انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الثورة الدينية (حركة الإصلاح الديني)

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 2
أستاذ المادة ستار علك عبد الكاظم الطفيلي       27/01/2013 06:42:10
الثورة الدينية (حركة الإصلاح الديني)
ان التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية سببها عدم ملائمة المؤسسات القديمة لمواجهة المقتضيات الحاضرة، فيسود الظلم والطغيان وتنتشر الفوضى والاضطرابات ، وتسوء الأحوال، والثورة لا تحدث دون استفزاز فتنفجر براكينها للانتقام من الماضي وإيجاد حل للمشاكل التي يعاني منها المجتمع ، لقد كان عصر الثورة الدينية والإصلاح الديني عصر تغير واسع شمل المشاكل المعاصرة ، ضمن إطار الثورة الدينية.
وكانت الثورة الدينية نتيجة لعوامل كثيرة بالإضافة إلى العامل الديني ، كالوعي القومي وطموح العوائل المالكة ومنازعاتهم والحركة الفكرية والإنسانية والاستكشافات الجغرافية والتقدم الاقتصادي وظهور الطبقة الوسطى والرأسمالية الحديثة وعوامل أخرى كثيرة سببت تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وزعزعت المجتمع الأوروبي مدة أكثر من قرن ونصف، لقد شعر الناس بوجود مساوئ كثيرة في الكنيسة من فساد القس وفرض الضرائب الكثيرة على الناس باسم الدين وعدم تطور التعاليم الدينية بحسب تقدم المجتمع الأوروبي، الأمر الذي جعل الناس يشعرون بوجوب تغيير في نظام الكنيسة وكانت الانتقادات موجهة ضد الكنيسة كمؤسسة دينية وليست ضد بعض رجال الدين فالفاسدين، ولم يكن الإنسانيون ورجال الفكر وحدهم ينتقدون الكنيسة ، بل ان فئات مختلفة في المجتمع طلبت الإصلاح ، وفضائح الكنيسة كوّنت جزءا صغيراً من مطاليب الناس ، فكانت سلطات البابا واسعة جدا يستخدمها أحياناً دون تقدير شعور الناس في أوروبا، وكان الإنسانيون يعتقدون ان الكنيسة لا تساير التقدم الفكري ، كما ان البورجوازيين شعروا بان رجال الدين يتدخلون كثيراً في شؤونهم الاقتصادية والعلمية والقضايا الأخرى، التي تخص هذه الدنيا وليست من شؤون الكنيسة، كما ان الملوك والأمراء والنبلاء كنوا يحسدون البابوات ورجال الدين في ممارستهم صلاحيات واسعة وجمعهم الأموال الطائلة باسم ضريبة القديس بطرس وضريبة التوبة ، الزواج والهبات وغيرها من الأجور التي كانت تتكدس في خزائن الكنيسة، وباختصار كان الناس عامة يجدون ان كنيسة عالمية ذات سلطات واسعة جدا لا تتناسب مع عالم أوروبي تتجه نجو تكوين حكومات قومية موحدة ذات سيادة وميالة إلى تعدد الأديان والمذاهب.
ظهور المصلحين
1- ثورة مارتن لوثر
وعندما دخلت أوروبا القرن السادس عشر، وهو منهل العصور الحديثة ظهرت الدعوة إلى الإصلاح بشكل عنيف، فقد ظهر في ألمانيا مارتن لوثر الذي ثار على كنيسة روما في العصور الحديثة، وهو أبرز من حمل راية العصيان بوجه البابا، ولد مارتن لوثر في مقاطعة سكسونيا الألمانية سنة 1483 ودرس الحقوق لكنه لم يكمل دراسته الجامعية فانتظم إلى سلك الرهبنة سنة 1505، وتفرغ في دير القديس اغسطنيوس مدة ثلاثة سنوات للزهد والعبادة والتأمل ثم حصل على شهادة الدكتوراه في علم اللاهوت ثم على كرسي الأستاذية في جامعة قتنبرغ حيث درس الفلسفة واللاهوت وكانت فلسفة لوثر في الإصلاح تقوم على ان الإيمان يأتي في المقام الأول، وهو قبل الإعمال باعتباره طريق الإنسان الوحيد للخلاص، أما الأعمال فلا جدوى منها فالحج والاحتفالات الدينية وإيقاد الشموع وعبادة المخلفات الدينية هي في رأي لوثر عقبـات في طريق الخلاص، فالغفران هو الثواب بالإيمان.
لم تشعر الكنيسة بخطر هذه الأفكار إلا حين تصدى لوثر سنة 1517 لراهب أرسلته البابوية إلى ألمانيا لبيع صكوك الغفران حيث كانت بحاجة إلى الأموال لصرفها في إصلاح كنيسة القديس بطرس، ان بيع صكوك الغفران لم يكن مقبولا من قبل حكام ألمانيا ومثقفيها الذين كانوا يرون في بيع هذه الصكوك ضياعا للثروة القومية الألمانية لصالح روما والايطاليين في وقت تحتاج فيه ألمانيا لهذا المال لمعالجة مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية الكثيرة، أما مارتن لوثر فقد كان ينظر للموضوع من زاوية عقائدية صرفة ، كان يعتقد ان الغفران لا يأتي إلا عن طريق الإيمان برحمة الله، وليس من حق الكنيسة ورجال الدين ان يمنحونه للناس لأنه هبة من الله للتأبين وقد استغل لوثر فرصة اجتماع الناس في كنيسة قتنبرغ سنة 1517 وعلق على باب الكنيسة إعلانا يتألف من 95 بندا ضمنه آراءه وموقفه في قضية صكوك الغفران وقضايا أخرى كثيرة، فكان ذلك بداية للثورة اللوثرية التي انتشرت بسرعة بين الناس والتي قادت إلى تأسيس الكنيسة البروتستانتية المستقلة عن الكنيسة الكاثوليكية على أساس إقامة الكنائس الوطنية ولعل أخطرها ما طرحه لوثر مناداته انه ليس من حق البابا احتكار نفيس الكتاب المقدس لأن كل إنسان عاقل ومدرك باستطاعته بل ومن حقه تفسيره وفق مداركه ومنهجه.
أصدر الباب ليو العاشر يندد بأفكار لوثر يهدده بالحرمان ، إلا أن لوثر رد على ذلك بحرق المنشور البابوي علنا يوم عيد الميلاد سنة 1520 مما أدى إلى صدور قرار بابوي بالحرمان، لكن أفكار لوثر انتشرت وكثر أتباعه ولم ينفع قرار المجمع الديني سنة 1521 بإعدامه، فقد هرب لوثر بمساعدة صديقه وظل مختبئاً لمدة سنة ومع هذا اعتنق العديد أفكار لوثر وتجاوب الناس معها فظهرت إلى الوجود الكنيسة البروتستانتية.
2- جـون كـلفن
ولد سنة 1509 في فرنسا ودرس علم اللاهوت في جامعة باريس، وأطلع على آراء المصلحين أمثال مارتن لوثر، وغادر فرنسا بسبب اضطهاد الملك فرانسوا الأول للبروتستانت ، فاستقر في سويسرا سنة 1536 وهناك أصدر كتابه المشهور ((تنظيمات الدين المسيحي)) وقد استطاع بمساعدة الذين وفدوا إليه من مختلف بلدان أوروبا ان يقين في جنيف حكومة دينية بقي يرأسها حتى وفاته سنة 1564 ، وكان قد أسس في جنيف سنة 1558 الجامعة لتكون مركزاً لتخريج الدعاة والقسس البروتستانت ، أبرز كلفن في كتابه المذكور أعلاه مفاهيم جديدة لحركة الإصلاح الديني ، وعموماً فانه التقى واختلف مع لوثر في العديد من الأمور فقد أيد لوثر في اعتبار الكتاب المقدس المرجع الوحيد لقضايا العقيدة والإيمان من دون البابا ووافقه في ضرورة السماح لرجال الدين بالزواج وفي رفض تقديس العذراء والقديسين وفي ان الغفران يكون بالإيمان الصحيح قبل العمال وفي هذا المجال أي موضوع الغفران تطرق كلفن أكثر من لوثر فقدر إلى ان الغفران هو هبة الله يقدرها لعباده منذ الأزل بغض النظر عن أعمالهم وفضائلهم فالثواب والعقاب هي أمور مقدرة على الإنسان منذ الأزل، لقد شاء الله حسب رأي كلفن ان يصيب بالخلاص بعض البشر وان تحل اللعنة بالبعض الآخر منهم وهو بهذا وأشبه ما يكون (بالجبرية) في الإسلام أما المؤمنون العابدون الزاهدون في ترف العيش فقد ميزهم كلفن على إنهم الصفوة التي اختارها الله منذ الأزل وأراد لها الخلاص، أما عن اختلاف كلفن مع لوثر فقد كان في موضوع خضوع الكنيسة للدولة : فهو يرى ان تخضع الدولة وجميع سلطاتها لتلك القلة التقية الورعة العاملة في سبيل المسيحية حيث يمكن في ضوء ذلك إقامة المجتمع الديني الذي يتصف أهله بحسن الخلق وصفات القديسين وتكون واجبات الملوك فيه خدمة الدين والعمل وفقا لما انزل الله في الكتاب المقدس، وقد أراد كلفن من حكومته التي أقامها في جنيف تطبيقاً عملياً لمبادئه ، لكن نظامه في جنيف لم يستمر طويلاً بسبب المعارضة القوية التي قامت ضده نتيجة لصرامة الحكم وقسوة الكنيسة في تعاملها مع الذين لم يتفقوا مع الكلفنية في آرائها فاضطر كلفن إلى مغادرة جنيف سنة 1548 لكنه عاد إليها مرة ثانية بعد ان طالبه المواطنون فيها بالعودة لتدهور الأحوال فيها أثر خروجه منها، وقد بقي حاكما ومبشراً فيها حتى وفاته في سنة 1564.
لقيت دعوة كلفن في فرنسا استجابة كبيرة ، ففي النصف الثاني من القرن الخامس عشر التحق حوالي 1/5 عامة الفرنسيين يركب الكالفينية وارتفعت هذه النسبة إلى النصف عند الطبقة الوسطى والأمراء فانتقلت الحركة الكلفنية من مرحلة السرية في فرنسا إلى العلنية وأقامت أول مجمع لكنيستها في باريس سنة 1559.
3- اولريخ زونجلي
في سويسرا نفسها ظهر مصلح آخر هو (اولريخ زونجلي) الذي بدأ دعوته في مدينة زيورخ بعد ان تثقف على أفكار المصلحين المعارضين أمثال (ارازم) وقرأ في الدراسات الأفريقية والرومانية القديمة وقد بدأ ببث أفكاره من خلال وعظه في كنيسة زيوريخ الكبرى ، فأصبح له أتباع كثيرون وتوسعت هيمنته مما أدى إلى انقسام المقاطعات السويسرية بين بروتستانت والكاثوليك فكانت حصة زويخلي ست مقاطعات سويسرية وبعض المدن في جنوب ألمانيا.
كان زونجلي شديد التأثر بالكتاب المقدس وركز على القضايا الوطنية والقومية فدعا الناس إلى عدم الالتحاق بالجيوش الأجنبية مؤكدا على ضرورة خدمة سويسرا قبل كل شيء وان لا يخضعوا بعد الآن لسلطة روما التي كانت السبب في نكباتهم وهاجم نظام الرهبنة وحرم استعمال اللغة اللاتينية في الصلاة.
وقف زونجلي ضد بيع صكوك الغفران وقد تجلى ذلك بشكل عملي عندما وفد على زيوريخ أحد الرهبان المبعوثين من البابا لبيع تلك الصكوك سنة 1519 إلا ان هذا لا يعني أن زونجلي كان متفقاً تماماً مع لوثر الذي وقف هو الآخر ضد بيع صكوك الغفران، فبينما اعتبر لوثر السلطة السياسي سواء الأمير أو الحاكم رئيساً أعلى للكنيسة والمهيمن على شؤونها نجد ان زونجلي يرفض ذلك ويدعو إلى تحويل الكنيسة إلى مؤسسة قائمة بذاتها تديرها هيئة منتخبة.
نـتائج الثـورة الديـنية
1- انقسام الكنيسة المسيحية:
انقسمت الكنيسة المسيحية نتيجة للثورة الدينية إلى ثلاثة أقسام رئيسية بدلا من قسمين:
أ-الأرثوذكسية : كانت الكنيسة الأرثوذكسية تشمل شبه جزيرة البلقان وروسيا، وكانت استانبول عاصمة الكنيسة الأرثوذكسية وقد اختلفت الكنيسة الأرثوذوكسية عن الكاثوليكية في عدم اعتراف الأولى البابا كرئيس أعلى للكنيسة المسيحية، ولم تعترف الكاثوليكية بتبعية الكنيسة للدولة كما في الحال مع الكنيسة الأرثوذكسية، ولم تتأثر الكنيسة الأرثوذكسية بالثورة البروتستانتية واعترفت بالأسرار السبعة والتنظيم الكنسي والوصية المسيح والثالوث المقدس (الأب الابن وروح القدس) وغيرها من الأمور التي اعترفت بها الكلثلكة.
ب- الكاثوليك: أما الكنيسة الكاثوليكية فقد ظلت كما كانت في السابق إلا ان مجمع ترنت أحدث بعض التغيرات وظلت الكاثوليكية سائدة في ايطاليا وفرنسا واسبانيا والبرتغال وبولندة والنمسا وجنوب ألمانيا ومنطقة الراين وبلجيكا وأيرلندة وأمريكا اللاتينية والفلبين.
ج- البروتستانت : انتشرت البروتستانتية في ألمانيا الوسطى والشمالية والدانمرك والسويد والنرويج وفنلندا وبريطانيا وشمالي ايرلندة وأمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة الأمريكية) واستونيا وليتوانيا، وقد اختلفت البروتستانتية عن الكلثلكة والأرثوذكس في عدم اعترافها بالأسرار السبعة ما عدا التعميد والتناول، على ان يكون التعميد للراشدين فقط والتناول للعشاء الرباني الأخير، وليس كما يعتقد الكاثوليك ان الخمر والنبيذ يتحول إلى لحم ودم المسيح بإشارة من القس.
2- التعـصب الديني وعدم التسـامح:
ومن نتائج الثورة الدينية التعصب الديني وتطبيق سياسة عدم التسامح، ولم يكن التعصب الديني شيئاً جديداً في القرن السادس عشر قياسة التعصب وعدم التسامح قديم بقدم الإنسان، وهناك أمثلة تاريخية كثيرة تثبت ذلك، فالتعصب كان موجوداً بين القبائل والأقوام والشعوب والفرق الدينية، وإذا خصصنا بالذكر التعصب الديني نجد ان الأقلية الدينية مضطهدة دائماً من قبل الأكثرية ، كما هي الحال عند انتشار المسيحية في روما، ولما أصبحت المسيحية دين الدولة في أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية، وأصبحت دين الأكثرية انعكست الآية وأخذت تضطهد الأقلية الوثنية فالتعصب إذا تابع للكثرة العددية والقوة التي تمارسها.
3- تأثير الثورة على القيم الخلقية ومكافحة السحر وتأخر التعليم:
من بين تأثيرات الثورة الدينية هو التأكيد على القيم الخلقية فقد أراد كل من الكاثوليك والبروتستانت ان يبرهنوا عن طريق تصرفاتهم ان دينهم يقودهم إلى مستوى خلقي أعلى من الطرف الآخر في الوقت الذي كان يتهم كل جانب الجانب الثاني بالانحلال الخلقي والتفسخ ، فكان البروتستانت يتهمون الكاثوليك بأنهم احتكروا الكذب لأنفسهم ، بينما الكاثوليك اتهموا البروتستانت بالفساد بالأمور المالية.
4- تأثير الثورة على الفن وخاصة الفن المعماري:
فالكاثوليك انشئوا الكاتدرائيات والكنائس الفخمة مستخدمين في بنائها أشهر الفنانين المعماريين لأجب القيام بالاحتفالات الدينية وخاصة القداس.
5- كان من نتائج الثورة الدينية أيضاً القضاء على السحرة:
لم تكن مكافحة السحر شيئاً جديداً في القرن السادس عشر فالبابا وان كانوا ضد السحر والتعاويذ وكانت الكنيسة الكاثوليكية تبحث عن السحرة في كل مكان وتعاقبهم، لكن بمرور الزمن أخذت البلدان الكاثوليكية تخفف عقاب السحرة والغي العقاب فينا بعد، بينما استمرت البروتستانت في معاقبتهم.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .