انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الفنون الجميلة
القسم قسم التربية الفنية
المرحلة 4
أستاذ المادة حيدر عبد الامير رشيد الخزعلي
13/01/2013 20:23:10
محاضرةالحداثة
لقد أفرزت الحضارة من خلال معطياتها الكثير من التحولات في المفاهيم ، والحداثة أحد تلك المصطلحات الذي يتمتع بجذر تاريخي متحوّل . فله معان كثيرة ويشتبك مع مفاهيم مجاورة له من قبيل التجديد والتحديث والطبيعة وغيرها من المصطلحات ، غير أن التجديد له ، أرضية خصبة تطرح فيها قضايا الحداثة " إلاَّ أن الحداثة أكثر من التجديد ، وإن كان التجديد مظهراً من مظاهر الحداثة ، لأن التجديد إنتاج المختلف المتغير الذي لا يخضع للمعايير السابقة ، بل يسهم في توليد معايير جديدة ، فالجديد نجده في عصور مختلفة ، لكنه لا يشير إلى الحداثة دائماً ولا يكون الجديد حديثاً بالمعنى الذي استقر للحداثة إلاَّ إذا كان يطرح القضايا الأساسية للحداثة " ( ) . ويتطور مفهوم هذا المصطلح بتطور الحداثة ، فما كان حديثاً في السنة الماضية لا يكون حديثاً في هذه السنة ، وما دام العصر الذي نعيشه الآن هو عصر المصطلحات ، لذا وجب علينا تحديد وبلورة مفهوم الحداثة . لقد مرَّ هذا المصطلح بمراحل من التغيّر السريع ، ربما أسرع من الرومانسية أو الكلاسيكية الحديثة . من الناحية التاريخية نستخدم هذا المصطلح لتحديد فترة انتهت ونستعمله كذلك لإيجاد نشاط الإنسان في ظروف معينة وما يتمخض عنه من وجهات نظر إنه " ذلك النمط من الوعي الإنسان المعاصر في أهمية اللحاق بحركة الزمن ، هذا الوعي الذي غالباً ما ينتهي باليأس تزايد سرعة هذه الحركة " ورغم ذلك تبقى الحداثة ذات تأثير بمشاعرنا التي تجعلنا نتصور أننا نعيش في زمن حديث . إنَّ الحداثة ليست أكبر من كونها محض حادثة جمالية طارئة جاءت نتيجة لأسباب يمكن تمييزها بوضوح ، إنها مشكلة حضارية وجمالية في آن واحد ( ) . وقد استعملت كلمة ( الحداثة ) من حين إلى آخر مرادفاً للرومانسية ، وكذلك استعملت في وصف الأجواء العامة للأدب الأوربي في القرن العشرين ، واستعملت من جانب آخر في وصف حركة جارفة معينة غطت الحضارة الأوربية . وتؤكد ( كرترودشتاين ) إنَّ هذه الكلمة هي خير ما يصف تكون القرن العشرين وجوّه العام ، أما النقاد الماركسيون من مثل ( لوكاكس ) فيعدونها نوعاً من البرجوازية الجمالية المتأخرة النابعة من الواقعية ، وقد استخدم هذا المصطلح ليغطي مجموعة من الحركات التي جاءت لتحطيم الواقعية أو الرومانسية وكان ديدنها التجريد ، حركات مثل الانطباعية والتعبيرية والتكعيبية والمستقبلية والرمزية والدادائية والسوريالية ، مع ذلك ليس هناك ما يوحد هذه الحركات ، بل أن بعضها جاءت ثورة كاسحة على بعضها الآخر ( ) . يقول ( جان بودريار ) ليست الحداثة مفهوماً سوسيولوجياً أو سياسياً أو تاريخياً ، وإنما هي صيغة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد ، أي إنها تعارض جميع الثقافات الأخرى السابقة أو التقليدية ... ويؤكد ( بودلير ) إنَّ الحداثة هي العابر والهادي والعرفي إنها نصف الفن الذي يكون نصفه الآخر هو الأبدي والثابت ، وللحداثة وجهات : سلبي : وهو ما عكسه عالم المدنية الكبيرة بما فيه من غياب الخضرة والذي يتجلى في التقدم القائم على التقنية المعتمدة على النجار والكهرباء ، ووجه فاتن ، وهو عنصر الإثارة ( ) . إنَّ الحداثة ممارسة أرادت أن تناقض الأساس التي قامت عليها الثقافة الغربية في الماضي والتي كانت قائمة على العقل . لقد ابتدأت الحداثة في أوربا منذ اللحظة التي تفككت فيها الثقافة الدينية وظهرت الثقافة اللادينية . إنَّ المبدأ الأساس للحداثة هو الحرية ، لذلك طفت الذاتية في اتجاهات الأدب والفن الحديث وقطع الفنان صلاته بجميع العقائد ، لقد تطرفت الذاتية نزعتها الانفصالية حتى أصبحت مبدأ وحيد الاتجاه تناهض الطبيعة والتراث والدين ، لقد كانت الحرية السبب في تضخيم الذاتية حتى وصلت حدود التجرد عن الإنسانية والتشيء في الإنتاج الذي أصبح شيئاً منفصلاً عن قيمته ، ومع ذلك هناك من يدافع عن الحداثة وتعتبرها عقلانية ( ) . وتلخص طروحات الحداثة بما يأتي : 1. بدأت الحداثة مع التحولات الهامة التي شهدها المجتمع في القرن العشرين مع ظهور الأمبريالية واندلاع الحربين العالميتين وقيام الثورة الروسية . 2. لقد تغيرت علاقة الإنسان مع نفسه على نحو أقل مما حصل لعلاقته مع العالم الخارجي . 3. تراكم التناقضات ، ولكن في جو من الإبهام والغموض ، فتناقضات حداثتنا الحالية تعمق من حدة تناقضات ما قبل الحداثة ( القرن 19 ) دون اضائتها . 4. هيمنة التقنية على الطبيعة . 5. انهيار الثقافات التقليدية ، خلط شامل بين التعليم والتربية والثقافة .
الحداثة وتطور الصورة في العصر الحديث جاء الفن الحديث كنتيجة حتمية للتحولات التي شهدها العالم ، فمنهم من يؤرخ بداية الفن الحديث مع بداية الانطباعية ومنهم من يعد بدايته مع بداية القرن العشرين ومنهم من يقول إنه يبدأ في السنوات العشرة التي سبقت الحرب العالمية الأولى ، ولكن في الحقيقة أن جذور هذا الفن تبقى وثيقة الارتباط بما شهده العالم العربي بعد الثورة الفرنسية من تبدل في المفاهيم العامة انعكست آثارها على تطور الحركة الفنية في القرن التاسع عشر ، وذلك يعني أن استمراراً في التطور بقي قائماً على ، وأنه من العبث أن نبحث عن نقطة محددة تشكل بداية للحركة الفنية الحديثة ( ) . وشهد الفن الحديث تطوراً ملموساً بنائياً ومفاهيمياً من حيث الشكل وعناصره البنائية ، وكذلك المضمون وعناصره الفكرية ، وعلى صعيد الصورة الفنية ، كانت الرومانتيكية توسع الهوة مع فن عصر النهضة ، وذلك بالاقتراب من الأعمال الفنية التي تحمل في طياتها صوراً تنتسب إلى الخيال والعاطفة والسيادة للمشاعر الإنسانية وسلطة الذات ، إذا كانت الرومانسية حركة احتجاج على الشكل الارستقراطي وعلى المضمون الذي استبعدت منه جميع قضايا العامة من الناس ( ) . فكانت للصورة الفنية سمات حداثية في المدرسة الرومانتيكية هي : 1. اهتمام الصورة الفنية الروماتيكية بقضايا الشعب . 2. التمييز المطلق للفرد . 3. المبالغة في تصوير المشاهد الدرامية . 4. الألوان زاهية . 5. الحركات عنيفة والأشكال درامية ثورية ( ) . وأخذت الصورة شكلاً جديداً في المدرسة الانطباعية ( الربع الأخير من القرن التاسع عشر ) من خلال لحظة الانطباع والتركيز على اللون والقيم الضوئية ، وفقاً لما رافقت الانطباعية من نظريات علمية ، مثل تحليل الضوء بواسطة الموشور والدائرة اللونية من قبل الفيزيائيين شيفرول ، هلموهولتز ، وهود . ولذلك أصبحت الألوان والخطوط هي التي تقرر نمو الصورة الفنية وليس الموضوع ، وقد بنت الانطباعية مفاهيمها الفلسفية وفقاً لنظرية ( هيرقليطس – 540 – 475 ) ق . م " إنك لا تنزل النهر الواحد مرتين ، فإن مياه جديد تجري من حولك " مما يجعل الرسم الانطباعي مأخوذاً بظاهر الأشياء التي تبدل دون هوادة بفعل المتغيرات المتلاحقة على الأشكال تبدل مساقط الضوء عليها . وتتجلى الصورة الفنية عند الوحوشيون ( 1905 – 1909 ) بأبعاد أكثر تطرفاً مما كانت عليه في السابق ، إذ عبرت عن الضرورة الداخلية من خلال عنف الخط وعنف اللون في رسم الوجه الإنساني ، إذ منح الوحوشيون الصورة ألواناً متحررة من حيث استخدام الأرجواني والأحمر كضلال مع الألوان الباردة الأخرى ، ولم يستخدموا الألوان المكملة ، بل طرقوا انسجامات غير مألوفة دون أن يعيقهم عن ذلك التنافر اللوني أو النغمات الصارخة ورفضوا كلياً مبدأ التظليل أو الريليف في الصورة الفنية . وكتب موريس دينيس " تذكر أن الصورة قبل أن تكون حصاناً حرية أو عارية أو نوعاً من الحكاية هي في أساسها سطحاً مستوياً بألوان مجمعة وفق نظام معين " . هذه الجملة تبدو ماثلة في أذهان الوحوشيين دائماً وقد أعلن ماتيس " ان الحاجة لتناسب الألوان قد تقودني إلى تحوير شكل الشخص أو إلى تغير تكويني " ويقول " ما أسعى إليه قبل كل شيء هو التعبير ، فالتعبير بالنسبة لي ليس بالعاطفة ، التي هي على وشك أن تتلاشى في الفضاء الذي حولهم ، في النسب ، كل هذه لها وظائفها ، التكوين هو فن ترتيب العناصر المتنوعة في متناول الرسام بطريقة تزينيه لتعبر بها عن أحاسيسه"( ) . وقد كانت للصورة الفنية مستويات منحتها التكعيبية ( 1907 – حتى أواخر العشرينات ) ولم يشهدها الرسم الحديث سابقاً ، فقد طرحت واقعاً متصوراً ذهنياً لا مرئياً ، إذ إنهم كانوا يبحثون في التجربة المرئية عن الحقيقة ( ) . وقد أخذت الصورة الفنية عند التكعيبيين مفهوماً يشير إلى أن " الرسم في أساسه هو شيء ، مما هيأ السبيل بدوره إلى الفن التجريدي التام ، واتساع الرسم ليشمل التلصيق ( الكولاج ) والبروز ( الريسيق ) أولاً ثم النحت ثانياً ، واضمحل التفريق بين فنون الرسم والنحت في منتصف القرن العشرين نتيجة الثورة التكعيبية " ( ) . واعتمدت الصورة التكعيبية على التجريد التام وتحطيم الأجسام إلى سطوح هندسية ممتدة في الفضاء ومتداخلة معه ، وقد أهملت الصورة مبدأ العاطفة بإهمالها اللون والاكتفاء بالألوان الحيادية من البني والرصاصي والأخضر الداكن مما منح الأشكال طابعاً نحتياً . واشتغل الطابع الذاتي في الصورة عند التعبيريين ، معوّلين على بث مختلف الخواطر الإنسانية والمشاعر اللاهبة والنوازع النفسية الداخلية في الصورة الفنية مما دفع بها أن تتسم بالخشونة والانحراف عن الطبيعة بقصد الحصول على تعبير أوقع في النفس وأنفذ إلى القلب . وهكذا فإن التعبيرية ترى في الفن التشكيلي تعبيراً حسياً ملموساً كانت هذه الفكرة سائدة قبل الانطباعية بقرون حتى أعادتها التعبيرية على الرغم من خروج هذه المدرسة على التقاليد الأكاديمية للشكل ( ) . إنَّ طروحات ( المستقبلية ) ( 1909 – 1916 ) جعلت من الصورة الفنية مرتبطة بالحركة فهي لم تنظر إلى أنها عماد الرؤية الفنية ، إنما في الاهتزاز الذي تحدثه جراء حركتها . كان الهدف منها تمجيد الحركة الهجومية والخطوة السريعة والوثبة الخطرة والصفقة على الوجه وهاجموا بعنف الإعجاب بالرسوم القديمة وكل ما يمثله أو يدين به الماضي . يقولون إن الحصان الذي يعدو لا يملك أربعة حوافر فحسب ، إنَّ له عشرين ( ) . ومع الفن التجريدي أصبحت الصورة الفنية أكثر اختزالاً من حيث المضمون وتفاصيله وأصبح للشكل دوراً بارزاً وفقاً لاشتغاله مع مفاهيم وأسس شمولية كالاتزان والتناغم والتجانس والإيقاع وتأكيد موسيقية العمل الفني اللاصوري ( التجريدي ) ( اللاموضوعي ) . والفن التجريدي يمثل اتجاهاً فنياً ظهر في بداية القرن العشرين وتأكد في فترة ما بين الحربين وتكرس من ثم بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث بلغ القمة في بداية الخمسينيات ( ) . إنَّ الصورة التجريدية محكومة بإيجاد صياغات بصرية تفسر العالم وتحيله إلى نمط من العلاقات والرموز بسبب طبيعة التجريد الهادف إلى تصفية المظاهر المادية للمرئيات والإبقاء على الجوهري منها ، ومما يعرف أن الرسم التجريدي تبلور بفعل جمهور كاندنسكي ( 1866 – 1944 ) وموندريان ( 1872 – 1944 ) اللذين افترقا أسلوباً واتفقا منهجاً . ويؤكد ريد : إدعاء الفنان التجريدي من أن الأشكال التي يخلقها إنما تتعدى نطاق الأهمية الزخرفية ، وانهم يكررون ضمن موادهم الملائمة وبناء على نسبتهم المقياسية بعض القياسات التناسبية والاتزانية التي هي متأصلة ضمن تكوين الكون والتي تحكم النمو العضوي بما فيها نمو الجسم البشري . وبالتناغم بين الاتزان والتناسب يستطيع الفنان التجريدي خلق عوالم صغيرة تعكس العالم الكبير ، إنه لا يحتاج إلى مظاهر طبيعية لأنه يملك حرية الوصول إلى الأشكال المتعلقة بالطراز البدائي التي تشكل الأساس لكل التغيرات السببية المجسدة من الكون الطبيعي ( ) . فيما لاقت السوريالية ( 1924 ) في فلسفة اللاشعور عند فرويد ضالتها الحقيقية فكما يجد فرويد مفتاحاً لتشابكات الحياة وتعقيداتها في مادة الأحلام ، كذلك يجد الفنان السوريالي ذلك المفتاح في الإلهام ، إنه لا يقدم مجرد ترجمة مصورة لأحلامه بل أن هدفه أن يستخدم أية وسيلة تمكنه من النفاذ إلى محتويات اللاشعور المكبوتة ( ) . وتتميز الصورة الفنية عند السورياليين بالتعبير عن الخواطر النفسية بعيداً عن كل رقابة يفرضها العقل ودون أي حساب للاعتبارات الخلقية أو الجمالية ، والإيمان بسلطان الأحلام المطلق ( ) .
المصادر 1. إسماعيل ، عز الدين ، الفن والإنسان ، دار القلم ، بيروت ، 1974 . 2. أمهز ، محمود ، الفن التشكيلي المعاصر ( 1870 - 1970 ) التصوير ، دار المثلث للتصميم والطباعة والنشر ، بيروت ، 1981 . 3. باونيس ، آلان ، الفن الأوربي الحديث ، ت : فخري خليل ، دار المأمون للطباعة ، بغداد ، 1990 . 4. برادة، محمد ، اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة ، مجلة فصول ، العدد 3، 1984 . 5. براديري ، مالكم ، جميس ماكفارلن ، الحداثة ، ت : مؤيد حسن فوزي ، دار المأمون ، بغداد ، 1987 . 6. البهنسي ، عفيف : من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن، دار الكتاب العربي، دمشق ، 1997 . 7. ريد ، هربرت ، الفن اليوم ، ت : محمد فتحي وجرجس عبدة ، دار المعارف ، القاهرة ، ب ت . 8. ــــــــ ، الفن والمجتمع ، ت : فارس قهري ، دار القلم ، بيروت ، 1975 . 9. سعيد ، خالدة : الملامح الفكرية للحداثة ، مجلة فصول ، العدد 3 ، 1984 . 10. فراي، ادوارد ، التكعيبية ، ت : هادي الطائي ، دار المأمون ، بغداد ، 1990 . 11. فيشر ، ارنست ، الاشتراكية والفن ، ت : أسعد حليم ، دار الهلال ، القاهرة ، ب ت . 12. مولر ، جي ، أي ، وفرانك ايلغر : مئة عام من الرسم الحديث ، ت : فخري خليل ، دار المأمون ، بغداد ، 1988 . 13. نيوماير ، سارة ، قصة الفن الحديث ، تعريب : رمسيس يونان ، سلسلة عالم الفكر المعاصر ، ب ت .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|