بواكير الشعر في عهد الخلافة الأموية بالأندلس
يحيى الغزال أنموذجا:
يعد هذا الشاعر بمثابة التلميذ للشاعر عباس بن ناصح الذي استفاضت شهرته أيام الحكم الربضي وكان الغزال أديبا عالما حسن الأخلاق ميال بطبعه إلى التحرر والانظلاق وقد اثبت له من قوله ما يشهد بإبداعه، وحسن تصرفه في المعاني واختراعه، وطول يده في الأدب وامتداد باعه. فمن قوله فيما ذكره تمام بن علقمة في تاريخه:
بعَضَ تَصابيكَ على زَينب ... لا خَيَرَ في الصَّبوة للأشْيَب
أبعد خمسينَ تقضَّيتَها ... وافيةً تَصْبو إلى الرَّبربِ
كلّ رَدَاح الرِّدْف خُمْصانٍة ... كالمُهرةِ الضَّامرِ لم تُركَب
وفيه تشبيب حسن كثير اختصرناه لطوله، وقال في المديح منه:
مَن مُبلغٌ عنِّي إمامَ الهُدى ... الوارثَ المَجد أباً عن أبِ
أنّىِ إذا أطْنَبَ مُدَّاحُه ... قصدتُ في القول فلم أطْنِبِ
لا فَكَّ عنَّي الله إن لم تكن ... أذكرتَنَا من عُمَرَ الطَيِّب
وأصبح المشْرِقُ من شوقه ... إليك قد حنَّ إلى المغرب
منبرهُ يَهتفُ من وَجْده ... إليك بالسَّهل وبالمَرْحبِ
أطرَبَه الوقتُ الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يَطربِ
هَفَا به الوجدُ فلو مِنبرٌ ... طَارَ لَوافَي خَطفَةَ الكوكَب
إلى جميلِ الوجه ذِي هَيبةٍ ... ليست لحامِي الغابةِ المُغضَب
لا يُمكنُ النّاظرَ من رؤية ... إلا التماحَ الخائِف المُذنِب
كنا نعجب بقول البحتري ونستغربه في قوله لجعفر المتوكل:
فلو أنّ مشتاقا تَكلّف غيرَ مَا ... في وُسعه لسعَى إليك المنبرُ
حتى إذا رأينا قول الغزال، وعلمنا انه سبق إليه بزمانه، على أن البحتري استحقه أيضا بإحسانه، لأنه أتى بالمعنى في بيت واحد، واختصره اختصارا حسنا. كما أن قول الغزال:
لا يُمكن النّاظَر من رُؤيةٍ ... إلا التماحَ الخائفِ المُذنبِ
حسن جدا في معنى الهيبة، وقد أخذه منهم محمد بن أبي الحسن، فقال و و أحسن، وزاد في المعنى وبين:
كأنا من الإجلالِ تحت غَمامةٍ ... نُطَأطي لها بالرُّعب كلَّ الأحاين
كأناّ قُرِفنا باجْترامٍ ومالنا ... لساٌن يُقوينا بِعُذْر مُباين
ولبعض أهل البلاد من قصيد يمدح به أمير المسلمين علياً:
أراكَ ملأت الخافِقَين مهابةً ... لهَا مَا تُلِيح الشّهبُ في الخَفَقانِ
وتُغضى العيونُ عن سنَاك كأنّها ... تُقابِلُ منك الشّمس في اللَّمعان
لو سقنا جميع ما لأهل قطرنا في مثل هذا لخرجنا عن غرضنا. فلنرجع إلى شعر الغزال فإنه قال في آخره:
إن تُرد المَاَل فإني امرؤٌ ... لم اجَمع المالَ ولم اكْسِبِ
إذا أخذتَ الحقَّ مِنِّي فلا ... تَلتَمِس الرّبح ولا تَرغَب
قَد أحسنَ الله إلينَا معا ... إن كان رأس المال لم يذهب
والسبب في نظم هذا الشعر أن أبا المطرف عبد الرحمن المذكور كان ولاه قبض الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء. وكان توسل إليه بمديح مدحه به، فنفق الطعام في ذلك العام، وسما السعر بالقحط سموا كثيرا، فوضع يده في البيع حتى أتى على ما كان عنده في الأهراء. ثم إنه نزل الغيث ورخص الطعام، فأعلم السلطان بما صنع الغزال من البيع، فأنكره وقال: إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد، فماذا صنع الخبيث! خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما، واصرفوه في الأهراء إلى وقت الحاجة إليه. فلما طلب منه ثمن ما باع أبى من ذلك وقال: إنما أشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد، وبين العددين بون كثير نحو من ثلاثين ألفا. فأعلم السلطان بامتناعه من الأداء، وبما ذهب إليه من شراء مثل ما باع. فأمر بسجنه وحمله إليه في الكبل، فسيق منها إلى قرطبة، وسجن بها فصنع هذا القصيد، ورفعه إليه. فلما قرئ شعره أعجب به، واعجب به الحاضرون، وقال له بعضهم: لقد أنصفك الغزال في قوله:
قد أحسنَ الله إلينا معاً ... إن كان رأسُ المال لم يذهبِ
فإنه لو ذهب أيها الإمام، أي ذمة كانت تفي به للغزال، مع ما هو عليه من الانهماك في الشهوات وقلة المال! فضحك الإمام وأمر بإطلاقه.
ثم أن الغزال سلم من هول تلك البحار، وركوب الأخطار؛ ووصل أول بلاد المجوس إلى جزيرة من جزائرها فأقاموا فيها أياماً وأصلحوا مراكبهم، وأجموا أنفسهم. وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم، فأعلمه بلحاق الرسل معهم، فسر بذلك ووجه فيهم، فمشوا إليه إلى مستقر ملكه، وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطردة وجنات، وبينها وبين البر ثلاث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم. وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة. منها صغار وكبار،أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار، ودينهم الذي كانوا عليه، ورجعوا نصارى إلا أهل جزائر منقطعة لهم في البحر هم على دينهم الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم. فأمر لهم الملك بمنزل حسن من منازلهم، واخرج إليهم من يلقاهم، واحتفل المجوس لرؤيتهم. فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم انزلوا في كرامة، وأقاموا يومهم ذلك، واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته، فاشترط الغزال عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجبهما إلى ذلك. فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعاً، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفاً. والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلاً بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة،