موجد هذا الكون أما أن يكون : واجباً أو مستحيلاً أو ممكناً. لأن كل أمر لابد أن يتصف بواحد من الأمور الثلاثة السابقة ولا رابع لها، لأنها أقسام الحكم العقلي.
فلا يجوز أن يكون موجد العالم مستحيلاً ، لأن المستحيل لا يتصور وجوده مطلقاً فهو عدم محض ، فلا يمكن أن يوجد غيره إذ أن (فاقد الشيء لا يعطيه) فكيف يكون المستحيل مصدراً للوجود ؟
كما لا يجوز أن يكون موجد للعالم ممكناً، لان الممكن لا يوجد إلا إذا وجد سبب وجوده ، وهذا السبب إن كان ممكناً فعندئذ يحتاج إلى سبب آخر ... الخ وهكذا. وهذا يلزم منه الدور أو التسلسل وكلاهما باطل.
ولما ثبت إن موجد العالم ليس بمستحيل ولا بممكن وجب أن يكون موجد العالم واجب الوجود. فلا يحتاج وجوده إلى سبب بل هو علة العلل وسبب وجود العالم.
معنى الدور ودليل بطلانه
الدور : هو أن يكون شيئان كل منهما علة للآخر. كقولك: زيد أوجد عمرو، وعمرو أوجد زيد ، فكل من زيد وعمرو يتوقف وجود أحدهما على الآخر وهو الدور الباطل.
وسبب بطلان الدور:
لأنـّه يستلزم أن يكون كل واحد منهما سابقاً صاحبه ، متأخراً عنه في وقت واحد وهذا يعني استلزام تقدم الشيء على نفسه وهو تناقض.
معنى التسلسل ودليل بطلانه
التسلسل : هو أن يستند الممكن في وجوده إلى علة مؤثرة فيه ، وتستند تلك العلة المؤثرة إلى علة أخرى مؤثرة فيها وهلم جرا إلى ما لانهاية ، فالتسلسل يعني أن المخلوقات متوالدة عن بعضها إلى ما لانهاية بحيث يكون كل واحد منها معلولاً لما قبله وعلة لما بعده ، دون أن تنبع هذه السلسلة من علة واجبة الوجود.
وسبب بطلان التسلسل:
أنه يؤدي إلى وجود آلهة لا نهاية لها كل منها متصف بالحدوث والافتقار والعجز وهو باطل لأنه منافِ لمقام الألوهية من القدرة والغنى المطلق إذ العاجز الفقير لا يصح إن يكون خالقاً للعالم البديع الإتقان.
الدليل الثالث: البرهان العلمي أو دليل العناية والاختراع
وهذا الدليل هو أجلى الأدلة على وجود الله تعالى وأوضحها وهو الذي ذكره ابن رشد في مناهج الأدلة باسم العناية والاختراع.
الأول : دليل العناية
وهذا يظهر في العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله ويبنى على أصلين :
أ- إن جميع الموجودات التي هاهنا موافقة بوجود الإنسان.
ب- إن هذه الموافقة(ضرورة) من قبل فاعل قاصد لذلك مريد إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق،
والموافقة تحصل باعتبار موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان وكذلك موافقة الزمان والمكان الذي هو فيه أيضا وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان أي كونها موافقة لحياته ووجوده.
ومن آيات القرآن الكريم التي بينت هذا الدليل:
قوله تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ?61? وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) الفرقان 61 .
و قوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ?6? وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ?7? وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ?8? وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ?9? وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ?10? وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ?11? وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ?12? وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ?13? وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ?14? لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ?15? وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) النبأ/ 6-16 .
الثاني : دليل الاختراع
فهو كاختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل. فنحن نشاهد كيف يخرج الله الحي من الميت ويخرج الميت من الحي كمثل الدجاجة التي تضع البيضة التي في ظاهرها جماد لا حياة فيها، ثم يخرج الله عز وجل من هذا الجماد كائن حي، وهكذا وهذا مثال واضح على كيفية اختراع الخالق عز وجل في الأشياء.
ومثله خلق الإنسان فالإنسان بكل ما فيه من إدراك وإحساس وعقل يخلق من ماء مهين لا قيمة له فيخترع الله فيه الحياة ويخرج منه بشراً سوياً.
و من آيات القرآن الكريم التي بينت هذا الدليل :
قوله تعالى(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ?5? خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ?6? يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)/ الطارق 5-6
و قوله تعالى(أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ?17? وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ?18? وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ?19? وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)/ الغاشية 16
وقد جمع الله عز وجل دليل العناية والاختراع بقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ?21? الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). البقرة/ 21-22.
فقوله (خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) تنبيه على دلالة الاختراع.
وقوله (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) تنبيه على دلاله العناية.
وهناك الكثير من الأدلة العلمية على اختراع الحياة ومنها:
إذ أن جميع الكواكب السيارة في مجموعتنا الشمسية تجري بفلك معين لا يحيد عن مداره فان حاد قليلاً اختل التوازن فارتطم الكوكب بالآخر وزالت الحياة .
لو كانت قشرة الأرض أسمك بعشرة أقدام لنفذ الأوكسجين وانعدمت الحياة ، ولو كانت البحار أعمق بضعة أقدام مما هي عليه ألان لانجذب الأوكسجين وثاني أوكسيد الكاربون فاستحالت الحياة.
وصدق من قال:
فيا عجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحدهُ الجاحدُ
وفي كـــل شيء لـــه آيــــة تـدل عـلى أنـّـه واحــدُ
والعلم لم يدعُ في يوم ما إلى الكفر والإلحاد، لأنه يتبع المنهج السليم في الوصول إلى حقائق الوجود ومظاهرها ، ولم يقل في يوم إن هذا النظام الذي يجري عليه العالم قد نشأ صدفة و فوضى . والعالم الذي حلل في المختبر ، أو عاش مع المنظار والمرصد ، أو تعامل مع الأعداد ... لا يعترف إلا بالنظام ، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، ويقطع متيقناً بان قوانين الطبيعة كالجاذبية، والكهرباء، واللاسلكي.... وغيرها من ملايين الصور، ما هي إلا آثار تدل على المؤثر وهو الله سبحانه وتعالى .. وقد أكد العلماء هذا الجانب بشكل جلي.
ثم إن كثيرا ممن اتهم بالإلحاد، لم يكن ملحداً حقاً بنظر العلم، وإنما هو ملحد بنظر الكنيسة التي كانت تحكم على من يخالفها بالإلحاد، فتولستوي مثلاً كان ملحداً في نظر الكنيسة، ولكنه مؤمن عميق الإيمان بالله تعالى ، كما هو واضح في كتابه ( اعترافات تولستوي).
ومن ذلك نستخلص أن الإلحاد الذي ساد الحضارة الغربية بعد النهضة الصناعية لم يكن نتيجة بحث علمي دقيق ، وإنما كان لأمور منها:-
1. موقف الكنيسة التعسفي من العلماء وعدم تشجيعها الفكر الحر، إذ حكمت على المخالفين منهم بالكفر والزندقة ، ونفذت بكل همجية حكم الإحراق والتمثيل والقتل بالعشرات منهم ، وأحرقت كتبهم ، وهددت بالقتل كل من وجدت بحوزته.
وفي كتاب (قصة النزاع بين الدين والفلسفة) للدكتور توفيق الطويل قوائم بأسماء العلماء الذين اعدموا بهمجية تفوق الخيال ، حتى استقر في ذهن بعض العلماء إن الدعوة إلى الإلحاد أمر ضروري ، لإنقاذ العلماء من تلك الوحشية.
والحق إن الحاد هؤلاء لم يكن مبدأً، وإنما كان موقفاً اتخذوه أمام الكنيسة، حتى إذا زال ذلك الكابوس تراجعوا إلى القول بالإيمان ، بدليل إن عدد المؤمنين بالله من العلماء الآن بتزايد يوماً بعد آخر.
2. موقف الكنيسة الظالم من الكادحين والأرقاء والمظلومين، وكونها بجانب الملوك والمستبدين من الإقطاعيين ، وكون الباباوات هم أصحاب السلطة الحقيقية وأصحاب المال وأصحاب صكوك الغفران....
هذا الموقف دفع الكثير من المفكرين إلى الدعوة إلى نبذ الكنيسة ، والى الإلحاد لإنقاذ المغلوب على أمرهم ، مما يعانون به من شفاء وعنت.
3. تغلغل اليهودية العالمية عن طريق الماسونية ، التي كانت تتبنى الإلحاد لهدم
مقاومة المجتمع المسيحي والسيطرة عليه، وهذا الاتجاه الماسوني الملحد ظهر واضحاً في جماعة (الانسكلوبيديا) وأتباعهم وتلاميذهم ، وقد قامت الثورة الفرنسية على أكتاف هؤلاء.
4. الإلحاد في كل زمان ومكان طريق للإباحية والتملص من المثل العالية ، لذلك كان ملاذ أصحاب الشهوات والمنحرفين عن الخلق الرفيع.
ومجمل القول:
فالإلحاد لم يكن موقفاً أصلا للعلم وإنما أحدثته ظروف خاصة، أما المنهج العلمي فهو منطلق الإيمان بالله عز وجل ومعرفته وتقديره حق قدره.