انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الفنون الجميلة
القسم قسم الفنون التشكيلية
المرحلة 2
أستاذ المادة رنا قاسم مهدي الخفاف
16/02/2017 23:38:51
استخدام الكتابة في الفن الرافديني :- يعد الفن نشاطـاً إنسانيا محظاً مرتبطاً بالمجتمع ومؤسساً بدوره نواه الحضارة وهذا الارتباط يعكس مفاهيم الشعوب وحياتها وواقعها الذي عاشت فيه وسجلا ً حافلاً لحضارتها واحياءً لها وبشكل عام لا يمكن فهم البناء الفكري لحضارة ما من دون الرجوع إلى الفن وفهم ماهيته وتوجهاته وارتباطاته وخصوصياته كشرط أساسي لفهم الحضارة التي نشأ فيها، وذلك لكون الفن وسيله مهمة من وسائل المعرفة التي رافقت المراحل الأولى لنشاط الفكر الإنساني وتطوره الزماني والمكاني. إذ ولد الفن بمولد الإنسان ومنذ اقدم العصور فكل ما أنتجه منذ القدم ولحد ألان هو ما تتطلبه الحاجة اليه ، ولم يكن فناً تزينياً أو لغرض إشباع الحاجة الجمالية ، بل كان وسيله يعبر من خلالها الفنان عن انطباعاته وانفعالاته وأحاسيسه المحتدمة في تفاعله مع البيئة الطبيعية ، لذا نجد أن النتاجات الفنية الموغلة في القدم ماهي إلا دليل على ان الإنسان كان فناناً قبل كل شئ ، فهو يعبر بمهارة واحساس عن مشاعره ومحيطه وتجاربه. ولفهم دلاله العمل الفني ومحركاته الفكرية عبر اداوره الحضارية لابد من تسليط الضوء على الظروف البيئة المحيطة به والتي تساعد كثيراً على تفهم أفكاره ومفاهيمه وعاداته وتقاليده والتي لا يمكن فهمها من دون تفهم مصدرها والرجوع إلى الدافع للمنجز التاريخي، لذا فمن الممكن تحديد نهج وفكر أية حضارة لمعرفة مدى تطورها وتقدمها من خلال الاطلاع على فنونها وآدابها لان " الفن متلازم مع الإنسان ويتغير بتغير العصور… . وقد اختلفت طرائق التعبير ووسائله لدى الإنسان بالأشكال والألوان والخطوط ، فكان للإحداث والظروف التي عاشها من جهة والتطور الحضاري من جهة اخرى، اثر في خلق تلك الوسائل وتنوعها. وهكذا فالعراقيون القدماء خلدوا شرائعهم ونظمهم وتقاليدهم وأفكارهم من خلال أعمالهم الفنية بنماذجها المتعددة ، كالرسوم الجدارية والأعمال النحتيه والاواني الفخاريه وغيرها ، وذلك بما توفره البيئة من خامات صنع منها الفنان أعماله الفنية الأولى ، فأصبحت تلك الأعمال الينابيع والمناهل التي قامت عن ايحاءاتها الرمزية سائر الفنون الجميلة المعاصره. أن للبيئة الطبيعية بأنماط علاقاتها المتداخلة لها اثر كبير وواضح في مجمل النشاط البشري وتحديداً في نشوء الحضارات وتطورها ، وما تملكه من موارد طبيعية وما تجود به على الإنسان الذي نشأ بين أحضانها ، فقد كان لها تأثيراً واضحاً على ذهنية حضارة العراق بشكل عام وعلى دائرة الفن الذي كان أحد اوجه الحضارة بشكل خاص ، وذلك من خلال الأسلوب الذي اتبعه الإنسان في استغلال تلك الموارد التي أسهمت في تحديد ملامح وخصائص حضارته واكتساب معارفه وتنمية انطباعاته وتصوراته عنها. إذ تمكن الإنسان من خلال تفاعله مع بيئته من اكتساب العديد من المعارف بواسطة التجريب ويأتي في مقدمتها الفن التي أنضجت الأطر العامة لثقافته والتي خلد من خلالها عاداته وتقاليده وديانته. ابتداءاً نعرف أن الرسم والتأشير والتحزيز على جدران الكهوف والصخور ما هو ألا وسيله مهمة لجأ أليها الإنسان القديم لترجمة أفكاره وانفعالاته ورغباته فضلاً عما كان يواجهه من صراع مرير مع الطبيعة والحيوانات معاً لتحقيق معادلة الوجود ، محاولاً نقلها إلى الآخرين . والجدير بالذكر أن هذه الرسوم لم تكن للمتعه الجمالية فحسب ،على الرغم من حملها لصفه الجمال في خطوطها ، وانما كانت ذا مغزى رمزي سحري من اجل سيطرة الإنسان واسيتلاؤه على الأشياء والحيوانات المتوحشة والتغلب عليها من خلال الشكل المرسوم ،فهو حينما يرسم سهم موجه إلى أحد الحيوانات كأنما يوجهه لها في الحقيقة ، فهذه الأشكال هي تعبيراً محاكياً لأشكالها في الطبيعة، أي بمعنى أنها تحولت إلى لغة رمزيه تتخذ شكلاً مرئياً. " ومن هنا فلعل الرسوم الأولى لإنسان الكهوف هي نوع من التدوين ( التدوين السحري ) " … . فالرسوم البدائية هي الخطوة الأولى من مرحلة الكتابه بالرسوم ، وهذا ما أكده الباحثون في مدى استفادة الكتابه الصورية من الرسوم التجريدية قبل بضع آلاف من السنيين مما أدى إلى اختراع الكتابة وبدون ذلك لما كانت الكتابه قد اكتشفت ، لان " التجريد هو الذي منحها الشكل الثابت والنهائي … فالتجريد للإشكال (النباتية والحيوانية والهندسية) في الازمنه البدائية يقتصر على الرمز والسحر أما في الكتابة فقد نزل التجريد إلى مستوى الأعمال اليومية…أي التعبيرعن الكلام بالصورة المجردة … " . وبعد تطور الإنسان وانتقاله من عصر جمع القوت إلى عصر الزراعة والاستقرار وظهور التجمعات السكانية في المناطق المجاورة للانهار وبالقرب من الحقول التي صار يزرعها ، أوجد ذلك نقله نوعيه في تاريخ الحضارة البشرية ، كما شهدت حالة الاستقرار والتطور الاجتماعي والاقتصادي تغييراً في تفكير الإنسان ومفاهيمه ومن ثم انعكاس ذلك على نتاجاته الفنية ، وذلك باتخاذه أسلوبيه خاصة ضمن السياق السائد للعمل ، وهذا ما حدا بإنسان وادي الرافدين الاعتماد على مادة الطين في إنشاء حضارته الأولى وانبثقت منه معطيات هائلة في شتى ميادين الحياة ، فصنع الأجر بدلاً من الحجر لتشييد المعابد والقصور والدور ، وبدأ باختراع الفخار بسيطاً من حيث الصناعة والتقنية ، اربطت صناعته بسكنه القرى الزراعية لكونه ضرورة ملحه في حياة الإنسان اليومية لخزن طعامه وشرابه وسائر حاجاته المختلفة ، كما كان الفخار خير وسيله لتجسيد الأفكار وانعكاسها من خلال توظيف الوحدات الزخرفية الزاخرة بالمعاني ذات النظام والتناسق والرموز التي تدل على طبيعة التفكير آنذاك والتي تختلف باختلاف الأطوار الحضارية. وتتواصل الزخارف الموجودة بأنواعها المختلفة على القطع والاواني الفخاريه بنظامها الشكلي المرمز والواقعي والهندسي وبطرق منسقه وبألوان وتقنيات متعددة في كل من ( قرية جرمو ) التي امتازت بتوظيف "الخطوط المتقاطعة والعناصر الحيوانية المحورة كأنها في حالة حركة " فوق سطوح الأعمال الفنية. وفي( قرية حسونه) وجد فخار مزخرف بنقوش هندسية وبلون واحد ( اللون الأسود ) (تشكل من الخطوط المتوازية والمتقاطعة والمتصالبه والمثلثات ) ونوع اخر مزين بزخارف تجريديه ، محزوزه أو ملونه ( مرسومة ) في الوقت نفسه, للوصول إلى المحصلة النهائية وهي إغناء العمل الفني بقيم جمالية للموضوع دينياً أو وظائفياً . أما ( فخار سامراء ) "فقد احتوى على اسماك وطيور وعقارب وأيل وفي بعض الأحيان أشكال آدمية مبسطه". وهذه الوحدات المجردة بأشكالها الهندسية والحيوانية والنباتية من المحتمل ان تكون رموزا ً تحمل بعض الدلالات والعقائد الدينية والسحريه. وهي منفذه بأسلوب دقيق جدا يشيد بطبيعة البناء الفكري لإنسان ذلك العصر ، فضلا عن دورها في إكساب الآنيه الفخاريه سمه جمالية خاصة تميزها عن غيرها. وتناشدنا اغلب الوحدات الزخرفية في (فخاريات حلف ) بأشكال هندسية كالمثلثات والصلبان والمربع والمعين، فضلاً عن أنواع الزهور المرسومة داخل أقراص دائرية، وطيور وغزلان. إذ كانت طبيعة المجتمع والبيئة تحاصران الفكر البشري وتحددان نسق أفكاره للمواضيع المطروحة على الإعمال الفنية . أما الوحدات الزخرفية التي وجدت خصوصيتها على فخاريات (العبيد) فهي مشابهة لوحدات (حسونه)، الزخرفة وحلف وهي متمثلة بالخطوط العريضة (متقاطعة ومتعامدة ) والتي في نفسها تشبه الكتابة، وكما وظفت المثلثات والمربعات والأزهار الطيور . بيد اننا وفي مراحل تاريخية لاحقه نجد أن اغلب تلك الأشكال والوحدات الزخرفية (التصورية ) قد وظفت لأغراض الكتابة والتدوين على ألواح طينيه أو حجريه عرفت فيما بعد (بالكتابة الصورية) . هذا دليل على ان الكتابه الصورية لها جذور سابقة وهي امتداد طبيعي للوحدات الزخرفية (التصورية) المجردة والمنفذة على الفخاريات أو باقي النتاجات للعصر الحجري الحديث*. وبناءً على ذلك ترى الباحثة أن الاتصال الحضاري بواسطة الرسوم والصور وهو مظهر متكرر في المجتمعات البدائية منذ اقدم العهود ، كما إنها في الفترات التاريخية اللاحقة أي فترة اختراع الكتابه كانت هي لغة الاتصال المشترك في مراحل الكتابة الأولى في كل من وادي الرافدين ووادي النيل ، فهناك ترابط عضوي مابين ( الرسم والكتابة ) قبل تكونها خلال الحضارات اللاحقة التي نشأت في منتصف الإلف الرابع ق. م.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|