انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

بواكير الشعر في عهد الخلافة الاموية بالاندلس

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       6/16/2011 5:40:58 AM

 

المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا انه رسول لأنكرنا ذلك عليه. ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب، وفسر له. فأستحسنه وأخذه في يده، فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها، ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني! فأعجب بها، وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم.
وللغزال معهم مجالس مذكورة، ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم.
ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه، فلما دخل عليها سلم، ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر المتعجب. فقالت لترجمانها: سله عن إدمان نظره لماذا هو؟ أ لفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: ما هو أني لم أتوهم أن في العالم منظراً مثل هذا، وقد رأيت عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع الأمم فلم أر فيهن حسناً يشبه هذا. فقالت لترجمانها: سله أمجد هو أم هازل؟ فقال: لا، بل مجد. فقالت له: فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال: فاعرضوا علي من نسائكم حتى أقيسها بها. فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن، فصعد فيهن وصوب ثم قال: فيهن جمال وليس كجمال الملكة، لأن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد، وإنما يعني به الشعراء، وإن أحبت الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بلادنا فعلت ذلك. فسرت بذلك سروراً عظيماً وزهيت، وأمرت له بصلة، فامتنع من أخذها الغزال، وقال: لا أفعل. فقالت للترجمان: سله، لم لا يقبل صلتي؟ أ لأنه حقرها أم لأنه حقرني؟ فسأله، فقال الغزال: إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً. فلما فسر لها الترجمان كلامه زادت منه سرورا وعجبا، وقالت: تحمل صلته إليه، ومتى أحب أن يأتيني زائرا فعلا يحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة. فشكرها الغزال، ودعا لها وأنصرف.
و لما أنشد " نود " الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب. ففعل ذلك الغزال، وغدا عليها يوماً ثانيا. وقد اختضب؛ فمدحت خضابه وحسنته عنده، ففي ذلك يقول الغزال:
بكَرتَ تُحًسِّنُ لي سَوادَ خِضَابي ... فكأنّ ذاك أعادني لشَبابِي
ما الشَّيبُ عندِي والخضابُ لواصفٍ ... إلاّ كَشَمس جُلِّلت بضَباب
تَخْفَى قليلاً ثم يَقْشَعها الصَّبا ... فيصيرُ ما سُتِرت به لذَهاب
لا تُنكري وضَح المَشيب فإنّما ... هو زَهْرَةُ الإفهام والألبْاب
فلديّ ما تَهويْن من شأن الصّبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب
ثم انفصل الغزال عنهم   و خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرا ومن قوله أيضا المتفق عليه في جميع الروايات:
يَا راجياً وُدَّ الغَواني ضِلَّةً ... ففؤادُه كَلَفاً بهنَّ مُوَكّلُ
لا تَكلَفنّ بوصْلِهنَّ فإنما ال ... كَلِفُ المحبُّ لَهن من لا يَعقل
إنّ النساءَ لكالسُّروجِ حقيقةً ... فالسّرجُ سرجُك ريثما لا تنزل
فإذا نَزلتَ فإنّ غَيرك نازلٌ ... ذاكَ المكانَ وفاعلٌ ما تَفعلُ
أو منزِلِ المُجتازِ أصبح غادِياً ... عنه وينزلُ بعده من ينزل
أو كالثمِّارِ مُباحةً أغصانُها ... تدنُو لأوَّل من يمرُّ فتُؤكل
أعطِ الشبيبة لا أبَالَك حقَّهامنها فإن نعيمَها متحوِّل
وإذا سُلبت ثِيابَها لم تَنتفع ... عندَ النّساء بكل ما يثستبذَل
ثم إن الغزال هجا أبا الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، بهجو مقذع،
وزرياب هذا مولى الخليفة المهدي، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب. قدم الأندلس مهاجراً إلى عبد الرحمن بن الحكم، فتلقاه بأعلى المحل، وفوض إليه أكثر أموره في العقد والحل؛ وذلك لهجرته إليه وحسن غنائه، وتناهيه في الإطراب وغنائه فشكا للسلطان الغزال وعرض هجوه عليه، وما قذفه به ونسبه من الفحش إليه. فأمر السلطان بنفيه عن الأندلس. فكلمه فيه أكابر أهل دولته فتركه. ثم إن الغزال لم يطب نفساً بالمقام في الأندلس فرحل إلى العراق، وذلك بعد موت الحسن بن هانئ بمدة يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره ولا يساوون شعر أحد بشعره. فجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم؛ فتركهم حتى وقعوا في ذكر الحسن، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله:
ولمّا رأيتُ الشَّرب أكْدتْ سماؤْهم ... تأبّطتُ زِقِّي واحتسبْتُ عَنَائِي
فلمّا أتيتُ الخَان ناديتُ ربَّه ... فهبَّ خَفيفَ الرّوح نَحْو نِدائي
قليلَ هُجوعِ العَينِ. إلاّ تَعِلَّةً ... على وجَلٍ منِّي ومن نُظَرائي
فقلتُ أذِقْنيها فلمّا أذاقني ... طَرحْتُ إليه رَيْطتي ورِدائي
وقلت أعِرنْي بِذْلَةً أستَتِرْ بها ... بذَلْتُ له فيها طلاقَ نِسائي
فو الله ما برَّت. يَمينِي ولا وفَتْ ... له غَير أنِّي ضامِنٌ بوفائي
وأبتُ إلى صَحْبي ولم أكُ آئباً ... فكُلٌّ يُفدّيني وحَقّ فِدائي
فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له كل مذهب. فلما أفرطوا قال لهم: خفضوا عليكم فإنه لي. فأنكروا ذلك. فأنشدهم قصيده الذي أوله:
تداركُت في شُرب النبيّذ خَطائي ... وفارقت فيه شِميتي وحَيائِي
قام الغزال في رحلته تلك مدة يتجول في ديار المشرق، وما انفك في كل قطر منه من غريبة يطلعها، وطريقة يبدعها؛ ثم إنه رجع إلى نفسه، وحن إلى مسقط رأسه؛ وانصرف إلى الأندلس وهو قد ترك شرب الخمر وتزهد في الشعر وشارف الستين، وركب النهج المبين؛ ولم ينسك نسكا أعجمياً، بل ظرف ظرفا أديبا، وسلك مسلكا من البر مرضيا وقال في جارية اشتراها واسمها لعوب، وقد أراد منها أمراً فعجز عنه اليعبوب:
لم أنْسَ إذ برزتْ إلىّ لَعوبُ ... طَرَباً وحيثُ قميصُها مَقْلوبُ


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .