شغلت مسألة وجود الله تعالى الفكر الإنساني قديماً وحديثاً ، فتمخض عن ذلك إيمان جمهور الناس بوجود الله سبحانه ، بعد إن حكموا عقولهم ، وجنبوها الهوى والشطط ، فنظروا في الكون ودقائقه وأسراره.
وأنكره فريق من بني الإنسان ، لذلك انبرى العلماء للمنكرين ، فردوا عليهم وجاءوا بأدلة وافية نقلية وعقلية صريحة كثيرة ، تثبت للعاقل المتمحص وجود الله تعالى، وإنه علة الكون.
وهذه الأدلة نذكر أهمها فيما يأتي :ـ
الدليل الأول: دليل(1) الحدوث
بني المتكلمون هذا الدليل على المقدمتين الآتيتين:
( المقدمة الأولى : العالم حادث(2
المقدمة الثانية : كل حادث لابد له من محدث.
النتيجة : العالم لابد له من محدث يحدثه . أي : يرجـّح وجوده على عدمه ، وهو الله سبحانه وتعالى.
ولكي تظهر لنا صحة هذه النتيجة علينا أن نقيم الدليل على صحة كل من المقدمتين السابقتين.
الدليل على إن العالم حادث
يمكن صياغة دليل حدوث العالم بالدليلين الآتيين .
أولهما: العالم متغير. و كل متغير حادث. فالعالم حادث .
ثانيهما: العالم متركب من جواهر وأعراض(3) . وكل من الجواهر والأعراض متغير.
فالعالم متغير.
والأعراض حادثة بدليل:
ـ مشاهدة تغيرها من وجود إلى عدم، ومن عدم إلى وجود ، ومن سكون إلى حركة، ومن حركة إلى سكون . والتغير علامة الحدوث.
ـ احتياجها إلى مخصص بوقت حدوثها ، دون ما قبله وما بعده ، فلا بد من مرجح لوقوعها في ذلك الوقت ، لان الترجيح من دون مرجح محال.
ـ افتقارها إلى جسم يقوم بها.
والجواهر حادثة أيضا ، وذلك:
لأنها ملازمة للأعراض لا تنفصل عنها. فهي لا تخلو عن الحركة والسكون والألوان ، والأعراض حادثة كما تقدم ، وملازم الحادث حادث.
فإذا ثبت أن الجواهر والأعراض حادثة ، لزم أن يكون العالم المكون منها حادثاً.
وبذلك تسلم لنا المقدمة الأولى وهي : (العلم حادث)
الدليل على أن كل حادث لا بد له من محدث:
هو: انه لو حدث حادث بلا محدث ، لزم أن يترجح وجوده على عدمه بلا مرجح ، وهو مستحيل بالبداهة.
ومعنى الرجحان بدون مرجح هو: أن يكون الشيء جارياً على نسق معين ، ثم يتغير عن نسقه ، ويتحول عنه بدون وجود أي متغير وهذا واضح البطلان ؛ فانك لو تركت كفتي ميزان متساويين ، لا ثقل في أحداهما وزعمت أن إحداهما قد ترجحت، دون مؤثر خارجي، كنفخة هواء أو حجر.... ولو زعمت للناس أن جهاز المذياع أوصل إليك أخبار العالم ، دون أن تدير صمامه لضحكوا منك وأشفقوا عليك. وبذلك تسلم لنا المقدمة الثانية وهي :(إن كل حادث لا بد له من محدث
وهناك أدلة علمية كثيرة دلت على حدوث هذا الكون وأنه لا يمكن أن يتصف بالأزلية منها :
* إن الحركة والسرعة هي السمة السائدة في هذا العالم فما من شيء فيه إلا وهو متحرك بنفسه أو بغيره من أصغر جزء فيه ( وهو الذرة ) إلا أكبر جزء فيه ( المجرة ) .
فالذرات تدور الألكترونات فيها حول النواة وبسرعة فائقة تصل إلى 100000 كم / ثا ، وهذه السرعة هي التي تحدد حالة المادة ؛ فكلما زادت سرعة الألكترون كلما كانت المادة أشد صلابة .
وتتباعدا المجرات بعضها عن بعض بسرعة هائلة فيتسع تبعا لذلك حجم الكون وتتولد فيه مجرات جديدة من الغازات الكونية بنفس الطريقة التى تكونت بها المجرات القديمة وهذا ما يطلق عليه العلماء نظرية تمدد الكون مصداقا لقوله تعالى : (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) .
ولكن لهذه السرعة حد أقصى وهو سرعة الضوء ( 300000 كم / ثا ) فلا يمكن للمادة تجاوزها ، فلو أمكن تسريع المادة بسرعة أكثر من سرعة الضوء فإن الكتلة فيها تتلاشى إلى أن تنعدم .
ثم إن هذه الحركة ناتجة عن قوة هي مصدرها وهي مغيرة ؛ فلذلك هي حادثة . وأن مادة الكون التي تدخل السرعة في في قوامها إيجادا وإعداما هي أيضا حادثة ولا يمكن أن توصف بالأزلية .
*إن أحدث النظريات في نشأة السماوات والأرض هي أنهما كانتا ملتصقتين في السديم الذي هو عبارة عن السحب الكونية ثم انفصلتا نتيجة انفجار هائل حدث داخل السديم كانت نتيجة هذا الانفجار مادة الكون بكل ما فيه من أجرام سماوية فضلا عن الزمان والمكان . وذلك وفق ما تقرر في الفيزياء النسبية أن المادة والطاقة ممكن أن تنقلب كل واحدة منهما إلى الأخرى . وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك فقال تعالى : (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) . وقد أطلق القرآن الكريم لفظة ( دخان ) تعبيرا عن السحب الكونية ( السديم ) في شاهد آخر قال الله تعالى في سورة فصلت آية - 11: (ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين) .
(1) الدليل : هو مجموعة معلومات مترابطة تثمر نتيجة . وهذه المعلومات هي مقومات الدليل . وقد اصطلح علماء المنطق على تسمية هذه المعلومات بالمقدمات ، والنتيجة بالمدعى .
(2)الحادث : كل شيء حدث وظهر بعد أن لم يكن ، لعلة أوجدته أي كان معدوما فوجد .
(3)الجواهر جمع جوهر ، و الجوهر : هو ما قام بنفسه . والأعراض جمع عرض ، والعرض : العرض : هو ما قام بغيره ، كالألوان و الحركة و السكون .فالحجر جوهر وعرض ، فمادته جوهر ، وألوانه أو حركته أو سكونه عرض .