انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الفنون الجميلة
القسم قسم التربية الفنية
المرحلة 4
أستاذ المادة عبد الحميد فاضل جعفر البياتي
16/01/2013 17:17:32
النحت البابلي المجسم
يمكن أن يعزى التطور الثقافي في العراق القديم إلى النضج العقلي للأقوام التي سكنت البلد ، الذين استطاعوا أن يتكيفوا والبيئة ومن ثم توظيفها لخدمتهم. و كان الطين و البردي من أكثر المواد المتوفرة استخداماً ولمختلف الأغراض وعلى الأخص في البناء والتشكيل ، ولقد فرضت هذه البيئة على فنانيها أرجحيه في استخدام خامة قدر لها أن تتمتع بقيمة فنية ودينية وهي الطين وبالرغم من شيوع مادة الطين في الاستخدام الا أن الأعمال النحتية المصنوعة منه ، ورغم الأعداد الكبيرة التي وصلتنا منها على شكل كسر في الغالب فأنها تعد قليلة قياساً بما أنتجه العراقيين القدماء خلال الاف السنيين ومع ما تقدم فان زائر المتاحف العالمية يجد بين مجاميع الآثار النفيسة من المنحوتات المجسمة التي خلقتها الحضاره البابلية مواد لا تتوفر خاماتها في بيئة هذه الحضارة مما يؤكد شيوع المبادلات التجارية لهذه المواد سواء كانت حجارة أم معادن للحاجة الماسة لها في تدبير شؤون الحياة اليومية ومنذ وقت مبكر وبشكل واسع.
الا انه ومن المستغرب أن مؤرخي الفن القديم ومنهم كوتسه *، وهنري فرانكفورت** . حين يصلون إلى العصر البابلي يعترفوا بعدم قدرتهم على تمييز فن عصر حمورابي *** أو فن خلفائة عن فن العصر الذي سبقه ، الا بعد الاعتماد على التماثيل التي تحمل كتابات على تحديد تاريخها بدقة.
ومع ذلك فان عدم التمييز لا يلغي الوحدة الملموسة لفن النحت المجسم البابلي و هي وحدة ناجمة عن حقيقة أن المنطقة الخاضعة للحكم البابلي ماهولة بشعوب متعددة متألفة و عملية التحقق من الأعمال الفنية يكمن بالاستقصاء الدقيق لأعمال فنية ذات تفاصيل دقيقة متشابهة بصفة أساسية و لا تتعارض و الاتجاه الإبداعي العام و وفقاً لذائقة جمالية مجتمعية محددة أن ما وصلنا من النتاج النحتي لهذا العصر على الرغم من طول فترته الزمنية يعد قليلاً وان النماذج القليلة الباقية تشكل مصدراً للمعلومات غير متجانس فنياً وهذا مرده إلى أن حمورابي عمل على توحيد المدن و شعوبها في مملكته وفرض لغة واحدة للإدارة وتشريعاً قانونياً واحد مما أدى إلى اختلاط الأساليب الفنية وتداخلها.
أن سبب القلة الغير متجانسة ظاهرياً من الأعمال النحتية التي ظهرت في العصر البابلي تعزى إلى عدد من الأسباب منها وقوع معظم مدن بابل القديمة تحت المياه الجوفية .و اهتمام البابليين بالأدب والترجمة للأساطير والملاحم القديمة دون النحت. إضافة إلى ذلك الصراعات بين الدويلات للسيطرة و الاستحواذ قوض الكثير من الآثار النفيسية ودمرها . ألا انه من الممكن الاستعانه بما وجد من الآثار في المدن التابعة للإمبراطورية البابلية على معرفة ما كانت عليه المنحوتات المجسمة من هيئة نضجت بالتحديد في عهد حمورابي .
* كوتسه مستشرق أمريكي من البارزين في بحوثهم في الكتابات الحثية من الأناضول والكتابات المسمارية في العراق ومن دراساته قانون اشنونا المكتشف في تل حرمل .
**هنري فرانكفورت : آثاري أمريكي اشرف على أدارة التنقيبات للمعهد الشرقي في جامعة شيكاغو في العراق في ثلاثينات القرن الماضي ومن أشهر مؤلفاته كتابة عن الأختام الاسطوانية . ***حمورابي : سادس ملوك بابل القديمة والذي نجح في توحيد العراق القديم تحت حكمه و أقام تشريعاً للقوانين محفوظة ألان في متحف اللوفر في فرنسا، فقد عاد الفنان ينهج الواقعية بمحاولات أكثر ثبات ودقة وهو يبغي أظهار هيئة المنحوتات بشكل مميز بالتاكيد على تقاسيم الملامح ونسب الجسم و تشريحه بشكل يحاكي الطبيعة .
أن المتفحص للنحت البابلي القديم يجد و بوضوح أن النحات لم يستطيع الخروج بشكل مطلق تام من دائرة التقاليد السومرية و الاكدية ، الا انه استطاع إضافة بعض التفاصيل إلى تماثيله كوسيلة يعبر من خلالها عن نفسه بطريقة ملائمة تمييزه عما سبقه ، وكانت هذه الإضافات أما من خلال الأزياء أو بطريقة تصفيف الشعر أو من خلال غطاء الرأس ، ومن المهم الإشارة إلى أن النحاتين البابليين لم يلتزموا بأظهار تماثيل ألهتهم بنفس الجمود و الهدوء الذي كان معهوداً بالتماثيل السومرية القديمة ، و لا بالهيبة و الفخامة التي ظهرت بها التماثيل بل ظهرت وهي تتحرك بأسلوب واقعي و بمظهر بسيط ، كما نلاحظ اجتهاد النحات البابلي في العمل على مختلف الخامات منها الحجرية و المعدنية وحقق تفوق كبير في مجال صهر المعادن إلى مستوى من المهارة العالية والسيطرة التامة على هذه المادة بحيث يسعنا القول أن الكفاءة التقنية والمهارة اليدوية تمثلان عنصراً من العناصر المكونة لعبقرية النحات البابلي التي استطاعت تنفيذ أدق ما يمكن من تفاصيل الموضوعات المختلفة ومنحت النحات أفاقاً جديدة في مجال تشكيل كتلة التمثال وحركته المتحررة.
وامتاز النحات البابلي بعمق مداركه الفكرية فقد اعتمد الرمز في نحت تماثيل الالهة ، و يظهر انه اتجه أكثر فأكثر إلى تجسيم الالهة بهيئة بشرية ، وظهار ذلك بأشكال رمزية . أن رمزية النحات البابلي لم تكن بهدف الاختزال الشكلي أو التجريدي للمنحوتات بل كان ذات دلالات فكرية بمغزى عميق لها علاقة بالبعد الديني و الدنيوي بنزعة بابلية تستهدف الجمال أيضا كقيمة إنسانية وتحدد طبيعة الإنسان البابلي القديم .
أن التماثيل ذات الوجوه الأربعة التي ظهرت في العصر البابلي تشير إلى دلالات رمزية كبيرة وتؤشر إلى متغيرات في هيئة المنحوتات لم نألفها في السابق من هذه التماثيل تمثال لأله واقف يطأ بقدمه اليسرى كبشاً جالساً على الأرض ، يبلغ ارتفاع التمثال البرونزي17،3 سم وهذا الصغر في الحجم يؤكد دقة ومهارة النحات البابلي ويبين إبداعه في الرؤية الفلسفية و الفنية بإخراج أربعه وجوه في رأس تمثال واحد ، بحيث يجعل المتلقي ( المتعبد ) في أيصال مباشر مع هذا الإله من كل الجهات ، وكذلك جعل الإله المجسد بالتمثال على اتصال ودراية بمن حوله وهذه المعالجة تجعل هذا التمثال غريباً بأسلوبه حيث المبالغة الكبيرة في دمج الواقع الطبيعي بالخيال الأسطوري . كما ذهب أبداع النحات البابلي و رمزيته بالتعامل مع المواد الداخلة في صناعة التمثال على أنها طاقة تعبيرية لها دلالاتها فالتمثال الذي عثر عليه في لارسا* لرجل جاثياً على ركبته اليمنى مصنوع من البرونز يبلغ ارتفاعة 19،5 سم و قد غلفت يديه و وجه بالذهب في أشارة بالغة الأهمية إلى مكانة هذه الأجزاء في الجسم البشري ، لكون الذهب عند البابليين في المواد المطهرة للمعانه وعدم أكسدته عبر الزمن و لغلاء سعره .
لارسا* ( سنكره حالياً ) 4.كم إلى الشمال الغربي لمدينة الناصرية وهي من المراكز الرئيسة لعبادة شمش وظهرت سلالة حاكمة في بداية الألف الثاني ق .م استمر حكمها اكثر من قرنين
و قد استهدف النحات البابلي بأكساء هذه الأجزاء لمعرفته الدقيقة ماذا تشكل هذه الأجزاء في حياة الإنسان وكل ما أنجز من أبداع خلاق في الحضارة هي من نشاط هذين الجزئيين في الجسد البشري وهذه التفاتة ذكية من النحات البابلي وهناك تمثال من حجر العكس بارتفاع 1،42 م لأمراه بهيئة الوقوف تحمل بيديها أناء يمكن أن يتدفق منه الماء طبيعياً لوجود قناة يصل من خلالها الماء ، وهذه المعالجة تجعل هذا التمثال يعمل كنافورة و قد عثر على التمثال في المدينة ماري وهو يعود إلى العصر البابلي ، ويعتبر هذا التمثال الوحيد من نوعه في استخدامه نافورة ماء ، وإذا كان صحيحاً أن موضوعة الإناء الفوار هي من الموضوعات التي سبق لنحات العراق القديم أن عالجها في أكثر من مرحلة عبر تجسيده الماء يفيض نحتياً ، ألا أننا نجد النحات هنا وقد عمد إلى جعل الماء الحقيقي يتدفق من الإناء الذي تمسكه الإلهة بيديها الاثنتين أن استخدام النحات البابلي هذه التقنية قد اكسب التمثال حياة نابضة بفعل تدفق الماء بشكل حقيقي يتخطى الجهود الذي ظهرت عليه موضوعات مماثلة سابقاً . ومع أن النحات البابلي القديم قد نفذ تمثاله هذا وهو متأثر بالتقاليد السومرية الاكدية القديمة شكلاً وموضوعاً ألا أن يختلف هنا في قدرته على الجمع بين الحياة الحقيقية لوجود الماء المتدفق في التمثال و بين الحياة الجامدة المتمثلة بالإلهة الواهبة للخير و العطاء المتدفق وبين الجمال البشري المتجسد بالشكل الأنثوي الذي حافظ فيه على النسب و التشريح بما يظهر مفاتن المرأة الجميلة .
لقد كان النحت البابلي و نحاته مبدعاً على الرغم من قلة الأعمال التي وصلت من هذا العصر ألا أنها تشير إلى أمكانية فنية و فلسفية في معالجة الموضوعات لم نألفها قبل في فن العراق القديم و أن كان هذا النحات هو حفيد النحات السومري والاكدي لكن ما أوجده هذا النحات البابلي يشير إلى فهم عميق لدوره في المجتمع يسمو به على أقرانه .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|