انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

تكملة بواكير الشعر في عهد الخلافة الاموية بالاندلس

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       3/12/2012 5:59:09 AM
ثم أن الغزال سلم من هول تلك البحار، وركوب الأخطار؛ ووصل أول بلاد المجوس إلى جزيرة من جزائرها فأقاموا فيها أياماً وأصلحوا مراكبهم، وأجموا أنفسهم. وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم، فأعلمه بلحاق الرسل معهم، فسر بذلك ووجه فيهم، فمشوا إليه إلى مستقر ملكه، وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطردة وجنات، وبينها وبين البر ثلاث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم. وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة. منها صغار وكبار،أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار، ودينهم الذي كانوا عليه، ورجعوا نصارى إلا أهل جزائر منقطعة لهم في البحر هم على دينهم الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم. فأمر لهم الملك بمنزل حسن من منازلهم، واخرج إليهم من يلقاهم، واحتفل المجوس لرؤيتهم. فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم انزلوا في كرامة، وأقاموا يومهم ذلك، واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته، فاشترط الغزال عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجبهما إلى ذلك. فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعاً، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفاً. والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلاً بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا انه رسول لأنكرنا ذلك عليه. ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب، وفسر له. فأستحسنه وأخذه في يده، فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها، ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني! فأعجب بها، وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم.
وللغزال معهم مجالس مذكورة، ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم.
ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه، فلما دخل عليها سلم، ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر المتعجب. فقالت لترجمانها: سله عن إدمان نظره لماذا هو؟ أ لفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: ما هو أني لم أتوهم أن في العالم منظراً مثل هذا، وقد رأيت عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع الأمم فلم أر فيهن حسناً يشبه هذا. فقالت لترجمانها: سله أمجد هو أم هازل؟ فقال: لا، بل مجد. فقالت له: فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال: فاعرضوا علي من نسائكم حتى أقيسها بها. فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن، فصعد فيهن وصوب ثم قال: فيهن جمال وليس كجمال الملكة، لأن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد، وإنما يعني به الشعراء، وإن أحبت الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بلادنا فعلت ذلك. فسرت بذلك سروراً عظيماً وزهيت، وأمرت له بصلة، فامتنع من أخذها الغزال، وقال: لا أفعل. فقالت للترجمان: سله، لم لا يقبل صلتي؟ أ لأنه حقرها أم لأنه حقرني؟ فسأله، فقال الغزال: إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً. فلما فسر لها الترجمان كلامه زادت منه سرورا وعجبا، وقالت: تحمل صلته إليه، ومتى أحب أن يأتيني زائرا فعلا يحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة. فشكرها الغزال، ودعا لها وأنصرف.
و لما أنشد " نود " الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب. ففعل ذلك الغزال، وغدا عليها يوماً ثانيا. وقد اختضب؛ فمدحت خضابه وحسنته عنده، ففي ذلك يقول الغزال:
بكَرتَ تُحًسِّنُ لي سَوادَ خِضَابي ... فكأنّ ذاك أعادني لشَبابِي
ما الشَّيبُ عندِي والخضابُ لواصفٍ ... إلاّ كَشَمس جُلِّلت بضَباب
تَخْفَى قليلاً ثم يَقْشَعها الصَّبا ... فيصيرُ ما سُتِرت به لذَهاب
لا تُنكري وضَح المَشيب فإنّما ... هو زَهْرَةُ الإفهام والألبْاب
فلديّ ما تَهويْن من شأن الصّبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب
ثم انفصل الغزال عنهم و خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرا ومن قوله أيضا المتفق عليه في جميع الروايات:

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .