انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الادب الاندلسي

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري       6/6/2011 7:49:20 AM

الأدب الأندلسي صدى النكبات الكبرى
من حق هذا الفصل أن أصور فيه تمثيل الأدب الأندلسي لحركت التقدم في الأوضاع التاريخية هنالك قبل أن اذهب إلى تصوير الذي يمثل النكبات أو حالات التراجع. فأما سياق التقدم فأنه يظهر في متابعة الأدب للانتصارات والإشادة بجهود الأمراء في مواقف متعددة، ربما كان أبرزها المد الجهادي الذي طغى بقدوم المرابطين، والتضحيات التي بذلت في الزلاقة ولبيط، إلا أن هذا النوع من الأدب - على ما فيه من روح موجبة مندفعة - قد اختلط بالمدح حتى خالط المدح فيه الروح والعصب وليس فيه من جديد في الروح الطريقة.
وخير صورة وأنبلها غاية في عصر الطوائف تلك الصورة التي نحس فيها دعوة إلى الوحدة وائتلاف الكلمة أمام الخطر المشترك، ولكن هذه النغمة ضعيفة في أدب ذلك العصر، وانا لنلمس صداها في رسالة صدرت عن قلم الكاتب أبي محمد بن عبد البر يقول فيها:
" ورد كتابك يحض على ما أمر الله به تعالى من الألفة واتفاق الكلمة وإطفاء نار الفتنة، وجمع شمل الأمة، في هذه الجزيرة المنقطعة عن الجماعة، فلله رأيك الاصيل، وسعيك الجميل، ومذهبك الكريم، وغيبك السليم، ما صدق قيلك، وأهدى دليلك، واضح في سبيل البر سبيلك، وقد كنت علم الله جانحا إلى ما جنحت إليه، ويلوح لي ما يلوح إليك من أنا على طرف إلا ما كفى الله وعلى قلة إلا ما وقي الله " .
. ولذلك نترك الجانب الذي يصور بعض مظاهر التقدم، لنتوجه نحو الأدب الذي يصور التراجع، فهو الذي يمثل الحقيقة التاريخية للأندلس أكثر مما يمثله النوع الأول، وهذا الأدب لا يعني إقرار اليأس دائما وإنما هو في الغالب صور حزينة تنجم عن كارثة أو نكبة، وهو في أحيان أخرى تنبيه وتذكير، ولسنا نستطيع ان نستوفي كل جوانبه ومظاهره، ولذلك اكتفى بعرض ما اتصل منه بالأحداث الأربعة الخطيرة التي ألمحت إليها في المقدمة، وهي سقوط بربشتر وسقوط طليطلة وسقوط بلنسية وذهاب دولة بني عياد.
وأولى تلك الكوارث سقوط بربشتر (456) على يد الاردمانيين (النورمانيين) وقد أثارت تلك الحادثة مشاعر الفقيه الزاهد ابن العسال، فصور في إحدى قصائده ما حل يومئذ تصويرا عاما من النوع المألوف المكرر في ذكر ضروب الفواجع التي نزلت بالناس  :
ولقد رمانا المشركون بأسهم ... لم تخط لكن شأنها الاصماء
هتكوا بخيلهم قصور حريمها ... لم يبق لا جبل ولا بطحاء
جاسوا خلال ديارهم فلهم بها ... في كل يوم غارة شعواء
باتت قلوب المسلمين برعبهم ... فحماتُنا في حربهم جبناء
كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء
ولكم رضيع فرقوه من أمه ... فله إليها ضجة وبغاء
لرب مولود أبوه مجدل ... فوق التراب وفرشه البيداء
ومصونة في خدرها محجوبة ... قد أبرزوها ما لها استخفاء
ربما كان من الكثير أن نتطلب من ابن العسال إظهار تفاعله مع الحادثة، وتعدي المجال الخارجي في تصويرها، فقصيدته تدل على تنبه النفسي لمعنى النكبة، وهو يعرف موطن الداء حين يقول: " فحماتنا في حربهم جبناء " . ثم انه بحكم موقفه الزهدي الديني ينسب ما حل ببربشتر إلى ذنوب المسلمين وانهم لا يتورعون عن المجاهرة بالكبائر " فالذنوب الداء " ؟كما يقول - وهذه مشكلة تعترضنا كثيرا في الأدب الذي يمثل النكبات العامة.
وكان اشد الناس عارضة بالإلحاح على ما دهم تلك المدينة هو أبو حفص عمر بن الحسين الهوزني صديق عباد المستقل بأمر اشبيلية، وقد استأذن صديقه في سكنى مرسية، فلما حلت المصيبة بمدينة بربشتر، وكانت من أولى المصائب ذات الأثر البعيد في نفوس الأندلسيين، اخذ يراسل عبادا ويحثه على الجهاد والتنبيه للأمر الداهم. ومن رسائله إليه في هذا الشأن  :
أعباد حل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع
فلق كتابي من فراغك ساعة ... وان طال، فالموصوف للطول موضع ؟ وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما يغبر لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتليد، ويستأصل الوالد والوليد، تذر النساء أيامي، والأطفال يتامى؟ طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانتقاض، وطغت حتى خشي على عمود الإسلام منها الانتقاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض؟ كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعد صادق من الصرف والكشف.
يضرب ابن عبد البر على نغمة الوحدة والائتلاف في هذا المنشور حين يقول على لسان أهل بربشتر: " ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح اشتباكا، وكالأنامل في اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا ذل لنا حزب، ولا فل لنا غرب، ولا روع لنا سرب؟ فتنبهوا قبل ان تنبهوا، وقاتلوهم في أطرافكم قبل ان يقاتلوكم في أكنافكم، وجاهدوهم في ثغوركم قبل أن يجاهدوكم في دوركم، ففينا متعظ لمن اتعظ وعبرة لمن أعتبر " .
ولقد ذهب رسالة ابن عبد كلاما يزجى فلا يجد سميعا، ولعل
المعتضد المشير بكتابتها - أو غيره ممن خدمهم هذا الكاتب بقلمه - أول من لم يحرك ساكنا في سبيل بريشتر، وإنما كان التنبيه سياسة المبادر للخروج من حيز الملامة، ثم تطوي الأيام كل فورة وتحيلها إلى همود، وتتجدد النكبات، فلا تذكر الوحدة والائتلاف والحذر من الخطر إلا عند الأزمات، وتتلاشى الأصداء كأنها لم تكن. وحين كانت مشكلة كنكبة بربشتر تدخل نطاق التداعي " الرسمي " ، فقد دخلت منطقة اللؤم والمخادعة وتربص الواحد بالآخر، والتستر وراء الكلمات الغرارة.
ولأبي عبد الرحمن بن طاهر في هذه الحادثة نفسها رسالة يرد فيها على من كتب له يذكر ما جرى على بربشتر  :
" ورد كتابك بالخطب الأبقع، والحادث الأشنع، الجاري على المسلمين، نصر الله مقامهم. وجمع على الائتلاف مذاهبهم، في بربشتر، وكان صدرا في القلاع المنيفة، وعينا من عيون المدائن الموصوفة، إلى ما سبق قبل في القلعة القلهرية وغيرها من مهمات الدور والمعاقل، وخطيرات الحصون والمنازل، فأطارت الألباب، وطأطأت الرقاب، وصرم الأمل والهمم، وأسلم من المذلة والقلة إلى ما قصم، وأنك رأيت الحال في معرض جلائها للنواظر عيانا، ووصل بينها وبين الخواطر أسبابا واشطانا، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس مترددة بين لهاة وتراق، وأسى قد قرع حصيات القلوب فرفضها، وعدل عن مضاجع بالجنوب فأقضها؟ " .
وإنما أورد هذه الأمثلة لأقدم صورة عن ما أحدثته نكبة بربشتر من امتداد في الصدى والأثر، وذلك أنها كانت من أولى النكبات، فكان استعثار الخطر من جرائها كثيرا، هذا على أنها قد تكون حادثة صغيرة
_ما الكارثة الثانية فهي سقوط طليطلة (478) وهي من حيث نتائجها اعظم خطرا من سابقتها بكثير، وبها يرتبط التحول الخطير الذي تم في التاريخ الأندلسي فأدى إلى دخول المرابطين ثم إلى سقوط دول الطوائف واندثارها. وفي هذه الكارثة نعود فنسمع مرة أخرى صوت ابن العسال الزاهد، فطليطلة بلدة ومسقط رأسه ومنها أخرج عندما استولى عليها الروم، ولكن صوته في هذه المرة غريب اجش في الأسماع، لأنه بدلا من أن يبكي على ما حل ببلده، يحذر الأندلسيين من الإقامة في بلدهم ويدق لهم ناقوس الخطر، ويقول لهم: الرحيل الرحيل:
يا أهل أندلس حثوا مطيكم ... فما المقام بها من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولا من الوسط
ونحن بين عدو لا يفارقنا ... كيف الحياة مع الحيات في سفط ولو كنا نحاسب ابن العسال حسب ظاهر كلامه لقلنا انه قد آثر موقفا انهزاميا، ودعا فيه قومه إلى الجلاء عن أوطانهم لأن طليطلة سقطت وهي في وسط البلاد، والثوب إذا نسل من وسطه فقد انتهى امره، ولكن هذا اللون السلبي من التعبير عن الحقيقة كان يومئذ مبالغة في التنبيه والتذكير.
وقد احتفظ لنا المقري صاحب النفح بقصيدة طويلة (72 بيتا) لشاعر لم يذكر اسمه يندب فيها طليطلة:
لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورا بعدما بئست ثغور
_طليطلة أباح الكفر منها ... حماها، إن ذا نبأ كبير
فليس مثالها إيوان كسرى ... ولا منها الخورنق والسدير
محصنة محسنة بعيد ... تناولها ومطلبها عسير


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .