذلك جزءاً صغيراً يضم الفهارس والتصويبات، ومع أن هذه الطبعة لم تشمل إلا القسم الأول من النفح، فليس ذلك مما يحول بيننا وبين كلمة إنصاف لهؤلاء المحققين، ذلك أنهم توخوا الدقة في مقارنة المخطوطات واجتهدوا في مراجعة نصوص النفح على ما تيسر لديهم حينئذ من مصادر، فجاء الكتاب ذا طابع علمي موثق د طبع النفح عدة طبعات في المشرق كان أولها طبعة بولاق سنة 1279، وهي على ما فيها من جهد مليئة بالخطأ، وليس فيها ما في الطبعة الأوروبية من دقة علمية؛ ثم كان آخر الطبعات المشرقية طبعة المكتبة التجارية بإشراف الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد (القاهرة: 1949)، وقد أفاد فيها من الطبعة الأوروبية ومن الطبعات المشرقية، فجاءت في صورة مقبولة نوعاً ما، ولذلك أبحت لنفسي أن أشير إليها باسم ((التجارية)) إشارات قليلة، وإن كنت لا أعدها أصلاً لأنها لم تعتمد على نسخ خطية.
وفي سبيل أن أوفر لهذه النشرة الجديدة ما تتطلبه الأمانة العلمية من جهد راجعت النفح على كل ما استطعت الحصول عليه من مصادره - خطية كانت

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .