ثانيا : الاصول التاريخية للتربية .
لقد مر الفكر التربوي بمراحل عديدة وازمنة وعصور مديدة تطور من خلالها واكتسب المعنى الاصلي له هو وغيره من العلوم والمعارف الاخرى التي بدورها تنشأ وتتطور وتكتسب الحقائق والدقة وتبتعد عن الاخطاء والغموض ، فكلما جاء جيل عالج المفهوم الذي كان عليه الجيل السابق مع الاجتهاد في تحسينه وتطويره وهنا سنسترسل في ذكر المراحل التي تطور فيها الفكر التربوي وكما يأتي :-
1 – التربية في المجتمعات البدائية :
امتازت التربية في المجتمعات البدائية ببساطتها وبدائية وسائلها وقلة مطالبها – التي لا تعدو اشباع حاجات الجسم من طعام وشراب وكساء ومأوى – كما اتسمت بالتقليد والمحاكاة وكان جوهرها التدريب الآلي والتدريجي والمرحلي ، اذ كان الناشئ يقلد عادات مجتمعه وطراز حياته تقليدا عبوديا خالصا ونظرا لان المتطلبات الحياتية لم تكن معقدة وكثيرة فلم تكن هناك مؤسسة او مدرسة تقوم بنقل التراث وكان يقوم بالعملية التربوية او التدريبية وعملية تكيف الافراد مع البيئة الوالدان او العائلة او احد الاقارب وفي اواخر المرحلة البدائية كان يقوم بها الكاهن او شيخ القبيلة ، ومن هنا نجد ان التربية البدائية تنقسم الى نوعين هما :-
- التربية العملية ( المرئية ) :- وهي تقوم على تنمية قدرة الانسان الجسدية اللازمة لسد الحاجات الاساسية مثل المأكل والملبس والمأوى وكان يقوم بها الابوان والاسرة.
- التربية النظرية ( غير المرئية ) :- وهي التي كان يقوم بها الكاهن او شيخ القبيلة من خلال اقامة الحفلات والطقوس الملائمة لعقيدة الجماعة المحلية .
اما اهم خصائص التربية في المجتمعات البدائية فهي :-
1 – تربية عشوائية .
2 – اهدافها واضحة للجميع .
3 – بسيطة الى ابعد الحدود .
4 – يغلبها الطابع العملي .
5 – تربية جامدة وشكلية . وهي ان يكون ابناء المجتمع في قالب واحد .
• التربية في العصور القديمة :
بتطور الحياة وتعقدها اصبح من الصعب على الوالدين او العائلة القيام بعملية التربية ، ومن هنا نشأت مهنة جديدة هي مهنة المربين او الاطار الذي يرضى عنه المجتمع ، وكانت العملية التربوية تتم في الساحات العامة او اماكن العبادة الى ان تطورت الامور ونشأت المدارس النظامية ، ومع هذا التحول والتطور ظهرت الكتابة وبدأت الحضارات تسجل نظمها وقوانينها وشرائعها ومن هنا وصلت الينا بعض المعلومات عن تلك الحضارات القديمة واساليبها التربوية وطرقها في نقل التراث وتطبيع الافراد بطابع الجماعة .
2 – التربية في حضارة وادي الرافدين :
تمتد جذور المعرفة والتعليم في حضارة وادي الرافدين الى فجر التاريخ اذ بدأ التدوين لاول مرة في تاريخ البشرية في منتصف الالف الرابع قبل الميلاد ، ولعب العراق دورا بارزا في نقل مشعل الحضارة الى خارج رقعته الجغرافية عبر المراكز الحضارية في سومر واكد التي ظلت ثقافتها مزدهرة على مدى ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة ، وقد دل مسح النصوص التي يمكن ارجاعها للألف الثالث قبل الميلاد الى وجود مدارس رسمية في وادي الرافدين في فترة تسبق ظهور الازمنة البابلية القديمة . كما ظهرت في عصر حمورابي مدارس لنسخ الكتب وتعليم الناشئة . ولقد اسست اول مدرسة في العالم في بلاد ما بين النهرين وغدا التعليم نظاميا في بلاد سومر بعد ان ازدادت المدارس زيادة ملحوظة .
وفي اوائل القرن العشرين تم اكتشاف عدد من الالواح المدرسية كانت مادتها تتحدث عن الادارة والاقتصاد ، كما تظهر الالواح ان اعداد من مارسوا الكتابة كانوا بالآلاف . وقد مدتنا الاكتشافات الآثارية بما يتعلق بالمدرسة في بابل القديمة ، اذ بينت ان فيها غرفا تحتل وسطها مصطبات واطئة من الحجر تسع الواحدة منها لاثنين وثلاثة واربعة طلاب ، وكانت تنشر مجموعة من الالواح لممارسة الكتابة .
وقد عرف العراقيون القدماء علوم الجغرافيا والرياضيات والحيوان والنبات واللاهوت والتعدين وعلم اللغة فضلا عن الآداب .
وكانت رواتب المدرسين تدفع من اجور الطلاب ، وان التعليم كان مقتصرا على الاغنياء وعدد قليل من الفقراء ، وقد كان للمرأة نصيب من التعليم اذ دلت الاكتشافات ان الكثير من النساء في العصور البابلية كن متعلمات .
اما نظام التعليم فقد كان صعبا اذ كان على الطالب ان يواظب على دروسه يوميا من الشروق وحتى المغيب ، وسنين الدراسة كانت طويلة فالطالب كان عليه ان يلازم المدرسة منذ صباه الى ان يصبح شابا ، وكان مدير المدرسة يدعى ((أب المدرسة )) وكان يلقب بالاستاذ احتراما له وكان ينظر اليه بعين الاجلال والوقار ، اما المعلم فكان يتمتع بمركز اجتماعي مرموق فهو اعلى من الكاهن والضابط والوالي ويلقب بالعلا ّمة او الاستاذ ، اما التلاميذ فكانوا يسمون انفسهم (( ابناء المدرسة )) وكانوا يتمتعون ايضا بمكانة محترمة في المجتمع .
اما فيما يخص المكتبات فقد كانت منتشرة في كل المدن الاقليمية تقريبا وعلى مسافة منتظمة لكل مكتبة وكانت توجد مدرسة للنسخ ملحقة بها وقد تم العثور على اكبر مجموعة من الالواح والتي كانت تتمثل بالمكتبة الخاصة بآشور بانيبال في نينوى اذ عثر على ( 25.. ) لوحة سليمة ومحكمة في مجموعته .