انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

النظرية الاجتماعية

الكلية كلية الفنون الجميلة     القسم قسم التصميم     المرحلة 3
أستاذ المادة غسق حسن مسلم الكعبي       26/01/2018 12:14:09
النظرية الاجتماعية
يقول ارنست فيشر (( من الجلى ان الانسان يطمع الى ان يكون اكثر من كيانه الفردي ... يريد ان يكون اكثر اكتمالا , فهو لا يكتفي بأن يكون فرداً منعزلاً , بل يسعى الى الخروج من جزئية حياته الفردية الى (( كلية)) يرجوها ويتطلبها ... الى كلية تقف فرديته بكل ضيقها حائلا دونها , انه يسعى الى عالم اكثر عدلاً واقرب الى العقل والمنطق .وهو يثور على اضطراره الى افناء عمره داخل حدود حياته وحدها , داخل الحدود العابرة العارضة لشخصية وحدها ,, انه يريد أن يتحدث عن شيء اكثر من مجرد ( انا) عن شيء خارجي وهو مع ذلك جوهري بالنسبة اليه , أنه يريد أن يحوي للعالم المحيط به ويجعله ملك يده .وعن طريق العلم والتكنولوجيا – يمد هذه ( الانا ) المتطلعة المتشوفة لاحتواء العالم , الى ابعد حدود مجرات السماء , وتالى اعمق أسرار الذرة .كما يربط – عن طريق الفن – هذه ( الانا) الضيقة بالكيان المشترك للناس , وبذلك بجعل فرديته اجتماعية )) .
ويضيف فيشر في فقرة اخرى ما يؤكد أن اندماج ( الانا) ( والنحن) انما يتم عن طريق الفن فيقول : (( ان الفن هو الاداة اللازمة لاتمام هذا الاندماج بين الفرد والمجموع , فهو يمثل قدرة الانسان غير المحدود على الالتقاء بالآخرين وعلى تبادل الرأي والتجربة معهم .
ويرى انصار النظرية الاجتماعية – وقد عولوا على المجتمع واعتبروه الاساس الجوهري للفن –أن الفن ليس انتاجا فرديا بل هو ضرب من الانتاج الجمعى , سواء قررنا أن الفن وجد مع الانسان البدائي او كان نتاج الدين وهو عندهم ظاهرة اجتماعية , أو كان نتاج لا شعور جمعى , فما اللاشعور الجمعى عندهم الا جماع تجارب انسانية , انحدرت من أسلافنا البدائيين عن طريق الاجداد والاباء .
بل يذهب يونج Jung الى انه اذا كانت الدراسات البيولوجية قد بينت لنا ان ثمة بقايا جسدية قد نقلتها الينا الوراثة من الاسلاف , فأن نفس الامر ينطبق على الحالات النفسية , اذ يمكن أن نتحدث عن وراثة نفسية أي وراثة للاشعور الجمعى الذي ينحدر من السابق الى اللاحق ويكون متحداً لدى الافراد جميعاً .ومعنى هذا أن العصر الذي ولد فيه فن ما , ليس مستقلاً تماماً عن عصور سابقة بل عن اقدم العصور التي ظهر فيها هذا الفن , ومن ثم تكون مهمة الجيل الفني اللاحق اضافة أو تطوير أو تعديل تراث فني يحمل قسمات العصور السابقة كلها .
يقول فيشر (( ان الفن مهما كان وليد عصره , فهو يضم قسمات ثابتة من قسمات الانسانية ... وكلما زادت معرفتنا بالاعمال الفنية التي جر عليها النسيان رداءه منذ أمد طويل , زاد وضوح العناصر المشتركة والمتصلة بينها رغم اختلافها وتنوعها , فما الانسانية الا نتاج لاضافة تفصيل صغير الى تقصيل صغير آخر )) .
ولقد اهتمت هذه النظرية بأثبات اجتماعية الفن منذ بدايات العصور الاولى فها هو سيدني فنكلشتين يقول (( لقد ظهر الفن في الحياة المشاعية البدائية بشكلين : الشكل الاول هو شكل موضوعات النفع المادي مثل الادوات ةالاسلحة .... أما الشكل الآخر فهو شكل الطقوس القائمة على العقائد السحرية , فالعادات العملية السحرية في المجتمع المشاعي كانت محاولة للسيطرة على قوى الطبيعة . ويربط أنصار هذه النظرية بين الفن والدين بأعتبار أن الدين ظاهرة اجتماعية , فلقد ذهب دور كايم إلى ان الدين كنظام اجتماعي هو الأصل في نشأة الفنون جميعها .
وثمة رأى مماثل نجده في عبارة Raymond Bayer القائلة (( نشأة الفنون كانت بين جدران المعابد)) اذ المعبد هو الذي عمل على ظهور أقدم الفنون البشرية جميعاً ألا وهو فن المعمار , ثم ظهرت الحاجة الى تزيين جدران المعابد بالنقوش والتماثيل والإشكال البارزة, فكان من ذلك أن ظهر فن النحت ولم يلبث المثالون أن تفننوا في عمل التماثيل الملونة , فكان من ذلك أن ظهر فن التصوير , الذي لم يكن يستعمل في الأصل إلا لتزيين جدران المعابد .ولما كانت العبادة تستلزم بالضرورة اقامة الاحتفالات الدينية , فقد ظهرت على التعاقب فنون الرقص المقدس والموسيقى والشعر الغنائي .
ويذهب أنصار النظرية الاجتماعية الى أن الفن ضرب من الصناعة والعمل والإنتاج الجمعى , وان هذه الصناعة التي تقتضى العمل ومن ثم الإنتاج نتطلب في نفس الوقت وجود المادة والصراع من اجل تطويعها وتشكيلها في انتاجات يحتاجها المجتمع , هذا فضلا عن الوجه الاجتماعي الظاهر في كل حرفة وفي كل صناعة وفي كل عمل .
وقد لخص دور كايم اتجاهات المدرسة الاجتماعية بصدد الفن بقولة ان الفن ظاهرة اجتماعية وانه إنتاج نسبي يخضع لظروف الزمان والمكان , وهو عمل له أصول خاصة به , وله مدارسه , ولا يبنى على مخاطر العبقرية الفردية , وهو اجتماعي أيضاً من ناحية يتطلب جمهوراً يعجب به ويقدره .وعلى هذا الفنان في نظر دور كايم لا يعبر عن (( الأنا)) بل على (( نحن)) أي عن المجتمع بأسره , ولا يتم ذلك عن طريق التأمل الشعوري بل عن طريق الاختمار اللاشعوري وهو ما يشبه الحمل الفني نتيجة للإخصاب الذي تم عن طريق المجتمع . ولهذا فقد يتوهم الفنانيون أن العمل الفني يصدر عن الإلهام أو الوحي ما داموا لا يملكون بأديهم خيوط التأثير الاجتماعي التي تكون في الواقع بعيدة الغور , متشابكة تماماً ومعقدة ومتداخلة .
وعلى الرغم من أن المجتمع هو مصدر الإعمال الفنية إلا إن الأصالة الفنية عند هذه المدرسة هي ان يدخل الفنان على التراث الفني للمجتمع تعديلات وتطويرات أو تأليفات لم تكن مدركة من قبل ولكنها مع ذلك موجودة في المجتمع , ومشتقة من كيانه , فالإبداع الفني قائم على :-
المؤثرات الحضارية وهي البيئة الطبيعية , والجنس ( وهو ما يرثه عن قومه من اتجاهات فنية معينة ) ثم التيارات الجمالية تالسائدة .
أساليب الصنعة والتقاليد الفنية ( أي تكنية الفن) والتراث الفني عبر التاريخ .
الوعي الجمالي للمجتمع في عصر الفنان .
ويعزى إلى تين H . Taine الفضل في إعطاء دفعة قوية للنظرية الاجتماعية فلقد بين في كتابة فلسفة الفن التأثير الكبير للجماعة على الفن , وقدم لنا نظرية استطيقية حتمية تقوم على الاعتقاد الجازم بوجود قوانين ضرورية تتحكم في كل حالة من حالات الفرد والجماعة .وكانت نقطة البدء في هذه الدراسة هي الاعتراف بأن العمل الفني ليس واقعة فردية منعزلة , بل هو ظاهرة تندرج تحت مجموعة أخرى من الظواهر التي يفسرها ... وان كنا قد نتوهم أن العمل الفني هو إبداع أصيل لا سبيل الى التنبؤ به سلفا , وكأنما هو تولد تلقائي , أو انبثاق شبه سحري , ولكن الحقيقة أن العمل الفني هو ظاهرة طبيعية تحددها الحالة العامة للعقلية الجماعية والعادات الاخلاقية السائدة .لقد تحدث تين عن مدى اعتماد الفنان على مجتمعه وقال ان هذا العون يكون هائلاً بقدر ما يكون الفنان معبراً عن روح عصره , وبهذا القدر نفسه يتحدد حظه من العبقرية .ويذهب تين إلى أن لكل حقبة تاريخية مجموعة خاصة من التصورات الجمالية , والصنائع الفنية , والسمات الطرزية , بدليل أن الغالبية العظمى من فناني كل عصر لا تكاد تشذ على تلك الأساليب الخاصة .... ويخلص تين الى القول بأن الجنس والبيئة والزمن هي المسئولة عن خلق درجة الحرارة الأخلاقية أو الأدبية التي تتلاءم مع هذا العمل الفني أو ذاك مثلها في ذلك كمثل درجة الحرارة التي تعد مسئولة عن إمكان نمو هذا النبات أو ذاك في هذه البيئة المعينة أو تلك .وطبقاً لهذا المنظور الذي أتى به تين فان الاختلاف بين الفنانين في طريقة الإبداع لا يرجع الى اختلاف شخصياتهم بقدر ما يرجع الى تباين واختلاف التأثيرات الحضارية التي يعيشون في كنفها , وأعصر , والبيئة , وعوامل الوراثة .ومعنى هذا أن عملية الإبداع الفني محتمة بالظروف الاجتماعية والبيولوجية وأنه لا مجال للحرية أو لأصالة الفنان المطلقة .فأصالة الفنان إذن ليست منبثقة عن ذاته بل هي مشروطة بخلفيات اجتماعية وحضارية لم يكن دوره فيها إلا إعادة التركيب بين بعض عناصر هذه الخلفيات القديمة , وذلك حاجة المجتمع لهذا التركيب الجديد .
ونستطيع أن نفهم الآن قول أصحاب هذه النظرية من أن أصلة الفنان نسبية وليست مطلقة , وانه لا يبتكر أعمالاً فنية جديدة كل الجدة , بقدر ما ينحصر ابتكاره في التأليف بين أفكار قديمة , أو إحداث تعديلات أو تحويرات فيما وصلة من تراث فني سابق , أو فيما وعاه من ظروف اجتماعية محيطة به .ولذا فأن الجديد الذي يأتي به الفنان ضئيل ومحدود بالنسبة إلى ما تسلمه أو تقبله (( وكثيراً ما تنحصر أصالة الفنان في التوفيق بين عناصر فنية مستعارة من طرازين معاصرين , دون أن يكون لدى الفنان نفسه أي شعور واضح بتلك العملية التأليفية التي يقوم بها )) .الواقع أن الفنان الفرد في ضوء النظرية الاجتماعية هو الذي يبدع العمل الفني وينفذه , ولكن هذه النظرية الاجتماعية تؤكد أن هذا الفنان الفرد ليس مستقلاً عن غيره من الإفراد في المجتمع , بل هو فرد اجتماعي مشبع بروح الجماعة أو بالعقل الجمعى وأن روح الجماعة هذه هي التي ينبع منها الهامه الفني الذي يستهدف إشباع حاجات الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .