التوافق النفسي:
¬ان الانسان يحاول من خلال حياته ايجاد فرص لنفسه لكي يعيش بشكل متزن يضمن من خلاله ممارسة حياتة بلا مشاكل وهذا لا يحدث الا اذا كان الانسان متوافقا توافقا نفسيا ، ومعظم الممارسات الحياتية من سلوك فردي الى اجتماعي تحتاج الى التوازن لان هذا التوازن اساسي وضروري لانجاز الاعمال ، فمثلا علىالمستوى الجسمي لو حدث نقص في الغذاء اللازم لما استطاع الانسان التواصل في عمل ما لان طبيعة التوازن الجسمي مختلة وبالمقابل لو حدث افراط في الغذاء لدرجة الاسراف لتوقف نشاط الانسان ، وهذا منطبق على جميع حياة الانسان ، فالتوازن ضروري للنفس مثل ما هو ضروري للجسم ، والاسلام وجه الانسان الى اهمية التوازن من خلال كرهه للاسراف والتبذير والاكل حتى وصول الشبع التام المفرط والى اهمية التوازن بين كميات الاكل والشرب والتفس ، وعلى المستوى النفسي فان الله لا يكلف نفسا الا وسعها .من هنا جاءت اهمية دراسة التوافق النفسي الذي ينطلق منه الانسان الى ممارسة حياته الخاصة والعامة من دون مشاكل . فما هو التوافق النفسي ؟
هو العملية الدينامية المستمرة التي يقوم بها الفرد مستهدفا تغيير سلوكه ليحدث علاقة اكثر توافقا بينه وبين نفسه من جهة، وبينه وبين البيئة من جهة أخرى.وهو ايضا الانسجام مع البيئة ويشمل القدرة على اشباع اغلب حاجات الفرد ومواجهة معظم المتطلبات الجسمية والاجتماعية. وهو مفهوم خاص بالانسان في سعيه لتنظيم حياته وحل صراعاته ومواجهة مشكلاته من اشباع واحباطات وصولا الى ما يسمى بالصحة النفسية أو السواء أو الانسجام والتناغم مع الذات ومع الآخرين في الأسرة وفي العمل وفي التنظيمات التي ينخرط فيها ولذلك كان مفهوما انسانيا .
ابعاد التوافق النفسي:
ينطلق التوافق النفسي من بعدين اساسيين بعد ذاتي يتمثل في اتزان ذاتي نفسي ، وبعد اجتماعي يتمثل في توافق اجتماعي .
البعدالذاتي :
وهنا يجب ان يتبين الانسان مدى رضاه عن نفسه وحرصه على الوصول الى عيوبه لازالتها والاستفادة من قدراته وسمات شخصيته الايجابية لتدعيمها ، فكثيرا من الناس لا يحاول استيضاح جوانب ضعفه وجوانبه الايجابية وانما يسير وفق ما تسيره الظروف من حوله . ومن هنا لا بد ان يسئل الانسان نفسه اذا ما كان يشكو من امراض نفسية او جسمية تؤثر على توافقه ؟ وهل يعاني من الانعزالية ؟ وماهي ميوله ؟ وهل يتعامل بشكل مباشر مع ميوله ؟ ام انه بعيد في عمله وحياته عن ميوله التي يفضلها ؟ فقد تفرض عليه الحياة ممارسة اعمال لا يميل اليها وبالتالي يظل في عدم توافق نفسي . وعليه ان يسئل دوما عن حالته المزاجية ، فهل هو راضي تمام الرضا عند قيامة باعماله ام ان حالته المزاجية تبدو معكرة عند قيامه باعماله ؟ فعليه ان يتعلم كيف يحول من مزاجه السئ بايجاد اعمال يحبها وعليه ايضا ان يستحضر النواتج الايجابية من ممارسته لبعض اعماله المتعبه والممله . وعليه ان يسئل عن مستوى ثقته في نفسه لانها مصدرا مهما للتوافق النفسي فالاشخاص الغير واثقين دائما محطمين وفاشلين ويزيدهم فشلهم في تأكيد عدم ثقتهم بأنفسهم .ويجب على الانسان ان يجيب لنفسه عن هل هو شخص مسؤول ؟ والى أي مدى يتحمل المسؤولية تجاه اعماله الضرورية ؟ والى اي مدى يقوم باحترام هذه المسؤولية ويقدرها ويقوم بواجبها ؟ لانه بالقدر الذي هو يمارس مسؤوليته ينعكس التقدير الذاتي من داخل نفسه ومن احترام الآخرين . وعلى الانسان ان يعرف نفسه هل هو من النوع كثير الزلل بلسانه ؟ وغير قادر على ضبط انفعالاته ؟ وبالتالي فعليه ان يتعلم كيف يتحكم في كلامه مع الغير وحتى مع نفسه اثناء الحديث الذاتي .باستحضار عواقب الاستعجال ولزوم احترام النفس ومشاعر الآخرين
البعد الاجتماعي :
ويتمثل في العلاقة الظاهرة بينه وبين محيطه الاجتماعي الاسري وجماعة الاصدقاء والعمل وجماعة الحي اذ على الانسان ان يلاحظ سلوكه مع هؤلاء وهل هناك قواعد تسير تعامله مع الآخرين ؟ وهل هذه القواعد سليمة من حيث البناء والمصداقية ؟ وهل تحكمها الجوانب الشرعية والانسانية ؟ ام ان قواعده مبنية على هوى نفسي او عرقي او اقليمي ...الخ .وعليه ان يسئل نفسه عن مدى سماته القيادية؟ ما يتوافر منها وما لا يتوافر ؟ وعن مدى توافر المهارات الاجتماعية ؟ التي تبقيه في منئى من انتقاد الآخرين وهل يتعامل بمسؤولية وواقعية تجاه الآخرين . وابرز ما يجعل الانسان متوافق اجتماعيا هو ابراز محكات السلوك وهي المحكات الانسانية التي وثقها الشرع الحنيف والتي من خلالها نتعامل بشكل منضبط وغير متناقض مما يؤثر على البناء النفسي الداخلي الذي ينعكس على التوافق النفسي . فعليه ان يستحضر دوما القيم الاسلامية التي هي اساس للانضباط ومصدر للتوافق النفسي .
التوافق وعلاقته بالصحة النفسية :
لقد شغل موضوع التوافق النفسي والاجتماعي حيزاً كبيراً في الدراسات والبحوث لأهميته في حياة الناس. فالتوافق ليس مرادفا للصحة النفسية فحسب بل يرجعه الأكثر بأنه الصحة النفسية بعينها فهو الهدف الرئيسي لجميع فروع علم النفس بصورةٍ عامة ومن أهم أهداف العملية الارشادية والعلاج النفسي ويرتب في أوائل أهداف الارشاد النفسي حيث يتصف المتوافق نفسياً واجتماعياً بشخصية متكاملة قادرة على التنسيق بين حاجاته وسلوكه الهادف وتفاعله مع بيئته، الذي يتحمل عناء الحاضر من اجل المستقبل متصفا بتناسق سلوكه وعدم تناقضه ومنسجما مع معايير مجتمعه دون التخلي عن استقلاليته مع تمتعه بنمو سليم غير متطرف في انفعالاته ومساهم في مجتمعه . ويرى البعض أن الانسان اجتماعي بطبعة وان مشاكله في اغلبها ناتجة عن انفصاله عن مجتمعه .بينما يرى البعض ان ذلك لا يقوم على أساس منطقي ومعقول ففي بعض الأحيان قد تكون عدم القدرة على التوافق مع الآخرين ناشئة من إنحراف المجتمع وليس الفرد نفسه كما يظهر ذلك بشكل واضح في عدم توافق الأنبياء مع مجتمعاتهم التي بعثوا إليها ،فكل الأنبياء حاربهم أقوامهم وآذوهم بشتى ألوان الأذى. فهل يمكن أن نقول أن الأنبياء لا يتمتعون بصحة نفسية ! مع أنهم يتمتعون بأرقى أنواع التكامل النفسي والروحي ....الجواب هنا واضح أكيد أن الخلل في المجتمع .
إذن يمكن القول أنه ليس كل مورد لعدم التوافق يكون الفرد فيه هو الملوم والمريض نفسيا فأحيانا يكون المجتمع المسبب لأنحراف الفرد ومرضه , كأن تكون للمجتمع حكومة ظالمة تدفع الفرد إلى الجنوح والعدوان والأصابة بضعف الشخصية والنفاق وغير ذلك وقد يكون عدم التوافق ناشا أن ثقافة وأساليب التربية في ذلك المجتمع تكون بالية وخرافية إذن كيف يمكن أن نطلب من الفرد التوافق مع مثل هذا المحيط الغير صحي وتحقيق الأنسجام مع هكذا أجواء وظروف خاطئة ؟
وقد يكون توافق الفرد مع الآخرين ناشئا من موقع الضعف في الشخصية والحاجة إلى الحب والأحترام أو لمجرد كسب رضا الآخرين وعطفهم وأكيد أن مثل هذا السلوك لا يعكس لنا سلامة المحتوى الداخلي للأنسان,أي لا يكون صادرا من(الأنا الأجتماعية ) بل من (الأنا الذاتية ) وذلك من أجل كسب بعض العناوين أو للتخلص من أشكال الصراع النفسي .
إذن ما نوع التوافق المطلوب من الفرد تحقيقه أو الوصول إليه كي يكون علامة على تمتعه بالصحة النفسية ؟ الجواب : هو أن يكون سلوك الفرد في تفاعله الأجتماعي قائما على أحترامه للقيم الأخلاقية والمثل الأنسانية التي تربط أفراد النوع الواحد فيما بينهم فيتحرك الفرد في الوسط الأجتماعي من موقع إحترامه لنفسه وأعتقاده بالقيم الأجتماعية لا من موقع صراعاته النفسية وعقده فمثل هذا السلوك في عملية التوافق الأجتماعي هو المطلوب والذي يعد إحدى علامات الصحة النفسية .