انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة علي حسوني شلاكة الشريفي
6/21/2011 10:11:22 PM
أهمية نظرية النظم في نقد النص الأدبي:
تأسيساً على الذي مضى بيانه من مقومات وخصال تمام بلاغة الخطاب وأدبيته، والطريق إلى تحقيق تلك المقومات(1)، وبيان عمود تلك البلاغة، وبيان جوهره ومفهومه، وتعدد أنماطه التركيبية والتصويرية، تعدداً لا ينتهي إلى غاية(2)، ثم تبيان مرجع المزية والفضيلة الأدبية لأي نمط من تلك الأنماط، وأن هذا المرجع إنما هو ذو عناصر ثلاثة، الأول: يتضمن علاقة النمط التركيبي والتصويري والتحبيري بالمعنى والغرض الذي يوضع له الكلام، والثاني والثالث، على الترتيب: يتضمن علاقة البيان (اللفظ والمعنى)، وعلاقة بعضهما ببعض في تحقيق بلاغة الخطاب وأدبيته(3)، وعلى تبيان تعدد وتفاوت مستويات النظم في مدارج الفضيلة(4).
تأسيساً على كل ذلك الذي مضى تبيانه فإنَّ النظم لتتبين أهميته في نقد النص الأدبي، أو بعبارة أخرى تتبين أهميته في النقد الأدبي للنص. وحين أكدت وصف النقد بأنه الأدبي أشير إلى أن النص يمكن أن تتناوله صنوف من مناهج النقد، ومنها منهج النقد الأدبي، أي المنهج الذي يعمد إلى تحليل وتأويل ما به يكون النص كله في كافة عناصره ومستوياته أدباً، فإذا ما تم الوفاء بحق ذلك التحليل والتأويل لأدبية النص كان البلوغ إلى وصف منزله من الجمال أو القبح. وذلك البلوغ إلى وصف المنزلة مرحلة أرى أن العناية بما يسلم إليها أولى من العناية بتقريرها؛ لأن من حلَّل وفسَّر وأوّل فقد فتح لك الطريق المعبّد المطرّق إلى أن تقف بنفسك على الوصف الحقيقي لمنزلة ذلك النص من الجمال أو القبح، فالنقد الأدبي في أساسه تبيين وتحليل وتأويل، وما التقدير جمالاً وقبحاً إلا لازم ذلك التبيين والتحليل والتأويل، فالنقد الأدبي إنما هو عمل وصفي في المقام الأول، معياري فيما بعده.
__________
(1) انظر: الدلائل: 43، ف35.
(2) انظر: الدلائل: ص81 ف75، ص87 ف80.
(3) انظر: الدلائل: ص259 ف301، ص422 ف497.
(4) انظر: الدلائل: ص93 ف83، ص96 ف 85، ص88 ف81.
(1/70)
ولما كان النظم عمود بلاغة الخطاب، وكان نقد أي نص لابد أن يعنى بذلك العمود، فإن الإمام عبد القاهر يقيم نقده النص نقداً أدبياً، أي نقد ما به يكون الخطاب أدباً على أمرين أساسين أكدهما الإمام عبد القاهر:
الأول: المنهج التحليلي الاستقصائي لكل مكونات وعناصر الخطاب الأدبي(1).
والآخر: موضوعية التحليل والتعليل، والإبانة عن ذلك بلسان عربي مبين(2).
((ومثل هذا النقد مسهب، ومن ثمَّ فهو مديد طويل، إذ يستطيع أن يهتم بالعلاقات المتداخلة بين المعاني، ويتطرق إلى أدق صنوف تلك العلاقات، وأن يُعنى بأصغر العناصر في المبنى، وبالإيحاءات الجانبية، وبالظلال التي قد تمرّ دون أن يلحظها قارئ عارف بالأثر المنقود تمام المعرفة، وهي ظلال لا يلمحها إلا ذو تمرس لبيق بارع))(3).
وتأسيساً على دعامتي التحليل الاستقصائي والتعليل الموضوعي، فإن المجال الرئيس لهذا النقد عند الإمام إنما هو العلائق الروحية بين معاني الكلم، والتي تتبعها ـ ضرورة عنده ـ العلائق الحسية بين ألفاظ الكلم(4). وهذا يبين ويقرر أن القيم الأدبية للعلائق الحسية مرتبطة بل منبثقة من القيم الروحية لمعاني الكلام.
فالنقد الأدبي للنص ينبغي أن يوفي العلائق الروحية بين معانيه الجزئية والكلية، والعلائق الحسية بين ألفاظه وأنغامه حقهما، شريطة أن يكون المنطلق الذي تنقد منه العلائق الحسية للألفاظ هو العلائق الروحية لمعاني الكلام. وكل ذلك مرهون ـ أيضاً ـ بنقد علائق هذين الضربين من العلاقات بالمعنى الكلي، والغرض المنصوب له الكلام(5).
__________
(1) انظر: الدلائل: ص37 ف29.
(2) انظر: الدلائل: ص41 ف33.
(3) مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ديفيد دينشس، ترجمة محمد يوسف نجم: 469.
(4) انظر: الأسرار: ص5 ف3، 4، 5، 6، 7، 11، 12، 17، 19.
(5) انظر: الدلائل: ص87 ف80.
(1/71)
من هنا كان استثمار النظم في النقد الأدبي للنص مقتضياً إخضاع كل عنصر وجانب من عناصر وجوانب بناء النص الأدبي للتحليل والتأويل وللتعليل الموضوعي، وربط ذلك كله بالمعنى الكلي، والغرض العام المنصوب له الكلام.
ذلك تبيان معالم المشروع النقدي لعبد القاهر في طوره التصوري النظري له، وهو كما ترى يكاد يبلغ حد النظرية المكتملة عناصرها، لتبقى من بعد ذلك الممارسة المعرفية والذوقية المسترشدة بتلك النظرية، دون أن يكون هنالك إخضاع قسري لحركة الممارسة الذوقية والتحليلية في النقد العملي للنص، بمعنى أن تكون الممارسة من قبيل النقد التحليلي العملي، وليس من قبيل النقد التطبيقي المهموم برؤية صورة التصور النظري في مرآة النص، كما نراه عند بعض أهل العلم من سعيهم إلى رؤية النظرية البلاغية أو النقدية التي ارتضاها قائمة في صفحة النص الذي عمد إلى درسه.
والنقد التحليلي العملي مهموم برؤية واقع النص على ما هو عليه، سواء كان مقارباً نظرية معرفية وذوقية ما أو مفارقاً. فالتصور النظري في النقد التحليلي لا يعدو أن يكون أداة ووسيلة ينظر بها الواقع، وليس معياراً يحاكم به واقع النصّ.
وإذا ما كنّا قد رأينا الإمام عبد القاهر قد منح التصور النظري كثيراً من حقه ووفاه حسابه، فإننا حين نتابع الممارسة التذوقية التحليلية للنصوص فإنه يحسن بنا أن ننظر إلى صنيعه من جانبيين:
الأول: مبلغ استثمار ذلك التصور النظري في رؤية الواقع الأدبي للنص وتحليله في مستوياته التركيبية على اختلاف تفاسحها، بدءاً من الصورة الجزئية الماثلة في الجملة النحوية، إلى الصورة الكلية الماثلة في الجملة البيانية التي قد تحوي عديداً من الجمل النحوية المرتبطة بنواسق لسانية، والمرتبطة بعلائق روحية منبثقة من داخلها هي.
والآخر: مدى المجال الذي امتدت إليه الممارسة التحليلية التذوقية، المستثمرة التصور النظري في رؤية الواقع الأدبي على المساحة النسيجية للنص الأدبي.
(1/72)
وسأتناول ـ بإذن الله ـ قراءة ممارستين نقديتين لعبد القاهر لصورتين شعريتين:
الأولى: استخدم الإمام عبد القاهر فيها منهج الأقدمين في التنبيه على مكان الخبيء ليُطلب، وموضع الدفين ليبحث عنه فيُخرج(1).
والآخر: مارس هو بنفسه طلب ذلك الدفين فأخرج بعضه(2).
وإذا ما جئنا إلى تبيان مدى المجال الذي امتدت إليه الممارسة التذوقية التحليلية، فإنّ الذي بلغنا من تراث الإمام عبد القاهر ليس فيه ما يدل على أنّ الإمام قد عمد إلى نصّ أدبي، شعراً أو نثراً، كاملاً فتناوله بالتذوق والتحليل.
ولا أظن أنّ الإمام قد كان منه ذلك عن عجز أو غفلة عن أهمية التدرج من المستوى الجزئي في النقد إلى المستوى الأعلى، الذي يبلغ النسيج الكلي للنصّ، وذلك من أمرين:
الأول: ما أشرت إليه قبل في مبحث "مستويات النظم عند الإمام"، وجعله النظم القائم في مجال بناء الجملة كلا نظم في صحبة النظم القائم بين علاقات الجمل في بناء الفقرة، على نحو ما سمعته في نقده كلمات الجاحظ: "جنبك الله الشبهة …"(3).
__________
(1) انظر: الدلائل: ص34 ف27، ص84-86 ف78.
(2) انظر: الأسرار: ص21-23 ف19، والدلائل: ص74-76 ف67، 70.
(3) انظر: الأسرار: ص180-110 ف102.
(1/73)
والآخر : أن بين أيدينا قولاً منه في باب آخر غير باب نقد بلاغة النصّ الأدبي الإبداعي، وهو باب بلاغة البيان القرآني، يقرر فيه ما يؤكد وعي الإمام منزلة التحليل والتأويل المتصاعد من الصورة الجزئية إلى الصورة الكلية النصية، يقول الإمام: ((… أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان. وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعُشْراً عُشْراً ، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاماً والتئاماً وإتقاناً وإحكاماً لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حكّ بيافوخه السماء موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدَّعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول))(1).
فانظر قوله: "تأملوه سورة سورة … وآية آية"، فيه دلالة على أن التأمل والتحليل لا يقف عند مستوى جزئي معين، بل هو شامل كافة المستويات التركيبية. وفيه دلالة على أنه ذاهب إلى قيمة التحليل النصي، وإن لم يدعم ذلك اليقين النظري منه بأهمية ذلك بممارسة تحليلية لنص كامل، إلا ما كان منه من إشارة إلى موطن الخبيء في نظم سورة الفاتحة، وما قامت عليه من علائق روحية بين معاني كلمها(2).
__________
(1) الدلائل: ص39 ف31.
(2) انظر: الدلائل: ص452 ف534.
(1/74)
فهل كان خلو تراث الإمام من الممارسة التذوقية التحليلية لبناء نصّ كامل مرجعه قرب الأجل؟ لعل استفراغ الإمام عبد القاهر كثيراً من جهده ووقته في التصدّي لمقالات المخالفين ونقدها ونقضها ذو أثر بليغ في افتقاره إلى ما يحقق للتحليل والتذوق الكلي للنص حقه. وهذا واحد من الآثار غير الحميدة لاشتغال الرواد والأئمة بنقض مقولات المخالفين، من قبل الوفاء التام بحق إقامة بناء التصور النظري للمذهب إقامة كاملة، ثم الوفاء التام بحق الممارسة التذوقية التحليلية لكافة مستويات البناء الأدبي للنص، بدءاً من أصغر عنصر من عناصره اللسانية والروحية، إلى أعلاها وأبسطها مدى: النص كله.
لو أن عبد القاهر تجاهل الاشتغال بنقد ونقض مقالات الآخرين، وانصرف إلى تشييد نظريته تصويراً نظرياً، وتدبّراً عملياً في كافة مستويات النظم، فإن بقي من العمر والجهد شيء صرفه في النقد والنقض لمقالات المخالفين، فإن لم يبق فإن فيما أدّى حقه الكفاية والغنية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنْ يبصر من خلاله عوار مقالات المخالفين ومعاباتها.
المهم أنّ علماءنا الأماجد في غير باب نقد النص الأدبي، في باب فقه البيان القرآني كانوا أسرع إلى الأخذ بالتصور النظري لدى الإمام عبد القاهر، واستثماره في مجال عنايتهم ودراستهم، فاستثمرت نظرية نظم النصّ في كافة مستويات النظم والترتيب والتأليف والتركيب النصي في القرآن الكريم، ولم يقتصر تدبرهم وتحليلهم على بناء الجملة النحوية، بل تجاوز ذلك بناءَ الجملة البيانية ذات الجمل النحوية العديدة، إلى بناء المعاقد المشكل بناء النص/ السورة القرآنية، بل امتد ليشمل بناء السياق البياني للقرآن الكريم، القائم على أساس الإحكام ثم التفصيل في مستوياته العديدة، التي أعلاها أحكام بيان معاني الهدي القرآني في سورة أم الكتاب، وتفصيله في سائر سور القرآن الكريم كله، تفصيلاً تتناسل عناصره من رحم السورة الأم.
(1/75)
وأنت لا تجد بيانا بشرياً أو غير بشري قد عولج بناؤه على هذا المنهاج التحليلي والتركيبي، كمثل ما أنت مبصره في صنيع علماء القرآن الكريم ببيانه الحكيم، وهم لا يعتمدون في ذلك على النظر الشكلي للبناء السوري وعلاقات السور ببعضها، بل تجاوز العناية بعلائق فواتح السور بخواتم ما قبلها، وإنْ كان ذلك في نفسه جد كريم، وذا لطائف إشارية ليس هنا مجال تجليتها ـ تجاوزوا ذلك إلى فقه العلائق الروحية بين المقاصد والأغراض والمعاني الكلية بين السور، بما يكشفون به عن وجهين:
الأول: التصريف البياني لتلك المقاصد والأغراض المنصوب لها الكلام.
والآخر: تصاعد المقاصد، والنمو الدَّاخلي للمعنى القرآني المكنونة جرثومته في سورة "أم الكتاب"، والمفصّل في سائر القرآن تفصيلاً تصاعدياً لا تراكمياً.
هذا الاستشراف النبيل الماجد لاستثمار نظرية النظم في فقه بلاغة البيان القرآني من علمائنا الأجاويد، لا نجد له عند الأقدمين من علماء البلاغة والنقد ما يضارع حركته وامتداده في دراسة النصّ الأدبي، شعراً ونثراً، فضلاً عن دراسة ديوان شعر شاعر. ولو أنّ عنايتهم بما اختاروا أن يكون من أهل العلم به من الإبداع الأدبي كانت على هدي وقدر عناية أقرانهم من علماء بيان القرآن الكريم ـ لو أنهم فعلوا وساروا بمنهاجهم على هدى خطا أقرانهم من علماء القرآن الكريم، لكانت ثمار النقد الأدبي عندنا أوفر عطاء وأسمى منزلة مما هي عليه الآن.
(1/76)
ومن اللافت للنظر والمثير للعجب أنّ استثمار نظرية النظم، والاسترشاد بها في باب فقه بلاغة القرآن الكريم في أصغر صوره التركيبية إلى أعظمها: "السياق القرآني كله" قد بلغ ذروته وشرفه في القرن التاسع الهجري في عصر المماليك، ذلك العصر الموسوم بعصر الانحطاط في الإبداع الأدبي، وبعصر الموسوعات، والتراكم المعرفي، والتناسخ الثقافي، والعقم الفكري، والافتتان بالزخرف، وغير ذلك مما تموج به كتابات النقاد المحدثين من وسم هذا العصر بميسم التخلف. من العجيب أن
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|