انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 3
أستاذ المادة علي حسوني شلاكة الشريفي
6/21/2011 11:08:23 AM
المقدمة
تزخر المكتبة العربية المعاصرة بقائمة واسعة من المؤلفات والدراسات والبحوث التي عنيت بالنقد العربي القديم تاريخا عاما، أو ما جاء منها لدراسة علم من أعلامه أو أثر من آثاره، وبعضها تخصصت في دراسة قضية نقدية معينة، أو اتجاه نقدي محدد. كما أن هناك دراسات كثيرة عنيت بالتأصيل النقدي، فبحثت جوانب النظر النقدي عند العرب بوصفه خبرة متراكمة تتناقلها الأجيال، وتعمل على تنميتها جيلا بعد جيل.
ونشير إلى أن الكتب التي أرخت للنقد الأدبي عند العرب هي من الكثرة، حتى إنه يستعصى علينا حصرها والوقوف على أسماء مؤلفيها، لكنها تبدو متشابهة في منحاها العام لأنها تقوم على رؤية عامة لقضايا النقد تغلب عليها النظرة الأفقية التي لا تستقصي الظواهر النقدية النوعية وإنما تؤرخ لها، ولذا يميز النقاد بين النقد باعتباره فعالية خلاقة وفنا وبين الدراسة النقدية أو تاريخ النقد باعتباره ضربا من المعرفة. ويبدو أن هذا المنحى في النظر النقدي يمكن ملامسته في كثير من الدراسات التي تميزت في أطروحاتها النقدية وزوايا النظر النقدي التي أخذت بها. حيث لم تكتف بالنظر إلى النقد ومسائله من ناحية تاريخية، لكنها ذهبت تبحث عن آفاق عامة لأطروحاتها النقدية تعتمد التدقيق في المقولات النقدية ودراستها في ضوء المؤثرات التاريخية المحيطة بها؛ ومن ثم إعادة التركيب لما جاء متفرقا منها في أطر عامة.
ويمكن القول إن كتاب تاريخ النقد الأدبي عند العرب للدكتور إحسان عباس و دراسة الدكتور عز الدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي القديم، ودراسة الدكتور جابر عصفور: مفهوم الشعر في التراث النقدي, ودراسة الدكتور عبد الحكيم راضي: نظرية اللغة في النقد العربي، ودراسة الدكتور توفيق الزيدي: مفهوم الأدبية في التراث النقدي إلى نهاية القرن السابع الهجري، ودراسة الدكتورة إنعام فائق محي: سلطة النص الشعري في المنظور النقدي والأدبي حتى نهاية القرن الخامس الهجري، ودراسة الدكتور عبد القادر باعيسى: التأصيل النقدي لفنية الشعر العربي قبل الإسلام وغيرها، تعد من الدراسات التي أخذت لنفسها توجهات نقدية نوعية، متجاوزة الدراسة التاريخية للنقد العربي وقضاياه. فكانت بذلك تؤسس لما صار يعرف اليوم بنقد النقد. فهي لم تكتف بالعرض للقضايا النقدية وتتبع زمان ظهورها، ولكنها أخذت على نفسها اتباع أسلوب المقارنة بين الأطروحات النقدية، وفحصها الأمر الذي أعانها على رؤية النقد بوصفه إبداعا لا يختلف عن النص الشعري الذي هو مادة ذلك النقد يتأثر به في صوغ مفاهيمه النقدية.
إن الباحث وهو يعد نفسه لإنجاز هذه الدراسة قد وقف عند عدد كبير من المؤلفات والدراسات التي أفاد منها أيما إفادة؛ وكان لها أثرها الكبير في إنارة طريقه، وفتحت أمامه آفاقا رحبة لرؤية النقد العربي في حركته الدائبة لصياغة مفاهيم نقدية جديرة بالنظر والتأمل.
لقد ظل النقد العربي حتى نهاية القرن الثاني الهجري نقدا فطريا أساسه الذوق والانفعال بالأثر الأدبي، يكتفي بالبحث في الجزئيات فكان البيت الشعري أو اللفظة المفردة مدار نقد علماء القرن الثاني الهجري. وجمع ذلك الجهد النقدي بين النحو والتذوق البلاغي الذي اقترن بالنظر في النص القرآني، وما يحتاج إليه ذلك من شواهد من كلام العرب وأشعارهم. إلى جانب ذلك فإن النقد ظل عملا هامشيا عند أولئك النقاد وأكثرهم من علماء اللغة الذين انشغلوا برواية الشعر وتنقيته من المنحول، وشروح غريبه. وقد وصفهم الجاحظ بقوله: (( طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فألفيته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فرأيته لا ينقد إلا ما يتصل بالأخبار وتعلق بالأنساب والأيام)).
لقد كان من نتائج رواية الشعر وتدوينه أن توفرت مادة شعرية كبيرة، لكنها لم تكن كما يرى أولئك النقاد على نسق واحد، الأمر الذي جعل أبا عمرو بن العلاء يقول :((لقد كثر هذا المحدث[أي شعر الإسلاميين] حتى هممت أن آمر فتياننا بروايته)). فالقول بوجود شعر محدث يقتضي بداهة وجود شعر قديم، وهذا يعني أن نقاد الشعر منذ القرن الثاني بدؤوا يميزون بين شعر وشعر. وعرف معجم النقد العربي مصطلحات جديدة؛ كالقديم والإسلامي والمحدث والمولد والطبقة والمصنوع والمطبوع وغيرها.
إن ما يميز النقد في القرن الثالث، لاسيما نقد أصحاب طبقات الشعراء، أنه ظل بعيدا عن التأثيرات الفلسفية والفكرية إذ كان هؤلاء أصحاب ثقافة عربية خالصة، وكانوا خصوما لدعاة الفلسفة والمنطق. وهو ما ميزهم عن نقاد القرن الرابع حيث أصبح أثر الفلسفة والمنطق واضحا في مؤلفات نقاد هذا القرن، فكان ذلك سببا إلى الاتجاه بالنقد إلى البحث عن العلل ووسائل القياس بعد أن كان قبل ذلك يقوم على الفطرة العربية الخالصة. وقد أدى ذلك إلى أن يتحول نقد الشعر وعلم الشعر إلى علم معياري يقوم على المقاييس العقلية، تجلى ذلك بصورة واضحة في كتابي قدامة( نقد الشعر) وابن طباطبا (عيار الشعر).
لقد رأى الباحث أن موضوع هذا البحث وهو (( الأسس النقدية في كتب طبقات الشعراء في القرن الثالث الهجري)) يكتسب مشروعيته من وجوه عديدة أهمها:
ـ أن كتب طبقات الشعراء تعد من المؤلفات الأولى في النقد العربي التي أُُسست على منهج دقيق في النظر إلى الشعر والشعراء يتجاوز المنهج اللغوي الذي ظل محور اهتمام نقاد القرن الثاني. إلى جانب ذلك فإن تلك الكتب أرادت أن تؤسس لنظرة كلية لنقد الشعر بعد أن كان النقد قبل ذلك يقوم على البديهة والارتجال والجزئية.
ـ أن هذه المؤلفات قد اختصت بالشعر والشعراء، فلم يبحث أصحابها في نصوص القرآن ولم يتعرضوا لفنون النثر.
ـ لقد لاحظ الباحث أنه على الرغم من الدراسات الكثيرة التي تناولت النقد القديم، لاسيما في القرن الثالث، إلا أن تلك الدراسات قد مالت إلى بحث القضايا النقدية بصورة متفرقة؛ فهناك أكثر من كتاب درس النقد اللغوي في القرن الثالث، وكذا نقد الشعر في القرن الثالث، كما أن بعض الدراسات عنيت بأعلام النقد في القرن الثالث، وتطرق بعض الدارسين للقضايا النقدية التي تضمنتها كتب طبقات الشعراء وفق رؤية تجزيئية وعامة لم تستطع الإحاطة بالمضمون النقدي لهذه المؤلفات . وربما اكتفت بعض الدراسات بالنظر في جانب محدد من هذا الكتاب أو ذاك وإغفال الجوانب الأخرى. فمثلا كان جهد ابن سلام في توثيق رواية الشعر الجاهلي مثار بحث مستفيض عند كثير من الباحثين. وتم التعرض على نحو يسير لموضوع تقسيمه للشعراء إلى طبقات، ولم يحظ هذا التقسيم بتحليل نقدي يستجلي الدوافع التي حدت بابن سلام إلى تطبيق القسمة الطبقية، إن صح التعبير، والأسس النقدية التي احتكم إليها في طبقاته. ولا يختلف الحال في الموقف من الموضوعات التي عرضها ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء حيث كانت قضيتا اللفظ والمعنى والطبع والصنعة ونظام القصيدة أكثر القضايا التي وقف عندها الباحثون المحدثون.
من هنا جاء اختيار الباحث لموضوع بحثه (( الأسس النقدية في كتب طبقات الشعراء في القرن الثالث الهجري)). فالباحث يعتقد أن تقسيم الشعراء إلى طبقات تقسيم نقدي يقوم على وفق أسس معينة كان النص الشعري هو المجال لاختبار تلك الأسس.
وقد رأى الباحث أن هذه الكتب هي من مؤلفات النقد في القرن الثالث ذلك إن ثلاثة من أصحاب الطبقات هم ممن عاشوا في القرن الثالث الهجري( ابن قتيبة وابن المعتز و أبو زيد القرشي). وكانت وفاة الأصمعي وابن سلام في الثلث الأول منه. فوجد الباحث أن لا ضير من أن يخضعوا جميعهم لهذا التحديد الزماني. وإلى جانب عامل الزمان فإن هناك عاملا آخر وهو التدوين؛ ذلك إن فحولة الشعراء وطبقات الشعراء لابن سلام والشعر والشعراء لابن قتيبة وطبقات الشعراء المحدثين لابن المعتز وجمهرة أشعار العرب هي من المدونات الأولى في النقد العربي القديم. وتبقى قضية فكرة الطبقات ومدى اتفاق أصحاب طبقات الشعراء في تطبيقها. فمع تقدير الباحث للآراء التي ترى أن فكرة طبقات في نقد الشعر قد تراجع استعمالها بعد ابن سلام، والدليل على ذلك أن ابن قتيبة جعل عنوان كتابه (( الشعر والشعراء))، فإن الباحث يعتقد أن فكرة الطبقات ظلت حاضرة في أعمال هؤلاء النقاد، وذلك ما سيكشف عنه البحث في صفحاته اللاحقة.
منهج البحث:
لما كانت غاية البحث هي تحديد الأسس النقدية في كتب طبقات الشعراء فإن ذلك قد اقتضى أن نتبع المنهج التكاملي الذي يفيد من المناهج الأخرى في الدرس الأدبي. ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا أنه قد تحقق في بحثنا حضورا واضحا للمناهج النقدية الرئيسة عدا المنهجين البنيوي والأسطوري. إلى جانب ذلك احتاج الباحث إلى اتباع خطوات إجرائية ضرورية تقوم على استقراء مختلف الآراء النقدية التي تضمنتها تلك الكتب، و فرزها وتبويبها على وفق ما رسمناه لبحثنا من أبواب وفصول، ومن ثم تحليلها وبيان قيمتها النقدية. وقادنا استقراء مادة البحث إلى بناء خطة البحث على تمهيد وبابين في كل منهما فصلان، وخاتمة للرسالة.
وكان موضوع التمهيد هو اتجاه التأليف في الطبقات عند العلماء العرب. وتضمن مسألتين إحداهما الأهمية التاريخية لتدوين التراث العربي والإسلامي. والثانية دواعي التأليف في الطبقات عند العلماء العرب منذ أواخر القرن الثاني الهجري.
ويلي التمهيد الباب الأول وقد تضمن فصلين:
الأول بعنوان (( الموازنات الشعرية في مرحلة ما قبل التدوين ). وقد بينا فيه أن الموازنات الشعرية كانت إحدى صور الممارسة النقدية عند العرب منذ الجاهلية، حيث كانت تتم الموازنة بين شاعر وشاعر أو بين نص شعري وآخر، ومن ثم كان هناك شاعر أفضل من آخر ونص أجود من غيره.
أما الفصل الثاني فقد خصصناه لبحث التكوين الثقافي لمؤلفي كتب طبقات الشعراء ومناهج التأليف. وقد أشرنا إلى أن العناصر الثقافية التي شكلت ثقافة هؤلاء تكاد أن تكون واحدة وهي الثقافة العربية الإسلامية. وأدى ذلك إلى وجود قدر من التشابه في نظراتهم النقدية، وحين تصدوا للتأليف في طبقات الشعراء كانوا يمتلكون رؤية منهجية وغايات نقدية جعلت مؤلفاتهم تكتسب قيمة عالية في التراث النقدي للعرب.
أما الباب الثاني فقد جعلناه لبحث الأسس النقدية في كتب طبقات الشعراء في القرن الثالث الهجري. وقد توزع على فصلين:
اختص الفصل الأول بالأسس النقدية الخارجية وهي تلك الأحكام النقدية التي عرضت لمسائل خارجة عن النص الشعري أو ما يسميه (جيروم) النقد السياقي الذي يبحث في الظروف التي ظهر فيها العمل الفني، أي ما يعرف بالتأثيرات الاجتماعية والتأثيرات النفسية وغيرها. وعرضنا فيه:
(1) الأساس الزماني و (2) أساس البيئة الطبيعية والاجتماعية و(3) الأساس النفسي.
أما الفصل الثاني فقد خصصناه لبحث الأسس النقدية الداخلية وهي تلك الأسس التي استقاها النقاد من النص الشعري أي المعايير الجمالية. وفيه عرضنا:
(1) أساس الجودة الفنية (2) أساس الصورة الفنية (3) أساس الطبع والصنعة (4) أساس اللفظ والمعنى.
ثم أٌنهيت الدراسة بخاتمة حاولتْ استخلاص النتائج التي توصل إليها الباحث. وأخيرا قائمة المصادر والمراجع التي أفاد منها الباحث.
وبعد فإن من حق الوفاء عليّ أن أتقدم لأستاذي الجليل الدكتور عبد الكريم توفيق عبود الذي كان رائدي في الوصول بهذا البحث إلى منتهاه بالشكر الجزيل، وأن أذكر له جهوده الطيبة التي غمرني بها منذ أن كان البحث مجرد فكرة عامة، وخطة أولية فكان لذلك أثره في تسديد خطاي وتصويب توجهاتي. وقد تحمل مشاق المتابعة المستمرة والتوجيه والنصح التي ظل حريصا عليها حتى أثناء عودته إلى وطنه العراق، فكانت شبكة الاتصالات العالمية قناة التواصل الدائمة بين الباحث ومشرفه. ولا يسعني هنا إلا أن أعبر له عن تقديري وشكري الكبيرين لتلك لجهود ودعواتي إلى الله العلي القدير أن يجزيه عن ذلك خير الجزاء.
الخاتمة:
تناول الباحث الأسس النقدية في كتب طبقات الشعراء في القرن الثالث بوصفها من أولى المؤلفات النقدية في تاريخ النقد العربي، إذ لم يصل إلينا أي كتاب نقدي يرجع تأليفه إلى ما قبل هذا القرن، حيث كان النقد قبل ذلك ممارسة تعتمد على الشفاهية، التي كانت أيضا وسيلة إبداع الشعر قبل القرن الثالث.
وكان من الطبيعي أن يقف الباحث أمام ظروف تعاطي النقد والشعر في مرحلة ما قبل التدوين فأشار إلى أثر الشفاهية في الإبداع والتلقي وفي آراء النقاد التي وصفت بأنها آراء تأثرية وجزئية من ناحية، وما أفرزته تلك الممارسة من قيم ومقاييس نقدية كان الشعر والنقد نتاجا لها.
وبيّن البحث أن الموازنات بين الشعراء اتجاه قديم في النقد رافق الشعر منذ لحظة وجوده. وكان السؤال عن أشعر الناس حاضرا في كل المراحل غير أن القول بتقدم أحد الشعراء على من سواه خضع لمواقف نقدية لم تخل من تأثيرات العاطفة والتوجهات الفكرية لأولئك النقاد.
وقد حاول نقاد القرن الثاني تذليل صعوبات النقد والبحث عن أسس نقدية تتصف بالموضوعية، والشمولية. غير أن طبيعة التكوين المعرفي لهؤلاء النقاد من ناحية، وطبيعة المرحلة التاريخية من ناحية أخرى لم تسمح بالنظر إلى الشعر بوصفه إبداعا يصعب وضعه في قوالب ثابتة، وإخضاعه لمقاييس نقدية واحدة. لذا كان اللغويون يقيسون الشعر على وفق معاييرهم اللغوية المستمدة من لغة البادية، والنظر إلى اللغة بوصفها عنصرا قارا لا يتفاعل مع الزمان والمكان. وقد بحث أولئك النقاد عن الشعر الذي لم تشبه شائبة العجمة أوالتحضر. فكان الشعر الجاهلي هوالنموذج الذي قاسوا عليه كل إبداع لاحق. وأصبحت المفاضلة بين الشعراء بين الإسلاميين وبين نظرائهم من الجاهليين. وقد رأينا أن النقاد والشعراء والمتلقين من غير هاتين الفئتين ظلوا يقابلون بين الشعر القديم وشعر الإسلاميين ثم المحدثين، فكان الجاهليون أرفع شأنا من الإسلاميين، وهؤلاء مقدمون على من جاء بعدهم. وكان الشعر القديم مثالا للاحتذاء والمعارضة، فتن به الشاعر قبل الناقد.
لقد كان النقاد في القرن الثاني يوازنون بين الشعراء بغية الوقوف على ملامح جودة شعر كل منهم، وبيان المتقدم منهم على غيره. لكن ذلك لم يكن ممكنا لاختلاف الأذواق واختلاف المعايير النقدية. إن عدم اتفاق نقاد القرن الثاني على أشعر الثلاثة الأمويين يرجع إلى أن المقاييس النقدية لم تسمح برؤية اختلافهم نظرا للتقارب الشديد بين هؤلاء الشعراء.فقد طرقوا موضوعات متقاربة، واتبعوا رسوما فنية متشابهة، فأصبح التفاضل بينهم عسيراً لأنهم في منزلة واحدة.
من هنا كان للنقد في القرن الثالث أن يتجه إلى تأسيس منهج نقدي يسمح بجمع المتفرق، ليشكل أصولا عامة لنقد الشعر. فكان مفهوم الطبقة قاعدة نقدية تسمح برؤية الإبداع الشعري بوصفه جنسا واحدا، لكنه متنوع بفعل اختلاف الأفراد والزمان والثقافات.
إن أصحاب طبقات الشعراء يتقاربون إلى حد ما في توجهاتهم النقدية. فقد تبين لنا أن عنصري الزمان والثقافة المشتركة كانا من أهم العوامل التي أثرت في تكوين مواقفهم النقدية. لقد كان الأصمعي وابن سلام ممن عاشوا بين القرنيين الثاني والثالث. وكان ابن قتيبة وابن المعتز متعاصرين. وربما كان القرشي قريبا إليهما. وبجانب هذا التقارب في الزمان نجد خيطا ثقافيا رفيعا يربط بين النقاد الأربعة الأوائل. وربما يصح القول إن التلمذة هي الخيط الذي جمع بينهم.
إن تلك المؤثرات المشتركة قد أفرزت رؤية نقدية تبدومتقاربة في بعض جوانبها، غير أن علينا ألا نغفل أثر عامل الزمان بما فيه من معارف وأحداث، وأثر ذلك في تفكير الناس وأذواقهم.
ولهذا وجد النقاد أنه لم يعد ممكنا الاكتفاء بتقديم أمدح بيت أهجى بيت وأغزل بيت والنظر إلى أن الشاعر الفلاني أشعر في كذا وكذا، فتلك الأحكام التأثرية التي لا تصدر عن الروية لم تعد مقبولة، وكان على النقد أن يبحث عن تعليل لتلك الأحكام، في ضوء مقارنة واسعة لا تقف عند حدود البيت الواحد، وإنما تستقصي المتشابه منه، وتعرض لما هودونه.
وكانت عملية تدوين الشعر القديم وشعر الإسلاميين، وظهور الشعر المحدث عوامل عمقت الرؤية النقدية إلى أن الشعر لم يعد ذا سمات فنية واحدة، بل صار متعدد السمات. يمكن رؤيتها من خلال تتبع الشعر في العصور المتتابعة أولا وفي داخل كل عصر.
لذا كانت الفحولة عند الأصمعي وابن سلام والقرشي، ثم الطبع والصنعة كما استقرت عند ابن قتيبة وابن المعتز مفاهيم نقدية ترتكز على فهم حركة الشعر في حركتها الدائمة، وتحتفظ بعناصر جمالية عامة، لكنها أيضا تنظر إلى ما يتولد من عناصر جديدة جمالية كشفت عن أن الإبداع الشعري ليس واحدا. فهناك فحول وغير فحول. وتتعدد طبقات الفحول صعودا وهبوطا، وهناك الشعراء المجيدون والشعراء المطبوعون، وهناك القدماء والمحدثون، وأصحاب مذهب الصنعة وأصحاب البديع.
فكان لنا أن نبحث عن أسس تلك الرؤية للإبداع لشعري كما تناولها أصحاب طبقات الشعراء في إطار رؤية تقوم على البحث عن القواسم المشتركة التي وقفت وراء أحكامهم النقدية، وفي الوقت نفسه لا تلغي الجهد النقدي لكل واحد منهم بوصفه أثرا للثقافة والزمان.
إن البحث خلص إلى أن الجهد النقدي المتحقق في تلك المؤلفات لم يكن خبط عشواء ولكنه احتكم إلى أسس نقدية تتفق مع طبيعة الممارسة النقدية وثقافة العصر. وعلى الرغم من أنهم لم يسموا تلك الأسس، فإنهم قد لامسوها على نحوأوآخر.
إن النقد المعاصر يتحدث عن أسس نقدية تحاكم النص من شروط ومعايير خارجة عنه، أوتنبع من داخل النص. وقد تبين لنا أن ذلك لم يكن بعيدا عن تقدير أصحاب طبقات الشعراء. فقد كشف البحث أن جهدهم النقدي ميز بين نوعين من الأسس النقدية سماها: أسس النقد الخارجي، وأسس النقد الداخلي.
وقصد الباحث بأسس النقد الخارجي؛ تلك الإحكام النقدية التي تستجلب من خارج النص. فقد تناول أصحاب كتب طبقات الشعراء عنصري البيئة الطبيعية والاجتماعية ولاحظنا العلاقة القوية بين البيئة بجانبيها بالنقد، وتشكيل أذواق الشعراء والمتلقين، ومدى تنبيه أصحاب طبقات الشعراء على ذلك. وكان تقسيم الشعراء إلى فحول وغير فحول وتقديم شعراء البادية على شعراء الحضر كما تجلى عند الأصمعي وابن سلام والقرشي أحد المؤشرات البارزة لتلك العلاقة التي تأسست على عناصر التفوق الشعري والاحتجاج اللغوي.
وبحث أصحاب طبقات الشعراء العلاقة بين الزمان والإبداع، وفي الوقت الذي كان فيه الأصمعي وابن سلام والقرشي ينظرون إلى الإبداع بمعيار ثابت لا يتلاءم مع ظاهرة الإبداع بوصفها حركة متغيرة، وجدنا ابن قتيبة وابن المعتز يقفان موقفا جديدا يرى أن جودة الشعر لا تحدها حدود الزمان أوالمكان، فكان لذلك أثره فيما استحسناه من شعر.
وتوقف أصحاب طبقات الشعراء عند العلاقة بين الإبداع والبنيات الاجتماعية (القبيلة والجنس)، ولاحظنا أن الأصمعي وابن سلام كانا يميزان بين الشعراء من ناحية الأعراق. فلم يلتفتا إلى شعر الصعاليك مثلا. واهتم ابن سلام بأنساب الشعراء . وقد أشرنا إلى أنه عد الشعراء اليهود طبقة، غير أنه لم يتناول علاقة الدين بالشعر.
أما أسس النقد الداخلي: فهي تلك الأحكام النقدية التي استخلصها النقاد من النص الشعري. وفي ضوئها كان تقديرهم لإحسان الشعراء والمفاضلة بينهم. وقد حرص الباحث على عرض تلك الأسس ومناقشتها من خلال عناوين رئيسة تمثلت في:
معيار الجودة الفنية: وفيه بحث آراء أصحاب طبقات الشعراء في الجودة. وأبنّا أن مفهوم الجودة كان واسعا،. فعناصر الجودة منها ما يأتي من جودة البناء والسبك، ومنها ما يأتي من جودة اللفظ، ومنها ما يأتي من جودة المعاني. إلى جانب ذلك عدوا القدرة على التصرف في فنون الشعر بما فيها المديح والهجاء، ونظم القصائد الطوال من أسباب المفاضلة بين الشعراء.
وكان للباحث أن يتوقف عند قضيتي اللفظ والمعنى، والطبع والصنعة. وقد بدت مناقشة القضية الأولى متداخلة مع ما ذكره في حديثه عن معيار الجودة الفنية، إذ كانت جودة اللفظ والمعنى هي السمة البارزة لمناقشات أصحاب طبقات الشعراء في معيار الجودة الفنية. وقد رأينا أن أصحاب طبقات الشعراء [ عدا أبي زيد القرشي] كانوا يرون أن تفوق الشاعر لا يتحقق إلا بجودة الطبع الذي نمته الدربة والمدارسة لنماذج عالية من الشعر. أما جودة الشعر فإنها تقوم على العلاقة الوثيقة بين طرفي المعادلة الشعرية[ اللفظ والمعنى]، ولا ينبغي أن نشك لحظة في أن هذا الموقف كان هوالغالب على آراء هؤلاء النقاد.
إن تلك الأسس قد جاءت في كثير من الأحيان مجملة، وفي صيغ مبهمة، كما أنها جاءت متناثرة، فكان علينا جمع المتشابه منها، والبحث عن تعليل لما خفي منها وتفسير ما بدا مجملا من تلك الأحكام.
وتبقى كثيرٌ من الأحكام النقدية التي تضمنتها كتب الطبقات تحتاج إلى دراسات نقدية معمقة لا تقف عند حدود المرويات التي تضمنتها فحسب، بل تتسع إلى النظر في ما أُثر عن أولئك النقاد من وجهات نظر وآراء متناثرة في المصادر الأدبية والنقدية الأخرى. إلى جانب معارضة تلك الأحكام بما عرفه النقد المعاصر من آراء نقدية. وبمثل تلك الدراسات يمكن لنا أن نُعيد الاعتبار لتراثنا الأدبي العريق.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|