وكأَنَّها في الدَّار حين تعرَّضتْ ... ظَبْيٌ تَدلَّه بالفَلا مَرْعوب
تَفتَرُّ عن دُرّ تَناسقَ نَظْمُه ... فيه لَثَاةٌ عَذْبةٌ وغُرُوب
حاولتُ منها رَشفْةً فكأنها ... عَسَلٌ بماءِ سَحابةٍ مَقْطوب
ودَعْتك داعيةُ الصِّبا فتطرَّبتْ ... نَفسٌ إلى داعِي الضَّلال طَرُوب
وظننتَ عهدَك عهدَها في الدَّهر إذ ... فَيْنانُ غُصنك بالشَّباب رَطيب
فجريتَ في سَنَن الصِّبا شأواً وقد ... وزَعْتك عنه كَبْرةٌ ومَشِيب
وحسبتَ صاحبَك الذي هو ذاك إذ ... تدعُوه مَهما شِئْتَه فَيُجيب
قد كان لا يَنْبو إذا جَرَّبتَه ... فالآنَ أحداثُ الزّمان تَنُوب
لمّا رأتْ ذاك الذي تَنْحُو له ... سَمَحتْ فمالَ على الكَثِيب قَضِيب
وتأوَّدتْ خُمصانةٌ بَهنانَةٌ ... كالفَجْر يعلوه دُجًى غرْبيب
فقبضتُ مِلْء يدي على مُسْتَهدِف ... رابِي المَجسَّة لونُه حُلْبوب
بِيَدي الشِّمال وللشِّمال لطافَةً ... ليستْ لأْخرى والأدِيب أريب
فَتَقاعَس المَلْعونُ عنه وإنّني ... لأكادُ من فَرْط الحَياء أذُوب
وأبَي كعَيْر السَّوْء إلاّ وَقْفةً ... أخْزَي بها والوِرْدُ منه قَرِيب
فكأنّه ممّا تَشنَّج جِلْدُه ... كِيرٌ تَقادم عَهْدُه مَثْقوب
هذا شعر حسن في الهزل جزل في معانيه، دون فحش فيه. والبهانة: الطيبة الريح؛ وقد قيل: هي الرخيمة المنطق؛ وقيل فيها: الضحوك المداعبة. وكل هذا مما يليق بوصفها في تلك الحالة. وقوله " لونه حلبوب " . يقال للأخضر إذا اشتدت خضرته فضرب إلى السواد: حلبوب.
وقد أتينا من ذكر الغزال بفنون، والحديث ذو شجون.
ومن الحق أن نختم ذكره بما قال في الزهد؛ فإنه - عفا الله عنا وعنه - عمر حتى قارب مائة عام، أربى عليها، وهو القائل:
ألستَ تَرى أنّ الزمانَ طَواني ... وبَدَّل خَلْقي كُلَّه وبَرَانِي
تَحيَّفَنى عُضْواً فَعثضْواً فلم يَدعْ ... سِوى اسمي صَحيحاً وحدَه ولِساني
ولو كانت الأسماءُ يَدْخلها البِلَى ... لقد بلَىِ اسمي لامتدادِ زَماني
وما لِيَ لا أبلَى لِتسعين حِجّةً ... وسَبِعٍ أتتْ مِن بعدها سَنَتان
إذا عنَّ لي شخصٌ تخيَّلَ دونه ... شَبيه ضَبابٍ أو شَبيهُ دُخان
فيا راغباً في العَيش إن كنتَ عاقلاً ... فلا وَعْظ إلاّ دُون لَحْظِ عِيان
ومن قول الغزال في الزهد:
النَّاس خَلقٌ واحدٌ مُتشابه ... لكنَّما تَتخالف الأعمالُ
ويقالُ حقٌّ في الرجال وباطلٌ ... أيُّ امرئ إلاّ وفيه مَقَال
ولكل إنسانٍ بما في نَفسه ... مِن عَيبهِ عن غيره أشغال
يستثقل الَّلَمَم الخفيفَ لِغيره ... وعليه من أمثال ذاك جِبال
ويَنام عن دُنياه نومةَ قَانع ... بنَعيمِ دُنياه وذاك خَيال
ورأيتُ ألْسنة الرِّجال أفاعياً ... طَوْراً تَثُور وتارة تَغتال
فإذا سلمتَ من المقَالة غير ما ... تَجنى فأنت الأسعدُ المفضال
يغلب الظن أن شعراء الأندلس في هذه المرحلة المبكرة ظلوا ينزعون نحو التقليد وظلت المحافظة هي الظاهرة التي تسم شعرهم بميسمها أمدا طويلا وحتى في الحالات التي كان يتاح فيها لقلة من الشعراء الخروج عن فلك التقليد والاحتذاء فإن الذوق العام في الأندلس كان مطبوعا بطابع التقليد وحسبنا الغزال شاعرا قد انتهج هذا النهج وإن حاول جادا ربط قضية الشعر بالواقع ، وربما كان من خصائص هذا المنحى بروز ظاهرة القص يضاف إليها أن روح الدعابة والاجتراء والتحلل من الرزانة تعد من أبرز سمات التجديد في الشعر الأندلسي المحدث الذي بدا في أحيان كثيرة وكأنه يسعى إلى أن يستقل عن مألوف الشعر متطلعا إلى الاتسام بملامح جديدة متميزة.