انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

نشأة الموشحات

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       6/9/2011 5:50:47 AM

نشأة الموشحات
يفهم من كلام لابن خلدون ان التوشيح سابق لفن الزجل اذ يقول: " ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير ان يلتزموا فيها اعرابا، واستحدثوه فنا سموه الزجل ". وهذا قول يستدعي توقفا ومراجعة،
إن استقراء الأشياء في وضعها الطبيعي قد يرده وينقصه، ذلك أننا إذا سلمنا بأن الموشح إنما نشأ حول مركز " عامي " أو " أعجمي " فيجب أن نفترض أيضا أن هذا المركز " العامي " إنما كان في الغالب جزءا من أغنية عربية (بلغة العامة)، وان المركز الأعجمي إنما كان في الغالب جزءا من أغنية أعجمية (باللغة الأسبانية القديمة). ومعنى هذا ان الأغنية العامية والأغنية العجمية ؟والثانية منهما على وجه التأكيد - وجدنا قبل قيام رجل جريء يدير المنظومة الفصحى على مركز يمثل إحداهما. وتقتضي طبيعة الأشياء ان يكون نشوة الأغنية العامية (بالعربية) سابقا على الموشحة لأن تقليد الأغاني الأعجمية ؟بسياق عامي - اسهل، إذ التسكين في الكلمات المنطوقة بالعامية يحيل النغمة والإيقاع عن الوزن العروضي في الشعر الفصيح ويجعلهما قريبي الشبه بالنغمة في اللغات الأوربية غير المعربة أو القليلة الإعراب. فالزجل بمعناه العام نشأ أولا تقليدا لأغاني السكان الأصليين وبخاصة حين اختلط الفريقان في المدن واشتركوا في إقامة الأعراس والحفلات واحتاجوا الأغاني الشعبية التي يرددونها في تلك الحفلات وفي مواسم العصير وأيام القطاف. ثم جاءت الخطوة التالية وهي محاولة للتقريب بين الشعر المنظوم باللغة الفصحى وبين تلك الأغاني الشعبية التي أصبح النساء والصبيان وطبقات أهل الحرف والعمال يرددونها باللغة الدارجة العربية، دون أن يصفوها تماما من الألفاظ الأعجمية التي اقتبسوها من جيرانهم ومخالطيهم، ودرجت على ألسنتهم فأصبحت جزءا من لغتهم. ولم يكن لهذا الزجل أرباب مميزون بأسمائهم، لأنه كان وليد الجماعة الشعبية، فلم يكن ينسب لهذا الناظم أو ذاك، وهذا شيء نألفه في أغاني الريف وبعض أغاني الحضر التي يرددها الناس دون ان يهمهم كيف نشأت ومن هو الذي أنشأها. وكان هناك خط فاصل بين هذه الحركة
وبين الغناء في الطبقات العليا وفي القصور، فقد كانت البيئة الأرستقراطية لا تزال تعيش على الشعر الفصيح والألحان الموضوعة له، ولم ينل الزجل اعتراف هذه الطبقة رسميا، كما انه لم ينل من جهود المثقفين ما يكفل له التسجيل إلا بعد أن ظهر الموشح نفسه، واصبح مادة غنائية خصبة، وكان ذلك في دور متأخر نسبيا. وليس لنا أن نعجب من ذلك، فان الموشح نفسه قد لقي شيئا من عدم الاعتراف التدويني ؟مؤقتا - ، ومن ثم كان قول ابن خلدون مبنيا على هذا المعنى نفسه، وهو أن الموشح وجد القبول " الرسمي " قبل الزجل، ولكنا يجب ان نفرق بين النشأة نفسها وبين وضوح كل فن من الفنين وانهزام روح المحافظة إزاءه.
وإذا كانت الأغنية الشعبية عاملا من عوامل الانفتاح الذهني على هذا الكشف الجديد الذي سمي " الموشح " فيجب ألا نعدها العامل الوحيد في تهيئة ذلك، إذ نعتقد أن هناك عاملين قويين شاركا الأغنية الشعبية في خلق الموشح: أما أحد العاملين فهو التجديد الموسيقي الذي أدخله زرياب ؟ومن بعده تلامذته - في الألحان بالأندلس. فقد ذكرنا في كتاب سابق أن هذا الموسيقار زاد في أوتار العود وترا خامسا " فاكتسب به عودة ألطف معنى وأكمل فائدة " إذ وضعه تحت المثلث وفوق المثنى. ولم يكن هذا هو كل ما قام به من تغير فأنه جعل الغناء منازل، فكان كل من افتتح الغناء يبدأ بالنشيد أول شدوه، بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج، تبعا لمواسيم زرياب وارى ان المصادر سكتت عن شيء في هذا التطور، وهو ان كل مغن استقل ؟في المجلس الغنائي الواحد - بواحد من هذه الألحان، فواحد يفتتح بالنشيد وثان، أو جوق، يأخذ في البسيط، والثالث ؟أو جماعة
آخرون - بالهزج. وهذا التنويع يقتضي عدة قصائد غنائية مختلفة الأوزان، أو يقتضي ؟وهذا أهم - تنويعا في النغمات التي تقوم عليها القصيدة الواحدة؛ والموشح، أو شكل ما يشبهه، قد يكفل مثل هذا التنويع. واعتقد أن الأستاذ فؤاد رجائي كان على صواف حين أشار إلى هذا العامل في نشأة الموشح، وأراد قد وفق حين تنبه إلى الصلة بين تغير النظرية الموسيقية ؟أو أجزائها - وبين الحاجة الناشئة عن ذلك. فأننا إذا قرنا هذه الحاجة الغنائية إلى أثر الأغنية الشعبية نفسها وجدنا أن العاملين معا كانا قويين في استدعاء الموشح أو شكل غنائي جديد يشبهه.
وأما العامل الثاني ؟وبه تصبح العلل في نشأة الموشح ثلاثا - فهو التفنن العرضي، ويقترن هذا التفنن بذلك الفتح المبكر الذي أوجده ابن عبد ربه في البيئة الأندلسية برسم الدوائر العرضية واستخراج فروع الوزن الواحد منها ؟في كتاب العقد - ؛ وأنا أعتقد ان هذا النوع أصبح ألهية المثقفين بالثقافة الأدبية يومئذ، وأصبح المتأدبون يمتحنون مقدرتهم ببناء الأشطار على غير ما ألف وشاع من أوزان. ومما يؤكد ان اتجاه هؤلاء مضى لاستيفاء ما اعرض عنه الخليل بن احمد قول ابن بسام في نشأة الموشحات: " وكان [أي القبري] يضعها على أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة " لماذا جربوا الأعاريض المهملة التي يألفها الذوق العام في المشرق ثم في المغرب؟ هنا تبرز خاصية الامتحان للقدرة والميل إلى الابتداع معا، فتلك الأعاريض المهملة كانت معروفة مقررة التفاعيل ولكنها لم تدرج على الألسنة، ووافق هذا الاتجاه قدرة التلاحين على ان تخفف من


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .