التربية المقصودة وغير المقصودة
( التربية المدرسية واللامدرسية )
هناك ما يعرف بالتربية المقصودة والتربية غير المقصودة.. فالتربية في المنزل أي التربية التي يقوم بها الوالدان لا تخضع لمعايير قصدية وقيود صارمة إلى حد ما حيث أن الطفل يتحرك في البيت بحرية شبه كاملة، وهذا النوع من التربية يسمى التربية غير المقصودة. أما في الحضانة أو المدرسة أو أي مؤسسة تعليمية، فإن حركة الطفل تتم وفق نظام معين تتحكم فيه قيود النظام من جهة والحالة الجماعية في المؤسسة من جهة أخرى، لذا فإن تربية المدرسة تسمى التربية المقصودة.
فالتربية المقصودة اذن هي الخبرات التي تقدمها المدرسة للمتعلمين.
الا ان هذا لا يعني أن ما يتعلمه الفرد خارج المدرسة أقل أهمية عما يتعلمه داخلها، ولكننا نقصد أن ما يتم خارجها يحدث تلقائياً بلا ضبط ولا توجيه ولا تنظيم ولا متابعة ولا قياس، كما أنه يحدث عن طريق عوامل غير متخصصة
فطرفا العملية التعليمية ليسا : الطفل والمدرسة، ولكنهما الطفل والمجتمع . وليست المدرسة بما فيها من معلمين وعاملين وأدوات وكتب إلا وسيلة توصيل بين الطفل والمجتمع. ومن ثم فمادة التعليم وقيمه وأساليبه كلها تُستمد من المجتمع وحاجاته .
لم تعد مسألة التربية وأثرها في السلوك المستقبلي للانسان، مسألة علمية، أو عملية غامضة، فهي من أوضح القضايا في منطق العلم. فالعناصر التربوية في الحياة المدرسية لها أكبر الاثر في تكوين الشخصية، وتشكيل هويتها.
فالطفل في عالمنا المعاصر يقضي الشطر الهام من حياته في أجواء المدرسة، فهو يبدأ حياته في أحضانها، ومنذ دور الحضانة ورياض الاطفال يتدرج في مراحل حياته بين المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة، فهو يقضي حياة الطفولة والمراهقة والشباب في نظام حياتي مخطط ومصمم وفق اُسس وأهداف ومنهج محدد.
لذا فهو ينشأ وينمو وتتكون شخصيته وفق فلسفة التربية والنظرية الحياتية التي تتبناها المدرسة، سواء المدارس التي تديرها الدولة، أو الافراد والمؤسسات، فهي تعمل على صياغة نمط الشخصية، ولون السلوك.
فالمدرسة التي تتبنى الفكر المادي من خلال منهجها، والاجواء التربوية فيها وطريقة الممارسات السلوكية المختلفة وتربي الفردية والاباحية ولاتعتني بقيم الاخلاق والايمان بالله، فإنها تنتج شخصية اباحية، تبحث على مستوى السلوك الفردي عن اللذة والمتعة، وتنساق وراء الشهوات والدوافع الغريزية الشاذة من غير ضوابط، وهي على الصعيد الاجتماعي والسياسي تنتج عقلية مادية رأسمالية.
لذا فإن الاصلاح والتغيير العام، يبدأ بشكل اساس من المدرسة في فلسفتها التربوية، ومناهجها وطرق الحياة فيها، وشخصية المعلم الممارس للتعليم.
فإن العناصر المدرسية ـ المنهج واسلوب الحياة والتعامل داخل المدرسة والمعلم ـ تساهم بمجموعها بتكوين وبناء الشخصية.
فالمدرسة تربي الطالب على ان يعيش مع عشرات، أو مئات من الطلبة، ويتعامل مع مختلف الشرائع والاذواق والطبائع، ويكتسب منهم.
كما تقوم المدرسة التي تبني الحياة التربوية فيها على اُسس فلسفة محددة بغربلة الاوضاع الاجتماعية، وانتخاب ما يوافق فلسفتها، ورفض ما لا ينسجم وأهدافها، لذا فهي نموذج مصغر لمجتمع ودولة.
وليس هذا فحسب، فالمدرسة تشكل بالنسبة الى الطالب، ومنذ يبدأ بالاحساس بفهم شخصيته، ونمو التفكير بالمستقبل الذي يأخذ بالسيطرة على تفكيره وطموحاته، تكون بالنسبة اليه هي الوسيلة الاساسية التي يحقق من خلالها أهدافه الحياتية، وطموحاته المستقبلية.
لقد كان بالإمكان ان يتم اشباع كل الحاجات التربوية والتعليمية عن طريق المشافهة ، وعن طريق مجموعة من العمليات البيئية المختلفة التي يقوم بها علماء الدين وكبار السن واهل الحرف واهل الخبرة في المجتمع لتعليم الافراد كيفية تأدية أدوارهم الاجتماعية والاقتصادية المختلفة . تلك صورة لمجتمع الامس ، مجتمع بلا مدارس .
لكن هذا الأمر تغير مع تغير الزمن وتطور العلم وتعقد الحياة ، فلم تعد الوسائل التقليدية السابقة قادرة على ملاحقة التطور العلمي ، ولم يعد معلموا الامس قادرين على تعليم المحتاجين للمعرفة ، لانهم في الاصل يعلمون ما يعرفون ، وما يعرفونه في الغالب قليل . ومن ثم اصبح الافراد بحاجة الى وسائل اخرى تحقق لهم اهدافهم من التعليم ، وتحقق لمجتمعهم ما يطمح اليه من المعرفة والخبرة . وبالتالي تحول المجتمع من حالة اللامدرسية الى مجتمع المدارس ، بحيث اضطلعت المدارس بالمهمة بشكل منظم ومقصود وبوسائل ذات كفاءة عالية .
واليوم تنطلق الرؤى التربوية من جديد للعودة الى المجتمع اللامدرسي فهل يستطيع هذا المجتمع الحديث إذا خلا من المدارس ، أن يقدم مالم يستطع تقديمه المجتمع القديم ( مجتمع المدارس) ؟
لقد تلقت الدول النامية نظام التعليم الغربي ونقلته دون عناء أو تحوير ، اعتقادا منها بان ثمة ارتباط بين التقدم وانتشار المدارس في تلك الدول ، فانتشرت المدارس في الدول النامية حتى أصبحت سلعة اجتماعية اقتصادية جيدة ، وأصبحت آمال الناس متعلقة بالمدرسة وزاد الطلب على التعليم واهتمت الدول بالناحية الكمية في التعليم ، وتنافست في زيادة التعليم الأساسي ، وأصبح الهدف من التعليم هو الحصول على الشهادات بغض النظر عما تقدمه تلك الشهادات من فائدة أو جدوى اقتصادية ، وفي نفس الوقت زاد الإعراض عن الفرص التعليمية الأخرى - مالم تكن تعطي شهادات- بالرغم من جودتها.
هذا الاكتظاظ والطلب الغير مقنن وتزايد الإنفاق على هذا النوع وهذا النموذج من التعليم تزايدا فاق كل التوقعات حتى زادت كلفة التعليم في بعض الدول النامية الى 20% ، دفع الدول الى التفكير في مدى كون التعليم استثمار فاشل على عكس ما كان يتوقع .وما إذا كان هناك أساليب جديدة أقل كلفة وأكثر فائدة وتحقيقا للأهداف المرجوة من التعليم .ومن هنا بدأت إثارة قضية اللامدرسية .