رابعاً ـ اشكال الدفاع الأولية // ـ
يواجه الانسان خلال حياته العديد من المواقف او الظروف التي تثير فيه حالات القلق والتوتر الناتج عن عدم اشباع حاجاته ، أو ادراكه لوجود خطر حاصل او متوقع مما يدفع به الى محاولة تخفيفه او ازالته ان امكن وكثيراً مايتوصل الفرد الى حالة الاتزان والتوافق بازالة ذلك التوتر الا ان بعض حالات التوتر قد تستمر ولا يستطيع الفرد مواجهتها على مستوى الشعور لشدتها او قسوتها مما يؤدي به الى محاولات تكيف لاشعورية وهي ما نطلق عليها ( اشكال الدفاع ) أو ( آليات الدفاع ) والتي تعرف بأنها (( مجموعة من اشكال السلوك التي يلجأ اليها الفرد في سعيه وراء اشباع حاجة وجد ما يعيقها ، او مواجهة خطر متوقع )) .
ومن ابرز ما تتسم به هذه الآليات هو الآتي : ـ
1 ـ انها انكار او تحريف للواقع .
2 ـ انها تعمل بطريقة لاشعورية وهذا يعني ان للأفراد صوراً محرفة وغير حقيقية لأنفسهم ولبيئتهم على المستوى الشعوري .
وظائفها / ـ
يجمع علماء النفس على ان وظيفة الآليات الدفاعية هي الدفاع عن الشخصية ، فهي عند علماء التحليل النفسي (( القوة الكابتة )) التي تستخدمها الآن لتسد على الدفاعات المكبوتة الطريق حتى لاتظهر في مجال الشعور وتسبب الكدر والألم للفرد ، وهي عند علماء النفس السلوكيين اساليب سلوكية اكتسبها الفرد حسب قواعد التعلم لتجنيبه المشاعر الأليمة والمريرة المرتبطة بمواقف الصراع أو الاحباط او المواقف المثيرة للقلق عموماً ، وتثبت هذه الأساليب عند الفرد وتصبح جزءاً من نظامه السلوكي اذا نجحت في تجنيبه المشاعر الأليمة او التخفيف منها ، اما عند علماء نفس التراث ـ وهم اساس التوجه الذاتي الانساني في ميدان علم النفس ـ فالآليات الدفاعية من شأنها حماية الذات من أية اخطار ، او اية تهديدات داخلية او خارجية .
انواع ((اشكال الدفاع الأولية )) / ـ
تقسم اشكال الدفاع النفسي الى : ـ
1 ـ حيل الدفاع السوية : ـ
وهي غير عنيفة وتساعد الفرد في حل ازمته النفسية وتحقيق توافقه النفسي ، مثل الإعلاء والتعويض والتقمص والابدال .
2 ـ حيل الدفاع غير السوية : ـ
وهي عنيفة ويلجأ اليها الفرد عندما تخفق حيله الدفاعية السوية فيظهر سلوكه مرضياً ، مثل الإسقاط والنكوص والعدوان والتحويل والتفكيك والسلبية ، وفيما يأتي أنواع ( اشكال الدفاع النفسي ) : ـ
* ـ الاعلاء ( التسامي ) : ـ يقصد بالاعلاء تعبير الفرد عن دوافعه التي يرفضها المجتمع ولا يقبل بالطرق التي يتبعها في اشباعها وبخاصة فيما يتعلق بدافعي الجنس والعدوان ، ففي طريق الاعلاء يحصل تصريف للطاقة الجنسية وانقاص من حدة التوتر على الرغم من انه لايكون تصريفاً كاملاً ولا إنقاصاً تاماً ، فمثلاً إعلاء اشباع الدافع الجنسي بكتابة الشعر الغرامي ، واعلاء اشباع دافع العدوان الى رياضة مثل الملاكمة ، ومن الشائع في مجال الاعلاء لجوء بعض الوالدين الى تهيئة انشطة تساعد الابناء على ذلك ، كالرسم والخياطة وقراءة القصص ذات الأهداف الموجهة .
* ـ التعويض : ـ
ويقصد به محاولة الفرد النجاح في حقل من حقول النشاط بعد ان فشل في حقل آخر سواء أكان هذا الحقل مختلفاً عنه أو مرتبطاً به فعلى سبيل المثال التلميذ الذي يفشل في تحقيق المستوى العلمي الذي يطمح فيه وقد يعوض عن فشله بالنشاط الرياضي المتميز الذي يحقق عن طريق ذاته لينال احترام الآخرين .
* ـ التقمص أو التوحد : ـ
هوعملية لاشعورية يتم فيها امتصاص الشخص لصفات شخص آخر يعجبه فيتصرف على وفقها سواء كانت تلك الصفاة حسنة اوسيئة ، فالطالبة في المراحل الأولى من الدراسة تتقمص شخصية معلمتها بحيث ينسحب ذلك على اسلوب حديثها وطريقة وتعاملها مع الآخرين وربما هواياتها .
ان التقمص في المراحل الأولى من حياة الانسان يساعد الفرد في النمو ويحصل عن طريقه النمو اللغوي والخلقي والاجتماعي ، والتقمص يبدو لبعض الافراد كأنه تقليد ، والحقيقة ان الصغار في أي مجتمع يقلدون الكبار في اللباس واسلوب العيش . وهذا التقليد لايعد تقمصاً لأنه قد لايصدر عن الحب والاعجاب الذي يوقع بالفرد بأن يسلك وكأنه هوالشخص الذي تقمصه ، مهما كانت دوافعه وهمية او خيالية فيرضى على مايرضيه ويحزن لما يحزنه ويقبل مايقبلة ويرفض مايرفضه وانما يصدر عن سلوك محدود ينحصر في جانب محدود ، فقد يقلد الطفل اباه في طريقة الجلوس او في اسلوب الحديث او في طريقة الاكل ، في حين نجد الطالب الذي يتقمص شخصية مدرسه يعمل وكأنه هو في كل مايتعلق بجوانب تصرفه ، فالممثل الناجح كلما تقمص الشخصية بشكل جيد كان دوره اكثر نجاحاً .
* ـ الاسقاط : ـ
وهو ان ينسب الفرد مافي نفسه من عيوب وصفات غير مرغوبة الى غيره من الناس ويلسقها بهم ، ويعد فرويد أول من تنبه الى ظاهرة الاسقاط وحدة اللفظية التي تصفها وقد ربط حالة الاسقاط بالقلق الناتج عن احساس الذات بالعجز عن السيطرة عن مثيرات الجنس وقد وصفه بأنه احد العمليات الدفاعية اللاشعورية التي يعمد الفرد من خلالها بوصف الآخرين بعيوبه واحاسيسه المكبوتة التي لايعترف بها ولايرغب اطلاقاً باقرارها ، ان حالة الاسقاط كما في قولهم ( الاناء ينضح مافيه ) والاسقاط شائع عند جميع الناس صغارهم وكبارهم بدرجات كبيرة ، فالطلبة ينسبون الرسوب في الامتحان الى صعوبة المادة ، والتأخر في الحضور الى ازدحام المواصلات ورداءة الجو ، وسوء سلوك الطفل الى وراثته لا الى سوء تربيته ، وفشلنا في اعمالنا ومشاريعنا الى سوء الحظ والى فساد الزمن . ويختلف الاسقاط عن التبرير في ان التبرير اعتذاراً بينما الاسقاط هجوم واعتداء ، والغرض منه مزدوج فيه يختلف من مشاعرنا ودوافعنا البغيضة ونعمل عن رؤية انفسنا كما هي في الواقع لذا كان بمثابة حيلة دفاعية خداعية كما انه يجعلنا في حالة نقد الناس واتهامهم ولومهم قبل ان يلومونا .
* ـ النكوص : ـ
هو عملية هو حيلة دفاعية لاشعورية يلجأ اليها الفرد عندما يواجه موقفاً صعباً يهدده بالفشل وعدم القدرة على المقاومة الشعورية الصحيحة . و هو العودة الى الردة او الرجوع التقهقر الى مستوى غير ناضج من السلوك والتوافق حين تعترض الفرد مشكلة او موقف محبط ، فمثلاً شيخ يسلك سلوك مراهق بعد ان كان أقلع عنه ، وراشد يبكي عندما تقابله مشكلة .
* ـ التبرير : ـ
هو تفسير السلوك ( الفاسد أو الخاطئ ) باسباب منطقية معقولة واعذار مقبولة ، والفرد عندما يسلك ذلك يستهدف بالدرجة الأولى اقناع نفسه أولاً ومن ثم الآخرين .
فالإنسان مهما يكن من الكمال والنضج والشجاعة ، فأنه يخاف ان تظهر عيوبه وجوانب نقصه للآخرين ويجهد نفسه شعورياً ان يكون سلوكه خالياً من الدوافع التي لاتليق به ولايرضاها لنفسه ، وعندما لايستطيع تحقيق ذلك يعمد لاشعورياً الى التبرير الذي لايهدف الى تعديل سلوكه فعلاً ولكنه يهدف الى اقناع نفسه بأن سلوكه معقول وان دوافعه مقبولة وفي هذه الصيغة يكون التبرير مختلفاً عن الكذب ، لأن الكذب عملية تزييف الحقائق بصورة شعورية والهدف الأساسي منها مخادعة الآخرين ممن يعنيهم الحال في حين يكون التبرير وكما وضحنا عملية لاشعورية موجهة الى اقناع الفرد لذاته لأن سلوكه على وفاق مع قيمه ومعيير اخلاقه التي يدّعيها ، والتبرير حيل دفاعية لاشعورية تهدف جعل استجابات الأفراد لمواقف منطقية ومعقولة ، فمثلاً الطالب الجامعي الذي يفشل في تحصيله في فرع من فروع الدراسات يبرر فشله بأن مستقبله غير مضمون عن طريقها ، وتبرير عدم الزواج من فتاة جميلة مرغوبة رفضت اتمام الزواج بأنها سيئة السلوك ...
* ـ الكبت : ـ
هو ابعاد الدوافع والافكار المؤلمة او المخزية او المؤدية الى القلق من حيز الشعور الى حيز اللاشعور حتى تنسى . وهو وسيلة توقي ادراك الدوافع التي يفضل الفرد انكارها وكأنه يهذّب ذاته خشية الشعور بالألم والندم وعذاب الضمير وإلام الذات ، وتبدأ عملية الكبت منذ الطفولة عندما يواجه الطفل حالات الصراع بين رغباته وحاجاته التي يرغب في اشباعها والقيود التي يضعها الوالدان في طريق الاشباع لهذا فإنه يلجأ الى الكبت كوسيلة تتجنب عقاب الوالدين وتبرير الألم المترتب عن الفشل في اشباع الحاجات وبالتالي فإن الكبت يساعد في تنظيم سلوك الطفل وجعله اكثر قابلية لتحقيق التوافق الاجتماعي ، الا ان استمرار تعرض الطفل لأوامر النهي من الوالدين قد يؤدي الى ان يصبح الكبت بمثابة ـ عادة ـ ان صح التعبير بمعنى انه سيصبح استجابة ذاتية حتى لما يعد مقبولاً في المجتمع مما يؤثر سلباً في سلوك التكوين النفسي في شخصية الطفل .
والكبت يختلف عن القمع في ان القمع يتضمن كبح وضبط النفس شعورياً في ضوء المعايير الاجتماعية خشية الخزي والعار ، ومن الامثلة على ذلك الخبرة المكبوتة والحقد المكبوت ...
* ـ الإبدال : ـ
هو اتخاذ بديل لإشباع دافع غير مشبع او حاجة محبطة او تحقيق هدف او سلوك غير مقبول اجتماعياً ، ويكون البديل عادةً مشابهاً الى حد كبير للداف غير المشبع او الحاجة المحبطة او الهدف او السلوك غير المقبول اجتماعيا ً ومثال ذلك : ـ ابدال السلوك العدواني الموجه الى احد الوالدين او احد الاخوة الى لعبة وتحطيمها .
* ـ احلام اليقضة : ـ
وهي وسيلة لا شعورية تستهدف التخلص من حالة التوتر والقلق المترتب عن الرغبات التى لايمكن تحقيقها في عالم الواقع فيجد الفرد متنفساً لها في الأحلام ، بحلم الفقير بالغني وحلم التلميذ الفاشل بالتفوق ، وكثيراً مايعيش الطفل وكذلك المراهق مثل هذه الأحلام ، ولكن الاسراف في الاستسلام لها يعد دليلاً على المعانات من احباطات او ازمات شديدة وعندئذ تصبح هذه الاحلام منذر بالخطر لأنها تعزله عن الحياة الواقعية بتحدياتها وانشطتها وآلامها وآمالها وأهدافها التي هي مصدر نحو الشخصية وارتقائها .