انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

ابن قتيبة وقضية الصراع بين القديم الحديث

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم لغة القرآن     المرحلة 3
أستاذ المادة علي حسوني شلاكة الشريفي       5/31/2011 9:14:37 AM

إبن قتيبة وقضية الصراع بين القديم والحديث
           نظرة الجاحظ إلى الألفاظ والمعاني أوقعت النقاد في أسره فيما بعد وجعلتهم جميعاً يدلون بدلوهم فيها متوهمين أحياناً في فهم رأي الجاحظ مبالغين في إعطاء الألفاظ حظها ومكانها في النص الشعري وقد قادتهم هذه النظرة أحيانا إلى الفصل التام بين الألفاظ والمعاني وكأنهما عالمان مختلفان غير مرتبطين . ونلحظ هذا الفصل في تقسيمات ابن قتيبة لأضرب الشعر التي توحي أول ما توحي بعملية الفصل بين الألفاظ والمعاني . فقد تدبر ابن قتيبة كما يقول الشعر فوجده أربعة أضرب :-
الأول ضرب حسن لفظه وجاد معناه كقول الشاعر :
في كفه خيزران ريحه عبق
                                      من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته
                                       فمـا يكلـم إلاّ حين يبتسـم
فلم يقل في الهيبة شييء احسن منه وكقول اوس بن حجر :
أيتها النفس إجملي جزعا        إن الذي تحذرين قد وقعا
لم يبتدىء احد مرثية احسن من هذا ... وكقول حميد بن ثور :
أرى بصري قد رابني بعد صحةً        وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولم يقل في الكبر شيء احسن منه وكقول النابغة :
كليني لهم يا اميمة ناصب      وليل أقاسيه بطيء الكواكب
لم يبتدىء احد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب ومثل هذا في الشعر كثيراً

الثاني ضرب حسن لفظه وحلا فاذا انت فتشته لم تجد هناك فائدةً في المعنى كقول القائل :
ولما قضينا من منى كل  حاجة            ومسح بالاركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهارى رحالنا        ولا ينظر الغادي الذي هو رائع
أخذنـا  بأطراف الاحاديث  بيننـا           وسالت بأعناق المطي الاباطح 
هذه الألفاظ ــ كما ترى ــ أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع, وان نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته, ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان, وعالينا إبلنا الانظاء, ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الاباطح .
إن تعليق ابن قتيبة السابق على الأبيات يدلنا على رفضه لهذا النوع من الأشعار الرقيقة وعدها بالمرتبة الثانية من الأشعار التي يلمح فيها جمالا في اختيار الألفاظ مخارج ومقاطع ومطالع لا لشيء إلا لأنه نثر الأبيات فوجدها لا طائل تحتها لمعان مفيدة ولعله كان يرى (إن الفكرة الشعرية كالفكرة العلمية ا وان الشعر ضرب من الحكمة يعترف به العقل ويحكم سداده لأنه حقيقة كونية ويغفل عن النظر التصويرية التي يحتل الشعر بها منزلته بين الفنون) .
وعلل داود سلوم سبب وقوف ابن قتيبة هذا الموقف من هذا الموقف من هذا الضرب من الأشعار بأن النزعة الأخلاقية والنزعة الفقهية مسؤولتان عن هذا الموقف المتجني وقد يصدق هذا الرأي على أبيات الضرب الثاني من اضرب الشعر عند ابن قتيبة ولكنه لا يصدق مع الضرب الثالث الذي أورد فيه كثيرا من أشعار الحكمة المفتقدة إلى جمال الألفاظ والمعاني وهذا يعني أن النزعة الأخلاقية ليست وحدها وراء تقسيمه العقلي هذا للأشعار وقد نضيف إليه تعليلا آخر هو فهم ابن قتيبة الخاص لنظرية المعاني والألفاظ التي تحدث عنها الجاحظ وبشر بن المعتمر من قبله . وبالغ ابن قتيبة في النظرة الانفصالية إلى هذين الحدين اللفظ والمعنى . وحين حاول نثر الأبيات بحثا عن المعاني انحل جمالها وذهب بهاؤها المتأتي من مال الصورة وهذا يمكن أن تندرج تحته كثيرا من أشعار الغزل والوصف التي إذا نثرت فقدت جمالها وبهاؤها وتحولت إلى معنى مألوف معروف إلا أن فضل الشاعر هو في إخراج هذه المعاني لا من خلال الألفاظ فحسب وإنما من خلال الصورة الفنية التي تترك أثرا في النفس أكثر منها منثورة .
إن كثيراً من الأشعار الجميلة الرائعة تفقد بهاءها إذا نثرت وأعيدت إلى معانيها الحرفية التي خطرت في ذهن الشاعر أول مرة وعند ذاك تبرز أمامنا مقولة الجاحظ بشأن كون المعاني مطروحة في الطريق واردة في خاطر كل إنسان فلا يبقى فرق بين شاعر وشاعر إلا في مدى إبداعه في إبراز المعنى المألوف إبرازا جميلا يبدو وكأنه جديد يخطر أول مرة في ذهن الشاعر أو السامع أما إذا نثر فأن المعنى يعود مألوفاً شائعاً معروفاً بين الناس .
الثالث ضرب جاد معناه وقصرت الفاظه عنه .. كقول لبيد :
ما عاتب المرء الكريم كنفسه          والمرء يصلحه الجليس الصالح
وهو يدرج تحت هذا الضرب الأبيات التي نحمل معاني الحكمة أو ما اسماه بالمعاني الجيدة الشريفة إلا انه أحس أن لا روح شعرية فيها ولا جمال فنيا فيها تفهم هذا من عبارته (فأنه قليل الماء والرونق) وهذا يذكرنا بشرط الجاحظ الرابع الذي وضعه للنص الجيد (كثرة الماء) .
الرابع ضرب افتقدت فيه الشواهد والأشعار إلى جودة المعاني وجمال الألفاظ وتندرج تحته كل الأشعار الرديئة وإذا كان ابن قتيبة قد حكم المعاني والألفاظ في تصنيف الأشعار ضمن هذه الاضرب الأربعة بسبب تبنيه لفضل المعاني على الألفاظ فان له آراء أخرى مهمة جدا بحث فيها عن دوافع الشعر والأوقات التي ينشط فيها الشاعر وتشحذ قريحته مما عد فيها من أوائل المؤلفين الذين أولوا هذا الموضوع أهمية كبيرة .

    


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .