لقد كان بالإمكان ان يتم اشباع كل الحاجات التربوية والتعليمية عن طريق المشافهة ، وعن طريق مجموعة من العمليات البيئية المختلفة التي يقوم بها علماء الدين وكبار السن واهل الحرف واهل الخبرة في المجتمع لتعليم الافراد كيفية تأدية أدوارهم الاجتماعية والاقتصادية المختلفة . تلك صورة لمجتمع الامس ، مجتمع بلا مدارس .
لكن هذا الامر تغير مع تغير الزمن وتطور العلم وتعقد الحياة ، فلم تعد الوسائل التقليدية السابقة قادرة على ملاحقة التطور العلمي ، ولم يعد معلموا الامس قادرين على تعليم المحتاجين للمعرفة ، لانهم في الاصل يعلمون ما يعرفون ، وما يعرفونه في الغالب قليل . ومن ثم اصبح الافراد بحاجة الى وسائل اخرى تحقق لهم اهدافهم من التعليم ، وتحقق لمجتمعهم ما يطمح اليه من المعرفة والخبرة . وبالتالي تحول المجتمع من حالة اللامدرسية الى مجتمع المدارس ، بحيث اضطلعت المدارس بالمهمة بشكل منظم ومقصود وبوسائل ذات كفاءة عالية .
واليوم تنطلق الرؤى التربوية من جديد للعودة الى المجتمع اللامدرسي فهل يستطيع هذا المجتمع الحديث إذا خلا من المدارس ، أن يقدم مالم يستطع تقديمه المجتمع القديم ( مجتمع المدارس) ؟
لقد تلقت الدول النامية نظام التعليم الغربي ونقلته دون عناء أو تحوير ، اعتقادا منها بان ثمة ارتباط بين التقدم وانتشار المدارس في تلك الدول ، فانتشرت المدارس في الدول النامية حتى أصبحت سلعة اجتماعية اقتصادية جيدة ، وأصبحت آمال الناس متعلقة بالمدرسة وزاد الطلب على التعليم واهتمت الدول بالناحية الكمية في التعليم ، وتنافست في زيادة التعليم الأساسي ، وأصبح الهدف من التعليم هو الحصول على الشهادات بغض النظر عما تقدمه تلك الشهادات من فائدة أو جدوى اقتصادية ، وفي نفس الوقت زاد الإعراض عن الفرص التعليمية الأخرى - مالم تكن تعطي شهادات- بالرغم من جودتها.
هذا الاكتظاظ والطلب الغير مقنن وتزايد الإنفاق على هذا النوع وهذا النموذج من التعليم تزايدا فاق كل التوقعات حتى زادت كلفة التعليم في بعض الدول النامية الى 20% ، دفع الدول الى التفكير في مدى كون التعليم استثمار فاشل على عكس ما كان يتوقع .وما إذا كان هناك أساليب جديدة أقل كلفة وأكثر فائدة وتحقيقا للأهداف المرجوة من التعليم .ومن هنا بدأت إثارة قضية اللامدرسية .
واللامدرسية قضية لم تكن وليدة هذا العصر بل كان لها إرهاصات بدءا من القرن الثامن عشر على يد المفكر الشهير (جان جاك رسو ) الذي رأى ان التعليم الذي يقدم في المدارس يفسد الأطفال ، لانها لاتقدم الصورة الحقيقية لما يحدث في المجتمع من أمور سلبية وسيئة ،وأن الأفضل هو ان نتركهم يواجهون الواقع أو الطبيعة فهم بطبيعتهم الخيرة وهي بطبيعتها الجميلة سوف تنتج أطفالا أسوياء .
والاتجاه اللامدرسي يعني عدم الاعتماد على المؤسسات التعليمية النظامية للقيام بمهمة التربية والتعليم ، بل لابد ان تستثمر كافة القوى والمؤسسات في هذه المهمة .
كما تجدر الاشارة الى ان اللامدرسية كفكرة دعا اليها بعض المفكرين ، ليست صورة واحدة بل إن لها صورتان إحداهما المعتدلة - وهي ماتم تعريفه آنفا -، والاخرى المتطرفة ، وهي التي تنادي بإلغاء هذه المؤسسة النظامية ليكون المجتمع كله هو المدرسة الكبرى .