الفرق بين النبي و الرسول
اختلف العلماء في القول بوجود فرق بين النبي و الرسول فذهب جمهور العلماء الى انه يوجد فرق بين النبي والرسول ، فكل رسول نبي وليس كل نبي يكون رسولاً .
وقالت المعتزلة لا فرق بين النبي والرسول ، فكل نبي رسول ، و كل رسول نبي .
قال القرطبي – رحمه الله - : ( ان قوماً يرون ان الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين ، وغيرهم يذهب الى انه لا يجوز أن يقال نبي حتى يكون مرسلاً ) .
وأحتج المعتزلة على صحة قولهم بوجوه :
أحدها: قوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .
فأوجب للنبي (r ) الرسالة . فالنبي مرسل كالرسول .
ثانيها: قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ) .
ثالثها: ان الله تعالى خاطب سيدنا محمداً مرة بالنبي ومرة بالرسول فدل على انه لا منافاة بين الأمرين .
رابعها : انه تعالى نص على ان سيدنا محمداً خاتم النبيين .
خامسها : ان اشتقاق لفظ النبي إما من النبي ، او من قولهم نبأ إذا ارتفع ، والمعنيان لا يحصلان الا بقبول الرسالة .
ولكن هذا الكلام فيه نظر ، و يجاب عليه من القرآن الكريم والسنة النبوية الغراء وأقوال أهل العلم في ذلك .
فمن القرآن الكريم قوله – عز وجل – في كتابه الكريم ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ ? فعطف الله سبحانه وتعالى النبي على الرسول ، وفي ذلك استدلال بالتفريق بين النبي و الرسول ، لان العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه مع اشتراك المعطوف و المعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما .وإدخال حرف لا بين الواو والعطف و المعطوف عليه صريح بالتفريق بين الرسول و النبي كقوله تعالى:) مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) وقوله: ( مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير ٍ) وقوله تعالى : ) مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ) وقوله تعالى : ( فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) . وآيات أخرى غيرها .
وقد قال الزمخشري – رحمه الله – في قوله تعالى ( مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ) : دليل بين على تغاير الرسول و النبي .
وقال الإمام الرازي – رحمه الله – في تفسير هذه الآية : ( هذه الآية دالة عليه [ يعني التفريق بين النبي و الرسول ] لأنه عطف النبي على الرسول وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص ) .
وقال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) ، ( فهذه الآية نصت على انه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى و الأحرى لان مقام الرسالة أخص من مقام النبوة ، فإن كل رسول نبي و لا عكس ) .
أما في السنة النبوية فما رواه البخاري و أبو داوود و النسائي في السنن الكبرى و ابن خزيمة عن البراء بن عازب ، قال : قال لي رسول الله – r – ( إذا اتيت مضجعك فتوضأ وضوء للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك و ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك لا ملجأ و لا منجا منك الا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت و نبيك الذي أرسلت ، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة و اجعلهن آخر ما تتكلم به ) قال : فرددتها على النبي – r – فلما بلغت أمنت بكتابك الذي أنزلت ، قلت ورسولك ، فقال : ( لا و نبيك الذي ارسلت ) .
وهذا يدل على أن كل نبي رسول ، وليس كل رسول نبياً ، فان النبي و الرسول اشتركا في أمر عام هو النبأ و افترقا في الرسالة فإذا قلت فلان رسول تضمن أنه نبي رسول ، و إذا قلت فلان نبي لم يستلزم أنه رسول فأراد (r ) أن يجمع بينهما باللفظ لاجتماعهما فيه حتى يفهم من كل واحد منهما منه حيث النطق ما وضع له و ليخرج عما يكون شبه التكرار من غير فائدة .
وقال الإمام القرطبي – رحمه الله – في قوله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ )، ( الرسول و النبي اسمان لمعنيين فان الرسول أخص من النبي ، و قدم الرسول اهتماماً بمعنى الرسالة ، و الا فمعنى النبوة هو المتقدم ، ولذلك رد رسول الله (r) . البراء حين قال (( و برسولك الذي ارسلت )) فقال له r (( و بنبيك الذي أرسلت )) و أيضا في قوله ( وبرسولك الذي ارسلت ، تكرار الرسالة ، وهو معنى و احد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه . بخلاف قوله و نبيك الذي أرسلت فإنها لا تكرار فيها .
وعلى هذا كل نبي رسول و ليس كل رسول نبياً لأن النبي و الرسول اشتركا في أمر عام هو النبأ و افترقا في أمر خاص و هو الرسالة ، فإذا قلنا سيدنا محمد (r ) رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول من الله و كذلك غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم .
و يستدل على ذلك من السنة النبوية بحديث آخر رواه أبو ذر عن النبي (r ) أنه سئل عن الأنبياء ، فقال (( مائة ألف و أربعمائة وعشرون ألفا )) فقيل كم الرسل منهم ، فقال (( ثلاثمائة و ثلاثة عشر جماً غفيراً))
وهذا دليل صريح في التفريق بين النبي و الرسول .
أقوال العلماء في التفريق بين النبي و الرسول
يفرق أهل العلم بين النبي و الرسول – وشذ من لم يفرق – و يعتمدون في هذا على نصوص من القرآن الكريم و حديثي أبي ذر و أبي أمامة . ولكنهم اختلفوا في وجوه التفريق على أربعة أقوال : -
القول الأول: ان النبي من أوصى إليه و لم يؤمر بالإبلاغ ، و الرسول من أوحي إليه وأمر بالبلاغ .
فإن لفظ والرسالة مختلفان في أصل الوضع فأن النبوة من النبأ وهو الخبر ، فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفاً ، و إن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول و إلا فهو نبي غير رسول ، و على هذا فكل رسول نبي بلا عكس ، فإن النبي و الرسول اشتركا في أمر عام هو النبأ و افترقا في الرسالة .
وقد جاء في تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ما نصه (و ما أرسلنا من قبلك ) يا محمد ( من رسول ) مرسل و لا ( نبي ) محدث ليس بمرسل .
وقال ابن جرير الطبري ، رحمه الله في تفسير هذه الآية (( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ........... الآية )) ( فتأويل الكلام و لم يرسل يا محمد من قبلك من رسول الى أمة من الأمم و لا نبي محدث ليس بمرسل الا إذا تمنى..) وقال ابن كثير في سورة المدثر بعد ما قرر ان أول من نزل من القرآن سورة (اقرأ ) قال ( وقوله تعالى (( قم فأنذر)) أي شمر عن ساق العزم و أنذر الناس و بهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة ) .
وهذا كلام فيه نظر ، و يجاب عليه من عدة وجوه :
الأول : إن الله نص على انه أرسل الأنبياء كما نص على أرسال الرسل (( و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي )) فإذا كان الفارق بينهما الأمر بالبلاغ فان الإرسال يقتضي من النبي البلاغ .
الثاني : إن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى ، و الله لا ينزل و حيه ليكتم و يدفن في صدر و احد من الناس ، ثم يموت هذا العلم بموته .
الثالث: إن عوام بني إسرائيل أخذ عليهم الميثاق فكيف الأنبياء ؟ قال تعالى (( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم)) .
الرابع: ومن الأدلة على ذلك ما روي عن النبي (r ) أنه قال ( عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي و معه الرجل و النبي معه الرجلان و النبي معه الرهط و النبي ليس معه أحد ) و هذا النبي معه الرهط من أتباعه فكيف يتبعوه لولا البلاغ ؟
القول الثاني : إن الرسول من بعث لقوم مخالفين و النبي من أرسل لقوم موافقين.
واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ) فذكر إرسالاً يعم النوعين و قد خص أحدهما بأنه رسول فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره الله بتبليغ رسالته إلى من خالف شرع الله كنوح – u– و قد ثبت عن النبي (r ) ، ( ... نوح أول رسول بعثه الله تعالى ...) متفق عليه .
وقد كان قبله أنبياء كشيت وإدريس عليهما السلام و قبلهما آدم كان نبياً ، قال ابن عباس y ( كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق) .
فأولئك الأنبياء كان يأتيهم و حي من الله بما يفعلونه و يأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول . وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة .
وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة كما حدث في قصة سيدنا داود و سليمان - عليهما السلام - التي ذكرت في القرآن الكريم (( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم و كنا لحكمهم شاهدين 0 ففهمناها سليمان و كلا آتينا حكماً و علما )) .
قال أهل التفسير ان رجلين كانا على عهد داود و سليمان أحدهما صاحب حرث و الآخر صاحب غنم ، فتفلتت الغنم فوقعت بالحرث فاختصما إلى داود u، فقال لصاحب الحرث : لك رقاب الغنم فقال سليمان عليه السلام:(أو غير ذلك ؟ ) قال ( ما هو؟ ) قال : ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها و يقبل أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم . دفع هؤلاء الى هؤلاء غنمهم ، و دفع هؤلاء الى هؤلاء كرمهم . فقال داود u: ( قد أصبت القضاء ) ، ثم حكم بذلك .
ويفهم من هذه القصة أن سيدنا سليمان أوحي إليه في قصة معينة مع انه وسيدنا داود كانا يحكمان بالتوراة و كذلك أنبياء بني إسرائيل قال تعالى : ) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.....) .
فكان هؤلاء الأنبياء مثل العالم الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهم سليمان حكم القضية التي حكم بها داود لهذا قال النبي (r ) (( العلماء ورثة الأنبياء )) .
وليس من شرط الرسول – في ضوء هذا رأي – أن يأتي بشريعة جديدة فإن سيدنا يوسف كان رسولاً و كان على ملة إبراهيم ، وداود و سليمان كانا رسولين و كانا على شريعة التوراة .
القول الثالث : الرسول من أوحي إليه بشرع جديد و أمر بالتبليغ و النبي من بعث مجدداً لشرع من قبله من الرسل .
والذي ذهب إلى هذا القول يرى أن الرسول من جمع الى المعجزة كتاباً أنزل عليه شرع ناسخ لمن قبله ، أما النبي فهو الذي يدعو بشريعة الرسول الذي قبله .
قال النسفي – رحمه الله – ( والفرق بين النبي و الرسول ان الرسول من جمع الى المعجزة الكتاب المنزل والنبي من لم ينزل عليه كتاب و إنما أن يدعو إلى شريعة من قبله ، وقيل الرسول واضع شرع و النبي حافظ شرع غيره ) .
وقال الشنقيطي – رحمه الله – في قوله تعالى : ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ( :( يدل على أن كلا منهما مرسل ، و إنهما مع ذلك بينهما تغاير و استظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب و شرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته ، وان النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو من لم ينزل عليه كتاب و إنما أوحي إليه الى شريعة رسول قبله كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون و يؤمرون بالعمل بالتوراة ، كما في قوله تعالى ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) .
القول الرابع : الرسول من بعث بواسطة جبريل – u– و النبي من بعث مناماً
والذي ذهب إلى ذلك يرى ان الرسول هو الذي يأتيه جبريل u بالوحي عياناً و شفاهاً . و النبي هو الذي تكون نبوته إلهاما .
قال الواحدي ( الرسول هو الذي يأتيه جبريل – عيه السلام – بالوحي عياناً و النبي الذي تكون نبوته إلهاما و مناماً ) .
وقد ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين منهم الثعالبي والبغوي والقرطبي (رحمهم الله ) .