انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية العلوم الاسلامية
القسم قسم لغة القرآن
المرحلة 4
أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري
6/2/2011 6:10:54 AM
الارتياح إلى الطبيعة: الارتياح إلى الطبيعة، من الموضوعات الكبرى التي سيطرت على الشعر في هذه الفترة، ومن الخطأ ان ننظر فحسب في هذا الموضوع إلى شعر المشهورين فيه كابن خفاجة من بعد، فان شيوعه في الفترة الأموية، يكاد يجعله اقرب أنواع الشعر إلى نفوس الأندلسيين، ومعرضه كتاب " الحدائق " لابن فرج، وكتاب البديع في فصل الربيع لحبيب، والارتياح بوصف الراح لابن مسلمة، وكلها كتب لم تصلنا وما عدا كتاب البديع - وإنما تأدى إلينا بعض ما فيها، في مقتطفات، ويلحق بها كتاب الفرائد في التشبيهات لعلي بن الحسين القرطبي فانه أيضاً حافل بصور الطبيعة في الشعر الأندلسي، وربما كان وصف الخمر والغناء أقل نزلة في هذا الشعر من وصف الطبيعة وبخاصة وصف الربيع عامة، والغيم والمطر والبرد والخمائل، والنواعير، والأزهار جملة وتفصيلا؛ ومما اكثروا من وصفه أزهار الرد والبهار والياسمين والنيلوفر. واذا ميزنا هذا النوع من الشعر بالكثرة فليس معنى هذا أننا نميزه بالجودة، فان الغرام فيه " بالصورة " قد صرف الأندلسيين عن حب الموضوع نفسه، أما الصورة فيه فأنها شبيهة بأختها المشرقية في نواحي جمودها، وحديثها عن الزهر الحي للتشبيهات الجامدة المستمدة من الوشي والأحجار الكريمة وما أشبه من ذلك قول ابن النظام : وقد بدت للبهار ألوية ... تعبق مسكا طلوعها عجب رءوسها فضة مورقة ... تشرق نورا، عيونها ذهب فهو أمير الرياض حف به ... من سائر النور عسكر لجب أو كقول ابن القوطية : وكأنما الروض الأنيق وقد بدت ... متلونات غضة أنواره بيضا وصفرا فاقعات، صائغ ... لم ينأ درهمه ولا ديناره سبك الخميلة عسجدا ووذيلة ... لما غدت شمس الظهيرة ناره وربما أدى الشغف بالصورة لديهم إلى استخراج صور غريبة، كقول المصحفي في وصف سوسنة : يا رب سوسنة قد بت ألثمها ... وما لها غير طعم المسك من ريق مصفرة الوسط مبيض جوانبها ... كأنها عاشق في حجر معشوق وقد تضرب بعض الأشعار بسهم في الحيوية كقول ابن حصن في النيلوفر: كلما أقبل الظلام عليه ... غمضت أنجم السما عينيه _لا يخطئ الناظر في هذا الفن ... كيف أكثر الأندلسيون من وصف الطبيعة في مقدمات قصائدهم مستعيضين به عن الغزل، وكيف أن إعلاءهم من شأن الورد بين الأزهار يلفت النظر حقا. وقد ذكرت من قبل كيف ان شعراء الأندلس أكثروا من القول في الأزهار في أيام عبد الملك المظفر باقتراح منه، فوصفوا الآس والريحان والنرجس والبنفسج والخيري والورد والسوسن، فقال صاعد في الخيري: قد نعمنا في دولة المنثور ... ووصلنا صغيرنا بالكبير وسألناه لم تضوعت ليلا ... قال: فتك الشجعان بالديجور وقرنا احمراره باصفرار ... فعجبنا من لطف صنع القدير ما علمنا الياقوت للشم حتى ... نفحتنا روائح المنثور الشعر الأندلسي والتقليد لشعر المحدثين المشارقة رأي الأستاذ اميلو غرسية غومس لا أرى الأستاذ غرسية غومس مصيبا حين يقول: " وكذلك المحدثون لم يكن لهم عند شعراء الأندلس أثر بعيد فيما خلا بدورات نلمحها بين الحين والحين " . فقد أشرت من قبل إلى ان الذوق الأندلسي قد تربى على تقدير شعر المشارقة المحدثين، حتى ميز نقاد الأندلس بين طريقتين في الشعر: طريقة العرب وطريقة المحدثين، ومالوا إلى الثانية وحاكوها، ومثلت كيف شغلوا انفسهم بتدارس ديوان أبي تمام ومسلم بن الوليد والبحتري، وكيف كان ديوان أبي تمام على وجه الخصوص محط اهتمامهم الأكبر. فمن الخير هنا أن أتلمس جوانب هذا التأثير الذي تلقاه الشعر الأندلسي من شعر المشارقة المحدثين. وأقول أن الأثر يمتد في اتجاهين: الأول أثر في الموضوع والثاني أثر في الشكل والطريقة الشعرية، أما الأول فتبيانه ليس بالأمر الميسور، وأما الثاني فانه على صعوبة تمييزه أظهر من الأول. صلة الشعر الأندلسي بالشعرالمشرقي: لقد كان أهم المحدثين في نظر الأندلسيين هم: أبو نواس وأبو العتاهية وأبو تمام وابن الرومي وابن المعتز، ثم وفد ديوان المتنبي على الأندلس، فلم يلبث ان احدث بعض الأثر الملموس. ونجد في الأشعار الأندلسية من هذه الفترة نزعة زهد واضحة عند ابن أبي زمنين والغزال وابن عبد ربه وأبي بكر الزبيدي وغيرهم، ونحس فيها حقا بشخصية أبي العتاهية وأفكاره ونظراته في الحياة والموت، ولكن هذا الموضوع مشترك بين أناس ينظرون إلى الحياة الدنيا من خلال نظرهم إلى الموت والحياة الخالدة. ومن العسير ان يحكم المرء بان الأندلسيين استعاروا هذا الموضوع من أبي العتاهية أو اقتبسوا تماما فنه الشعري، لأن الزهد نزعة لها أصولها الاجتماعية وليست تجيء كلها اقتباسا، ولكن أثر أبي العتاهية في تقوية النزعة والاتجاه الشعري لا يمكن إنكاره، وإذا شمعنا الزبيدي يقول: لقد فاز الموفق للصواب ... وعاتب نفسه قبل العتاب ومن شغل الفؤاد بحب مولى ... يجازى بالجزيل من الثواب فذاك ينال عوا كعز ... من الدنيا يصير إلى ذهاب تفكر في الممات فعن قريب ... ينادى بالرحيل إلى الحساب وقدم ما ترجي النفع منه ... لدار الخلد واعمل بالكتاب ولا تغتر بالدنيا فعما ... قريب سوف تؤذن بالخراب إذا سمعنا هذا الشعر وجدنا الموضوع والشكل قد اتفقا على النظر معا إلى أبي العتاهية في مثل قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب يها المرء إن دنياك بحر ... طامح موجه فلا تأمننها وسبيل النجاة فيها مبين ... وهو أخذ الكفاف والقوت منها على أشعار أبي العتاهية أدركنا فرقا بينهما، وان اتفق الموضوع، وهذا الفرق إنما ينتج عن صورة الدنيا عند كليهما، فأبو العتاهية يتصور الدنيا دارا أو ظلا متقلصا أو مرعى أو سرابا وقلما يتصورها بحرا في مثل قوله: كل أهل الدنيا تعوم على الغفلة منها في غمر بحر عميق ... يتبارون في السباح فهم من ... بين ناج منهم وبين غريق فالصورة التي يرسمها ابن أبي زمنين للدنيا اقرب إلى ان تكون صورة أندلسية أصيلة من تلك الصور التي عرضها لنا الزبيدي في زهديته السابقة. وصف الخمر ومثل ذلك أيضاً الحال في وصف الخمر، إلا ان هذا الموضوع أدق من سابقه وأبين حدودا، وبخاصة وانه عند أبي نواس زعيم هذا الفن ينقسم من حيث شكله في صورتين: الوصف للخمر وما يتصل بها، وقصة المغامرة مع الندمان في زيارة الحان، وفي الأول من هذين القسمين يستأثر أبو نواس بمعان وتوليدات إذا اقتبسها غيره أعلنت عن نفسها، كقول الشريف الطليق : رب كاس كست جنح الدجى ... ثوب برد من سناها يققا قام يسقيها رشا في جفنه ... سنة تورث عيني أرقا أشرقت في ناصع من كفه ... كشعاع الشمس وافى الفلقا _إذا ما غربت في فمه ... تركت في الخد منه شفقا فان نورانية هذه الخمر، وسرية " روحانيتها " التي خفيت وهي ظاهرة، ثم هذه الصورة التي تجعل منها شمسا تغرب في الفم بعد ان تطلع من المشرق ؟الذي هو يد الساقي - لا تزال تستمد من شعر أبي نواس الشيء الكثير. وأبين من هذا حكمنا على قصة المغامرة في الحانات، فهذا اتجاه نواسي لا ينازع فيه صاحبه متقدم عليه، فاذا قرأنا قصيدة يحيى الغزال : ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم ... تأبطت زقي واحتسبت عنائي فلما أتيت الحان ناديت ربه ... فهب خفيف الروح نحو ندائي قليل هجوع العين الا تعلة ... على وجل مني ومن نظرائي فقلت أذقنيها فلما أذاقني ... طرحت إليه ريطتي وردائي وقلت أعرني بذلة أستتر بها ... بذلت له فيها طلاق نسائي فوالله ما برت يميني ولا فت ... له غير أني ضامن بوفائي وأبت إلى صحبي ولم أك آيبا ... فكل يفديني وحق فدائي وجدنا محاكاة متعمدة لأبي نواس، وان لم تقلل هذه المحاكاة من إجادة يحيى الغزال وتنفرده ببعض الجزئيات. أثر أبي نواس وافتتان الأندلسيين بأبي نواس قد يقوي القول بعمق أثره في الشعر الأندلسي، فقد رأينا كيف ان رواياتهم تنسب إلى عباس بن ناصح الرحلة للمشرق من اجل أن يلقاه حين سمع بنجومه، وهذا هو الغزال يحاكيه، ويرى الأندلسيون في محاكاته شيئا لا يقل مستواه عن شعر أبي نواس، ومن الحكايات الدالة على افتتانهم به، قول ابن شبلاق الاشبيلي: رأيت في النوم كأني في مقبرة ذات أزاهير ونواوير، وفيها قبر حواليه الريحان
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|