انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الشعراء المعتدلون

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة محمد شاكر ناصر الربيعي       20/11/2018 19:29:37
الشعراء المعتدلون :
سلك الاتجاه الكلاسيكي في الشعر العربي الحديث اتجاهين رئيسين :
الاول : اتجاه يتخذ من الشعر العربي القديم مقياسا يحتذيه في الاغراض والاساليب والصور واللغة ويسمى بالاتجاه الكلاسيكي المحافظ ، ويمثل هذا الاتجاه محمود سامي البارودي .
الثاني : هو ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة ، وقد عني شعراء هذا الاتجاه بالوقوف على الاطلال والرسوم ، وعارضوا القصائد القديمة المشهورة ، وحافظوا على أوزان الشعر القديم ، ولكنهم بثوا في كل ذلك مشاعرهم ، ولونوا به عواطفهم ، وعبروا عما تجيش به خواطرهم ، وظهرت معها ملامح عصرهم وطبيعة بيئاتهم ، وذلك كله من خلال موضوعات جديدة ، اي انهم بثوا في الموضوعات القديمة مفاهيم جديدة في السياسة والاجتماع والعلم والاخلاق والتربية .
ومثل هذا الاتجاه كل من احمد شوقي وحافظ ابراهيم والرصافي .
ولعل لظروف الاتصال بين الشرق والغرب ، وتعميم الثقافة وتشعب أبعادها وما استجد معها من قيم حضارية وافكار سياسية ، ومثل اجتماعية ، أثره الواضح في تطور شعر هؤلاء شكلا ومضمونا .

أحمد شوقي : (1869-1932م)
نشأ أحمد شوقي في بيئة أرستقراطية مترفة لها صلة قوية بقصر خديوي مصر ، أُلحق في طفولته بالكُتَّاب ، وانتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية بالقاهرة ، ولما أتم تعليمه الثانوي سنة 1885 أُلحق بمدرسة الحقوق ، ثم تحول إلى قسم الترجمة بها ، وتعرَّف في المدرسة إلى أستاذه الشيخ محمد البسيوني ؛ فدفعه إلى شعر المديح . وأرسله الخديوي توفيق في بعثة إلى فرنسا لمتابعة دراسة الحقوق ، والتعمق في اللغة الفرنسية ، وشؤون الترجمة ، فأكمل دراسته في أربع سنوات ، وهيئت له فرص التجوال في فرنسا ، والتردد على مسارح باريس ، والوقوف على حياتها الأدبية .

فلما عاد إلى مصر عمل رئيساً لقسم الترجمة في ديوان الخديوي . وتوثقت صلته بالخديوي عباس الثاني الذي خلف والده توفيق ، وأصبح مستشاره ومحل ثقته وتقديره ، ووظف شعره للتعبير عن سياسة الخديوي، ويغتنم كل فرصة لمدحه ، وتسجيل مناسبات القصر ، وأعياده المختلفة. وكان هذا الدور كافياً ليكون بعيداً عن حياة الشعب .
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى ، خلع الإنجليز الخديوي عباس عن عرش مصر ، لميله إلى الدولة العثمانية ، وولوا بدلاً منه عمه السلطان حسين كامل . ونفوا– أيضا – أحمد شوقي إلى إسبانيا لولائه لعباس ، وتحمسه للخلافة العثمانية ، وظل بها طوال الحرب (مدة أربع سنوات 1915-1919) ؛ فكانت فرصة لأن يفرغ لنفسه ولشعره ، والتعبير عن ما قاساه في غربته ، وحنينه إلى بلده ، وتعميق مشاعره الوطنية والقومية ، واستلهام أمجاد المسلمين في الأندلس .
وحين وضعت الحرب أوزارها ، رجع شوقي إلى مصر ، إبّان ثورة 1919الوطنية ؛ وجد نفسه في خضم الصراع الجماهيري ضد القوى الأجنبية المسيطرة على ءس سىاتتظكمنتناقلالقلبرصر والمنطقة العربية ؛ فانحاز إلى الشعب ، وانطلق يتغنى بآماله ويعبر عن آلامه ، وشارك الأمة العربية ، وانفعل لأحداثها ، وانتفاضاتها الوطنية . كما خلص لفنه وجمهوره ؛ فذاع شعره ، واحتل مكانة مرموقة بين شعراء العربية . ولما أعاد طبع ديوانه سنة 1927 (1346هـ) أقيم له حفل تكريم عظيم ، وفيه بايعه الشعراء بإمارة الشعر ، وأعلن حافظ إبراهيم هذه المبايعة قائلاً :
أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

آثـــــاره الأدبية :
أ - الآثار الشعرية :
1- ديوان الشوقيات : " في أربعة أجزاء " .
وقد طبع ديوانه لأول مرة سنة 1898م ، وأعاد طبعه سنة 1927م ،
وبمناسبة إعادة طبعه أقيم له حفل تكريم عظيم ، تمجيداً بشاعريته ونبوغه .

2- الشوقيات المجهولة : وهي مجموعة شعرية ، جمعها ودرسها الدكتور محمد صبري ونشرها بعد وفاة الشاعر.

3- المسرحيات الشعرية : " وضعت بين 29-1932"
- المآسي : مصر كليوباترا – قمبيز – علي بك الكبير
عنترة – مجنون ليلى.
- الملهاة : الست هدى .
4- ديوان " دول العرب وعظماء الإسلام " وهي قصيدة طويلة ، نظمها في الأندلس .
ب - الآثار النثرية :
1- مسرحية : أميرة الأندلس .
2- له ثلاث روايات ، هي : عذراء الهند – لادياس – ورقة الآس .
3- كتاب (أسواق الذهب) : وهو عبارة عن مقالات اجتماعية في مختلف الموضوعات ، جمعت عام 1932.

شـعره :
تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة ، فقد حذق العربية والفرنسية ، وكان يعرف التركية . واحتكَّ بالحضارة الغربية في عقر دارها ، ونهل من ثقافتها . واستفاد من توجيه أستاذه الشيخ محمد البسيوني ، كما استفاد من كتاب (الوسيلة الأدبية) للشيخ حسين المرصفي ( ت 1889) ، وما اشتمل عليه من مختارات الشعر الجيد للقدماء ، ونماذج رائعة من شعر البارودي

وساهمت حركة إحياء التراث العربي والإسلامي في اطلاعه على عيون الشعر العربي ، وتمثل نماذجه الرائعة ، وتملك خصائصه ، وصقل موهبته الفنية ؛ فاكتسب قوة في النسج ، وجزالة في الأسلوب .
كما ساهمت صلته بالخديوي عباس الثاني في بناء شخصيته ، ووفرت له المكانة الاجتماعية المرموقة . وفتحت له آفاق النظم ، وارتياد مواضيع جديدة للقول ، منها : متابعة نشاطات الخديوي ، وتحسين مواقفه السياسية للرأي العام المصري ، والإشادة بإنجازات مصر الحضارية ؛ مثل فتح الجامعة ، وإنشاء بنك مصر ، والانفعال بأحداثها الجديدة ، فيهتم بالهلال الأحمر ، ويوجه العمال بمثل قوله مخاطباً لهم :
أيُّـها العمال أفنـوا الــــــعمر كـدَّاً واكتسابا
واعمـروا الأرض فلولا سـعيكم أمسـت يبـابا

ويشيد بدور الصحافة في نهضة البلاد ، قائلاً :
لكل زمـان مضى آية وآيـة هذا الزمـان الصـحف

وقد طرق شوقي بخوضه في هذه الموضوعات الجديدة ميداناً لم يطرقه الشعراء من قبل ، وألجأته لانتهاج أساليب مبتكرة في القول والوصف ، ملائمة لما ارتاده من المعاني .
هذا ، دون أن نغفل أثر المنفى في حياته وشعره ، فلا شك أنه عانى في الغربة ، وأمضَّه الحنين والشوق إلى مصر ، ولكنه ، في الوقت نفسه ، فتح له آفاقاً جديدة من المعاني ، ووجهه إلى التغني بالعروبة ، والاهتمام بتاريخ المسلمين عامة ، وفي الأندلس خاصة ، ويتطور فنه الشعري في الصياغة والمعاني .
أما أسلوب شوقي في الشعر ، فيقوم على احتذاء قوالب الشعر العربي القديم ومعارضتها ، وبعث الصياغة القديمة وإحيائها ، كما فعل البارودي ، فكون بذلك أسلوبه البياني الأصيل ، وهو أسلوب لا يتحرر من القديم ، ولكنه – في الوقت نفسه – يعبِّر عن الشاعر وعصره ، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والقوة ، مع سلاسة في التعبير ، وقوة في السبك ، والتمكن من الإيقاع الشعري ، بجانب قدرته العالية في التصوير ، وبراعته في الوصف . مع إحساس مرهف ، وعاطفة حساسة .
وينقسم شعره قسمين واضحين : قسم قبل منفاه ، وقسم بعده :
كان في القسم الأول على صلة وطيدة بالقصر ، وولاؤه مطلق للأسرة العلوية ؛ فهم الذين تعهدوه ورعوه ، وقدمـوا له العون المادي والمعنوي ، والجاه والمنصب ؛ فكان حقاً عليه أن يكون شاعر الخديوي عباس ، وأن يدور شعره في فلكه ، يهادن من يهادنه ، ويعادي من يعاديه ، فأصبح شعره مقصوراً ـ في غالبه ـ على ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فهو يمدحه في جميع المناسبات ، وهو يشيد بالترك والخلافة العثمانية ، إرضاءً له ، وتقرباً إليه .
وفي هذه الحقبة من حياته تطور في فنه صياغة وأسلوباً ، كما تأثر شعراء الغرب في شعرهم التاريخي ، فنظم قصائد كثيرة عن تاريخ مصر والبلاد العربية ، مثل قصيدته : (كبار الحوادث في وادي النيل) وقصيدة (أنس الوجود) .
وعلى الرغم من أنه ، في هذه المرحلة من حياته ، لم يكن يعني بالجمهور عناية مباشرة ، بل كان بعيداً عنه بحكم أسرته الأرستقراطية ، وبحكم وظيفته في القصر ، ومع ذلك لم يغفل الجمهور في شعره : من ذلك أنه طبع ديوانه للجمهور ، وكان ينشر شعره في الصحف ، ويراعي في مدائحه كل المناسبات التي تهم الجمهور ، ويمد آفاق شعره إلى اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين جميعاً ، ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية .
أما بعد النفي ، فإنه ظل في الأندلس شاعراً تقليدياً من بعض جوانبه ، فاهتم بمعارضة القصائد القديمة الرائعة ، ونظم على وزنها وقافيتها ؛ مدفوعاً ـ كما يقول أحد الباحثين ـ بشهوة ، هدفها الإبداع والتحدي ، ورغبة منه في الوقوف على قدم المساواة مع غيره من فحول الشعراء الأقدمين ، بل في التفوق عليهم وعلى معاصريه ؛ ليثبت أنه لا يقل قدراً وقدرة عن أولئك القدماء الذين احتفى بهم النقاد في القديم والحديث .
وبعد رجوعه من المنفى اتجه إلى الجمهور ، وصور عواطفه ، وأهواءه السياسية تصويراً قوياً باهراً . وقدم للأدب العربي في هذه المرحلة مسرحياته الشعرية ، فكان بذلك رائداً في هذا اللون من التأليف . كما كان رائداً في أدب الأطفال ، حين قدم كثيراً من الحكايات والقصص الشعرية التي تتناول الحيوان وغيره ، وخصَّ بها الأطفال ، والقطاعات الشعبية .
ولا شك أن أسلوبه تأثر كثيراً بهذه المرحلة الهامة من حياته ، فكتب للجمهور العربي هذه المسرحيات ، وفي ذهنه أنها ستعرض على قطاعات الشعب ، كما تأثر في كتاباته الشعرية للأطفال ، وفي أغانيه ، وفي أناشيده الوطنية .
عاطفته الدينية :
تشعر وأنت تقرأ شعر شوقي بقوة أثر الدين فيه وعمق إحساسه به ، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تلميحات دينية مختلفة ، وإشارات واضحة لقيم الإسلام وفضائله .
وشعره الإسلامي يفيض بالحب الصادق ، والعاطفة الجياشة ، ويهتم فيها بإظهار صفات القدوة والمثل بنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - ، ويذكر شمائله البينات كما يفصل الحديث في كثير من قصائده عن جوانب رسالة الإسلام العملية التي تفيد الناس في دنياهم ، إلى جانب تحفيز الهمم ، وبث الثقة في نفوس المسلمين ، وتقوية عزائمهم ، وتذكيرهم برسالة الدعوة ، والجهاد في سبيلها
وذكر شوقي ضيف أن أحمد شوقي كان يراعي الرأي العام في قصائده ، وينتهز فرصة المناسبات العامة التي تهمهم ، وكان يعتصر في بعض مدائحه اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين في جميع الأقطار … ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية . وذهب باحث آخر إلى أن طبيعة المناسبة كانت تتحكم في شوقي ؛ " فهو كشاعر أرستقراطي لابد له أن يتفاعل مع طبقته هذه ، وأن ينظم شعراً يعكس اهتمامات هذه الطبقة الاجتماعية ؛ فينظم غزلاً . ولا يجد ضرراً في نظم القصائد الدينية ، وفي طليعتها المولد النبوي ، ومدح الرسول ، والحضِّ على التمسك بالأخلاق الحميدة ؛ لأن المناسبة تدعوه إلى هذا التوجه ".
وقصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه واله - ، خمس ، هي :
1- نهج البردة : ومطلعها :
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمِي في الأشهُرِ الحُرُم

وقد عارض بها بردة البوصيري التي مطلعها :
أمِنْ تذكُّرِ جِيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزجتَ دمعاً جرى من مُقلَةٍ بِدَمِ

2- القصيدة الثانية : ذكرى المولد ، ومطلعها :
سَلُوا قلبِي غَدَاة سَلا وتَابَا
لَعَلَّ على الجمالِ له عِتابا

وهي معارضة لقصيدة ابن حمديس الصقلي ، التي يقول فيها متذمراً من الزمان ، وغدر أهله :
إلى كم تسمع الزمن العتابا
تخاطبه ولا يدري جوابا

3- القصيدة الثالثة : مدح فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثنى بأخلاقه وجهاده ومكانته ومعجزاته ، ومطلعها :
كِلا جَفنَيكَ يَعلَمُه
بهِ سِحرٌ يُتَيِّمُه

4- القصيدة الرابعة : قصيدة " دول العرب وعظماء الإسلام " وعدد أبياتها (1726 بيتاً ، منها (153) بيتاً في السيرة النبوية .

5- القصيدة الخامسة : " الهمزية " ، وهي معارضة ضمنية لقصيدة البوصيري التي مطلعها :
كيف تَرقَى رُقِيَّكَ الأنبياء يا سَماءً ما طاولَتْها سَماءُ
قصيدة سلو قلب
سلو قلبي غداة سلا وتابا *** لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما *** تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
تسرب في الدموع فقلت:ولى *** وصفق في الضلوع فقلت: ثابا
ولو خلقت قلوب من حديد *** لما حملت كما حمل العذابا
وأحباب سقيت بهم سلافا *** وكان الوصل من قصر حبابا
ونادمنا الشباب على بساط *** من اللذات مختلف شرابا
وكل بساط عيش سوف يطوى *** وإن طال الزمان به وطابا
كأن القلب بعدهم غريب *** إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي *** كمن فقد الأحبة والصحابا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى *** تبدل كل آونة إهابا
وأن الرقط أيقظ هاجعات *** وأترع في ظلال السلم نابا
ومن عجب تشيب عاشقيها *** وتفنيهم وما برحت كعابا
فمن يغتر بالدنيا فإني *** لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبي *** ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا *** وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما *** ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا *** صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حر *** يقلد قومه المنن الرغابا
ولم أر مثل جمع المال داء *** ولا مثل البخيل به مصابا
فلا تقتلك شهوته وزنها *** كما تزن الطعام أو الشرابا
وخذ لبنيك والأيام ذخرا *** وأعط الله حصته احتسابا
فلو طالعت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتيابا
وأن البر خير في حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
وأن الشر يصدع فاعليه *** ولم أر خيرا بالشر آبا
فرفقا بالبنين إذا الليالي *** على الأعقاب أوقعت العقابا
ولم يتقلدوا شكر اليتامى *** ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
عجبت لمعشر صلوا وصاموا *** عواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صما *** إذا داعي الزكاة بهم أهابا
لقد كتموا نصيب الله منه *** كأن الله لم يحص النصابا
ومن يعدل بحب الله شيئا *** كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء برا *** وبالأيتام حبا وارتبابا
فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعا وفخرا *** ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلم ما استطعت لعل جيلا *** سيأتي يحدث العجب العجابا
ولا ترهق شباب الحي يأسا *** فإن اليأس يخترم الشبابا
يريد الخالق الرزق اشتراكا *** وإن يك خص أقواما وحابى
فما حرم المجد جنى يديه *** ولا نسي الشقي ولا المصابا
ولولا البخل لم يهلك فريق *** على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوما وقبلي *** دعاة البر قد سئموا الخطابا
ولو أني خطبت على جماد *** فجرت به الينابيع العذابا
ألم تر للهواء جرى فأفضى *** إلى الأكواخ واخترق القبابا
وأن الشمس في الآفاق تغشى *** حمى كسرى كما تغشى اليبابا
وأن الماء تروى الأسد منه *** ويشفي من تلعلعها الكلابا
وسوى الله بينكم المنايا *** ووسدكم مع الرسل الترابا
وأرسل عائلا منكم يتيما *** دنا من ذي الجلال فكان قابا
نبي البر بينه سبيلا *** وسن خلاله وهدى الشعابا
تفرق بعد عيسى الناس فيه *** فلما جاء كان لهم متابا
وشافي النفس من نزعات شر *** كشاف من طبائعها الذئابا
وكان بيانه للهدي سبلا *** وكانت خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى *** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
تجلى مولد الهادي وعمت *** بشائره البوادي والقصابا
وأسدت للبرية بنت وهب *** يدا بيضاء طوقت الرقابا
لقد وضعته وهاجا منيرا *** كما تلد السماوات الشهابا
فقام على سماء البيت نورا *** يضيء جبال مكة والنقابا
وضاعت يثرب الفيحاء مسكا *** وفاح القاع أرجاء وطابا
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا
فما عرف البلاغة ذو بيان *** إذا لم يتخذك له كتابا
مدحت المالكين فزدت قدرا *** فحين مدحتك اقتدت السحابا
سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجابا
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابا
كأن النحس حين جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابهم فيها مهيبا *** وللأخلاق أجدر أن تهابا
فلولاها لساوى الليث ذئبا *** وساوى الصارم الماضي قرابا
فإن قرنت مكارمها بعلم *** تذللت العلا بهما صعابا
وفي هذا الزمان مسيح علم *** يرد على بني الأمم الشباب
حافظ ابراهيم : (1872 - 1932)
ولد محمد حافظ إبراهيم في ديروط بمحافظ أسيوط عام 1872م، وكان والده مهندسًا، وقد تُوُفِّيَ والده وهو في الرابعة من عمره، فاتجهت به أُمُّه إلى القاهرة، فظلَّ تحت رعاية خاله، الذي ألحقه بالمدرسة الخيريَّة بالقلعة، فبقي في القاهرة حتى التحاقه بالمدرسة الخديويَّة الثانويَّة، ثم انتقل مع خاله إلى طنطا عام 1888م؛ حيث كان يعمل مهندسًا للتنظيم هناك، وقد التحق حافظ إبراهيم بالمحاماة، لكنه سرعان ما ضجر منها، وتركها عائدًا إلى القاهرة ملتحقًا بالمدرسة الحربيَّة، وتخرَّج فيها برتبة ملازم ثان عام 1891م، وقد قارب العشرين من عمره، فاستعانت به وزارة الداخلية، ثم استغنت عنه، ثم عاد مرَّة أخرى إلى وزارة الحربيَّة، فحوَّلته بدورها إلى الاستيداع لتراخيه وتكاسله في عمله عام 1895م ثم عاد حافظ إبراهيم مرَّة أخرى إلى العمل بوزارة الحربية حيث تمَّ إرساله إلى السودان مع الجنرال الإنجليزي "كيتشنر "ليعمل تحت إمرته، وفي السودان عانى حافظ من صلف الجنرال الإنجليزي، واتُّهِم بعدها حافظ إبراهيم بتحريض الضبَّاط على العصيان والتمرُّد، فيُحال مرَّة أخرى للاستيداع سنة 1900م، فعاد للقاهرة باحثًا عن وظيفة مدنيَّة يقتات منها، ولكنَّ الشاعر ظلَّ يكابد قسوة الحياة، معتمدًا على راتب الاستيداع الذي لم يتجاوز الأربعة جنيهات، لكنه في عام 1911م عُيِّن بدار الكتب بواسطة أحمد حشمت باشا، ثم يمنحه درجة الباكوية، ثم نيشان النيل، فأشاد به حافظ إبراهيم في أكثر من موضع قائلاً:
إِلَيكَ أَبا حَسَنٍ أَنتَمي *** فَما زَلَّ مَولًى إِلَيكَ انتَسَبْ
عَرَفتَ مَكاني فَأَدنَيتَني *** وَشَرَّفتَ قَدري بِدارِ الكُتُب
وتطيب حياة حافظ في عمله الجديد، وتمتدُّ إلى أن يحال للتقاعد سنة 1932م، فيبدأ بالوهن والشيخوخة.
ولم يغفل حافظ إبراهيم الاهتمام بالجانب الوطني والقومي في شعره، فقد عاش في فترة تموج بها الأُمَّة بالكثير من الظلم والفساد، فالمحتلُّ الغاشم على صدور العباد، والناس إمَّا مقهور مظلوم فقير، أو متَّبِع لاهٍ، والإنجليز في مصر يعيثون فيها فسادًا، فقد كتب حافظ إبراهيم قصيدة قويَّة النبرة، يظهر فيها حسُّه الوطني؛ فأنشأ قصيدة نُشرت في جريد اللواء الوطنية وذلك عام 1906م بسبب ما حدث للمصريين من محاكمات ظالمة إثر حادثة دُنشواي، فقام مستصرخًا مستهزئًا:
أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا *** هَل نَسِيتُمْ وَلاءَنا وَالوِدَادَا
خَفِّضوا جَيشَكُمْ وَنامُوا هَنيئًا *** وَابتَغوا صَيْدَكُمْ وَجوبُوا البِلادَا
وَإِذا أَعوَزَتكُمُ ذاتُ طَوقٍ *** بَيْنَ تِلكَ الرُّبا فَصيدوا العِبَادَا
إِنَّما نَحْنُ وَالحَمامُ سَواءٌ *** لَم تُغادِرْ أَطواقُنا الأَجيَادَا
لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحْكَمَةُ التَفْـ *** ـتيشِ عادَتْ أَم عَهدُ نيرونَ عَادَا
كَيفَ يَحلو مِنَ القَوِيِّ التَشَفّي *** مِن ضَعيفٍ أَلقى إِلَيهِ القِيَادَا
أَنتَ جَلاَّدُنا فَلا تَنسَ أَنَّا *** قَد لَبِسنا عَلى يَدَيكَ الحِدَادَا
يمكن القول ان حافظا استطاع أن يلتحق بركب أحمد شوقي، حتى بات ذكر شوقي أمير الشعراء، مقرونًا بحافظ إبراهيم شاعر النيل؛ فكلاهما استطاع أن يُلهب المتلقِّي حماسة قويَّة ناتجة عن اللوحات الفنية الصادقة، والتي كان لها أكبر الأثر في قراءة جديدة للشعر العربي الحديث، والذي كان من أكبر أثره ظهور شعر الإسلاميات، الذي أعاد كثيرًا من مثقَّفي العربيَّة إلى حقيقتهم الوجوديَّة في هذا الكون.
وفاة حافظ إبراهيم
أحيل حافظ إبراهيم إلى المعاش عام 1932م، ولم يمض على تقاعده سوى أربعة أشهر ونصف حتى صَعِدت روحه إلى بارئها في الحادي والعشرين من يوليو عام 1932م، بعد حياة متقلِّبة من اليُتم والبؤس والفقر والحرمان
معروف عبد الغني الرصافي : (1875-1945)

ولد الشاعر معروف عبد الغني الرصافي في بغداد عام 1875م بجانب الرصافه منها وجاء لقبه ( الرصافي ) نسبه الى جانب الرصافه . وبدا ينظم الشعر في مطلع شبابه حيث كان جريئا في قسم من أشعاره السياسية ، فقد هاجم بإشعاره ألدوله العثمانية وسلطات الاحتلال البريطانية وواصل تلقي علومه في المعاهد ألدينيه .
درس الرصافي الأدب في بغداد واللغة العربية وكان أسلوبه بسيط واضح يهدف منه معالجه ما كان يعانيه المجتمع العراقي أيام الشاعر من جهل ومرض وفقر ... فهو شاعر إصلاح وتوجيه .
لقد كان الشاعر يتميز بأنه كان يوجه أكثر شعره الى الناس بأسلوب واضح إيقاظا للهمم وتنبيها للأذهان ويهدف من وراء ذلك معالجه ما كان يتصف به المجتمع العراقي آنذاك من فقر وجهل لان الظروف التي مر بها المجتمع اقتضت من الشعراء ان يكرسوا شعرهم لخدمه المجتمع العراقي .
لقد لزم الشاعر الرصافي العالم محمود شكري الالوسي ثلاث عشرة سنة . ولقد توفي الرصافي سنة 1945م وقد جاء في وصية تركها بعد وفاته " كل ما كتبته من نظم ونثر لم اجعل هدفي منه منفعتي ألشخصيه وإنما قصدت به منفعة المجتمع "
وله ديوان شعر ضخم وله بحوث منها :
• على باب سجن أبي العلاء
• رسائل التعليقات .
ولو نظرنا إلى بيئة الشاعر السياسية والادبيه حتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان الرصافي والزهاوي والكاظمي والجواهري ، كان شعرهم جميلا يعبر تعبيرا صادقا عن كل ما يتعلق بالمجتمع العراقي في جميع شؤونه ومشاكله وأمانيه .

ويمكن القول إن الشعر السياسي والاجتماعي قد برز الى الوجود – فكان نقطة تحول من حدود النزعه الفردية الى المشاركه الوجدانيه لآلام الشعب واماله . ولقد اهتم الشعراء بالفقراء والفقر والبؤس والشقاء ثم الدعوة الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس والقضاء على الفوارق الطبقيه ، ثم الدعوة لمشاركة المرأه مع الرجل في ميادين العلم والعمل ، هذا من الناحية ألاجتماعيه ، وإما من الناحية السياسية فقد شارك الشعر العربي في العراق مشاركة فعاله في الاحداث السياسية التي جرت على مسرح السياسية داخل العراق وخارجه .
لقد كان للبيئة السياسية في العراق الأثر الفعال في شعر الرصافي ونتيجة لسيطرة (الايليخانيين) والتخريب الذي قام به التتار من جماعه هولاكو فقد بقيت بغداد محتفظة بصفتها البائسة حتى تم استيلاء العثمانيين على العراق عام 921هج (1534م) . إذ أن العراق بعد انقراض الحكم المغولي او (الايلخاني ) ظل تحت سيطرة الحكم الجلائري ثم بعد ذلك جاءت دولة الخروف الأبيض (اقوينلو) ثم جاءت (الدولة الصفويه) من إيران .
وهكذا انتقل العراق من الحكم التركماني الى الفارسي وبعد ذلك الى الحكم العثماني ، على يد السلطان مراد الرابع 1048هج ثم جاء النفوذ البريطاني .
ومما تقدم يمكن أن نشهد الخطوط العامه للوقائع والاحداث السياسية التي مرت في العراق والتي بدورها كان لها الأثر في شعر هذا الشاعر ، فمنذ أن بدا الفساد يعم في العراق بعد زوال الدوله العباسية حتى بعد الرصافي والرصافي الذي امتدت حياته السياسية أكثر من نصف قرن قد عاصر معظم الاحداث السياسية . ولذلك فقد سجل معظم هذه الاحداث في شعره تسجيلا دقيقا وله مواقفه الوطنيه الصادقة ، ولهذا فان شعره السياسي هو خير سجل لهذه الأحداث والامه العربية كلها .
لقد كان شعر الرصافي صوتا قويا تجاه سياسية السلطان عبد الحميد التعسفية وجمعية الاتحاد والترقي التي حكمت بعد خلع السلطان عبد الحميد .
وساهم الشاعر بشكل حازم بشعره ضد الإنكليز الذين استعمروا العراق وأسهم الشعر في إشاعة الروح القوميه وتوحيد أجزاء الدوله العربية وإقامة دوله عربية موحدة . ولهذا فقد كان الشعر هو السبب في مطاردة هؤلاء الشعراء الأحرار والفتك بهم من قبل السلطات ألاستعماريه الحاكمه آنذاك .
وعلى هذه الصورة نهض هذا الشاعر بشعره من الكبوة التي صار إليها الشعر بعد عهد الانحطاط ودخل في عهد جديد من النمو والازدهار .
وقد حدد بعض الأدباء بداية هذه النهضة الأدبية الحديثه وقال بعضهم انها بدأت عام (1908م) أي عند إعلان الدستور العثماني . وقال البعض الأخر انها بدأت عام (1921م) عند قيام الحكم الوطني في العراق .
وعندما نصب الملك فيصل ملكا على العراق قام الصراع بينه وبين الشاعر من جهة وبين الإنكليز والشاعر من جهة أخرى ، حيث كان الملك فيصل يكن عداء للرصافي ، وقد كان للرصافي قصيدة من غرر قصائده السياسية والنفسية وعنوانها ( بعد النزوح) في الديوان إذ كان الرصافي يحب العراق وأهل العراق حيث يقول :

أنا ابن دجلة معــــــروف بها أدبي
قد كنت بلبلها الغــــــــريد أنشدها
ويل لبغداد ممــــــــا سوف تذكره
لقد سقيت بفيض الـــــدمع أربعـها وان يك المــاء منها ليــــس يروينـــي
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
عني وعنها الـليـالـي فــــي الدواويـــن
على جوانب ود ليس يسقينــي

ومن أجل موقفه الوطني فقد ظل مبعدا عن كل المناصب .
لقد طرق الرصافي معظم القضايا بشعر ومن الأمور الاجتماعيه التي طرقها (العلم) فلا حياة لمن لا علم له ـ والعلم نور والجهل ظلام ـ فالشاعر كان يحسب الجاهل ميتا في هذه الحياة من قبل الممات وهو يحسب العالم حيا لا يموت وتطرق الى البؤس والفقر ولقد كان يقول : " كانت مشاهد البؤس من اشد الدواعي عندي الى نظم الشعر " ، كما انه كتب عن النفاق والحسد والكذب لأنها تتصل بالمجتمع .
ولقد كان للرصافي دور في الدعوة التحررية لاقتصادنا العربي لأنه كافح الاستعمار السياسي والفكري فقد كافح من اجل الناحية الاقتصاديه .
وكان الرصافي يؤمن بالقومية العربية ومقوماتها ثم يدعو الى تحقيق أهدافها ولا مجال للشك في قوميته حيث كانت أهداف القوميه العربية في شعره تكمن في:
أ‌) القضاء على الاستعمار بمختلف أشكاله .
ب‌) إقامة كيان عام على شكل دولة موحدة .
ج) تحقيق العدالة الاجتماعيه والاقتصادية في الوطن العربي الكبير .

واهم خصائص شعره السياسي :
1) امتلاك ناصية التعبير امتلاكا محكما .
2) اختيار الألفاظ السهلة .
3) نظمه للقوافي والأوزان بصورة جيدة والتي تناسب المقام والقصد .
4) الانفعالات والأحاسيس الصادقة .
قال الرصافي :-
( المستقبل )

أرى مستقبل الأيام أولى
بمطمح من يحــــاول أن يســـودا

فما بلغ المقاصد غير ساع
يردد في غد نظرا سديدا

وهل ان كان حاضرنا شقيا
نسود بكون ماضينا سعيدا

تقدم ايها العربي شوطا
فان أمامك العيش الرغيدا

فشر العالمين ذوو خمول
اذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم
أقام لنفسه حسبا جديدا

تراه اذا ادعى في الناس فخرا
تقيم له مكارمه الشهودا

فدعني والفخار بمجد قوم
مضى الزمن القديم بهم حميدا

اذا ما الجهل خيم في بلاد
رأيت أسودها مسخت قرودا


وهنا يخاطب الشاعر الناشئة الذين استولى عليهم الكسل وترى الشاعر يحث الناس إلى أن يضعوا الماضي نصب أعينهم فيطالب أبناء جيله أن يوجهوا أنظارهم إلى المستقبل إن كانوا يطمحون إلى السيادة والاستقلال ويتضح من خلال الأبيات نزعة الشاعر إلى الإصلاح للمجتمع مما كان يعاني من فقر ومرض وجهل بأسلوب واضح لا غموض في
وللرصافي قصيدة بعنوان ( لقد أيقظ الإسلام ) يقول فيها :

لقد أيقظ الإسلام للمجد والعــــلا
وحلت له الأيــــام عــــند قيامــــــه
فأشرق نـــور العلم مــن حجراتـــه
وانشــــط بالعــلم العزائــم وابتنــى
وأطلق أذهان الورى من قيادهـا
وفك إسـار القــوم حتى تحــــضروا
ولاحت تباشير الحقائق فانجلــت
ولا فـــخر للإنســـــان آلا بسعـيــــــه بصائر أقوام عن المــــجد نـــوم
حباها وأبــدت منظـــر المتبســم
على وجه عصر بالجهالة مظلــــم
لأهلية مجدا ليـــس بالمتهـــــــدم
فطارت بأفكار على المجد حوم
نهوضا إلى العلياء من كـل مجثم
بها عن بني الدنيا شكوك التوهم
ولأفضل إلا بالتقى والتكــــــرم

وهنا يتحدث الرصافي عن دور الإسلام في إيقاظ عقول الناس الذين كانوا عن حياتهم غافلين … فبدد بالعلم سحب الجهالة وشحذ همم المسلمين بنور المعرفة ، وأطلق طاقاتهم للعمل المثمر بعيدا عن العصبيات . حتى أصبحت تقاس قيمة كل إنسان بسعيه وجده وتقواه .
وهذه القصيدة استطاعت أن تجسد الكثير من قيم الإسلام العظيمة ..غير أنها ساقت هذه القيم في الغالب من خلال إطار تقليدي من اللغة فيه الكثير من التقرير والمباشرة .
وأخيرا أن لكل واحد منا رأيه الشخصي في قصائد الرصافي او بعض أبياته على الأقل ، وواضح أن الشاعر من خلال قراءة قصائده أراد من الناس إن يهتموا بالحاضر والمستقبل ودور الإسلام وكان للشاعر دور مهم من الماضي ومن التراث العربي بصورة عامه وحيث أراد الشاعر او حاول أن يكون مصلحا في أشعاره .
• ويقول في مشاهدته لأرملة وبنتها الصغيرة، توفي زوجها وتركهما بين الفقر والبؤس الذي يذيب القلوب الجامدة حيث‏ بلغ القمة بوصفه إذ قال في قصيدة (الارملة المرضعة):

• لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا
تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا
تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا

مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ
وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً
وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا
وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

ويصرخ الرصافي ساخرا من الدستور الذي أقره الانتداب البريطاني على العراق ويقول:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّم
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم

وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا

وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا

ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا

والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم

فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم

ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم

فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا

وإذا أُهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم

أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم

أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا



أوجه التشابه والاختلاف بين حافظ ابراهيم والرصافي :
1- من حيث الزمن عاشا في فترة زمنية واحدة ولد الرصافي بعد خمس سنوات من ولاده حافظ ابراهيم.
2- كلاهما من أسرة محافظة فقيرة.
3-كلاهما تعرضا للبؤس والفاقه.
4- وان كل منها يقضي اوقات فراغه في المقاهي وخاصة المقاهي الثقافية.
5- كان حافظ على قول طه حسين صادقا بسيطا بعيدا عن المداورة وطبيعته يسرة لاغموض فيها ولاعسر ولاالتواء.
6- كان الرصافي يتفوق على حافظ من حيث الصراحة وبعده عن المداورة .
7- كان حافظ ابراهيم بعض المرات يغض الطرف عن اعداءه والدليل انه لم يتعرض للاستعمار مدة 18 شهرا اما الرصافي فقد كان يهجو الانكليز والظالمين والملك فيصل ايضا.
8- كانت ثقافة حافظ ابراهيم محدوده الجوانب لاتتجاوز معرفته للادب العربي القديم والمامه باللغة الفرنسية من غير اتقان.
9- يلتقي الرصافي في ثقافته مع حافظ في ضعف الثقافة الاجنبية ان لم يكن يعرف الانكليزية والفرنسية.
10- يلتقي الرصافي مع حافظ في إعتماده على دواوين الشعراء وكتاب الأعاني وغيرة من كتب الأدب. :
سلك الاتجاه الكلاسيكي في الشعر العربي الحديث اتجاهين رئيسين :
الاول : اتجاه يتخذ من الشعر العربي القديم مقياسا يحتذيه في الاغراض والاساليب والصور واللغة ويسمى بالاتجاه الكلاسيكي المحافظ ، ويمثل هذا الاتجاه محمود سامي البارودي .
الثاني : هو ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة ، وقد عني شعراء هذا الاتجاه بالوقوف على الاطلال والرسوم ، وعارضوا القصائد القديمة المشهورة ، وحافظوا على أوزان الشعر القديم ، ولكنهم بثوا في كل ذلك مشاعرهم ، ولونوا به عواطفهم ، وعبروا عما تجيش به خواطرهم ، وظهرت معها ملامح عصرهم وطبيعة بيئاتهم ، وذلك كله من خلال موضوعات جديدة ، اي انهم بثوا في الموضوعات القديمة مفاهيم جديدة في السياسة والاجتماع والعلم والاخلاق والتربية .
ومثل هذا الاتجاه كل من احمد شوقي وحافظ ابراهيم والرصافي .
ولعل لظروف الاتصال بين الشرق والغرب ، وتعميم الثقافة وتشعب أبعادها وما استجد معها من قيم حضارية وافكار سياسية ، ومثل اجتماعية ، أثره الواضح في تطور شعر هؤلاء شكلا ومضمونا .









أحمد شوقي : (1869-1932م)


نشأ أحمد شوقي في بيئة أرستقراطية مترفة لها صلة قوية بقصر خديوي مصر ، أُلحق في طفولته بالكُتَّاب ، وانتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية بالقاهرة ، ولما أتم تعليمه الثانوي سنة 1885 أُلحق بمدرسة الحقوق ، ثم تحول إلى قسم الترجمة بها ، وتعرَّف في المدرسة إلى أستاذه الشيخ محمد البسيوني ؛ فدفعه إلى شعر المديح . وأرسله الخديوي توفيق في بعثة إلى فرنسا لمتابعة دراسة الحقوق ، والتعمق في اللغة الفرنسية ، وشؤون الترجمة ، فأكمل دراسته في أربع سنوات ، وهيئت له فرص التجوال في فرنسا ، والتردد على مسارح باريس ، والوقوف على حياتها الأدبية .

فلما عاد إلى مصر عمل رئيساً لقسم الترجمة في ديوان الخديوي . وتوثقت صلته بالخديوي عباس الثاني الذي خلف والده توفيق ، وأصبح مستشاره ومحل ثقته وتقديره ، ووظف شعره للتعبير عن سياسة الخديوي، ويغتنم كل فرصة لمدحه ، وتسجيل مناسبات القصر ، وأعياده المختلفة. وكان هذا الدور كافياً ليكون بعيداً عن حياة الشعب .
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى ، خلع الإنجليز الخديوي عباس عن عرش مصر ، لميله إلى الدولة العثمانية ، وولوا بدلاً منه عمه السلطان حسين كامل . ونفوا– أيضا – أحمد شوقي إلى إسبانيا لولائه لعباس ، وتحمسه للخلافة العثمانية ، وظل بها طوال الحرب (مدة أربع سنوات 1915-1919) ؛ فكانت فرصة لأن يفرغ لنفسه ولشعره ، والتعبير عن ما قاساه في غربته ، وحنينه إلى بلده ، وتعميق مشاعره الوطنية والقومية ، واستلهام أمجاد المسلمين في الأندلس .
وحين وضعت الحرب أوزارها ، رجع شوقي إلى مصر ، إبّان ثورة 1919الوطنية ؛ وجد نفسه في خضم الصراع الجماهيري ضد القوى الأجنبية المسيطرة على ءس سىاتتظكمنتناقلالقلبرصر والمنطقة العربية ؛ فانحاز إلى الشعب ، وانطلق يتغنى بآماله ويعبر عن آلامه ، وشارك الأمة العربية ، وانفعل لأحداثها ، وانتفاضاتها الوطنية . كما خلص لفنه وجمهوره ؛ فذاع شعره ، واحتل مكانة مرموقة بين شعراء العربية . ولما أعاد طبع ديوانه سنة 1927 (1346هـ) أقيم له حفل تكريم عظيم ، وفيه بايعه الشعراء بإمارة الشعر ، وأعلن حافظ إبراهيم هذه المبايعة قائلاً :
أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

آثـــــاره الأدبية :
أ - الآثار الشعرية :
1- ديوان الشوقيات : " في أربعة أجزاء " .
وقد طبع ديوانه لأول مرة سنة 1898م ، وأعاد طبعه سنة 1927م ،
وبمناسبة إعادة طبعه أقيم له حفل تكريم عظيم ، تمجيداً بشاعريته ونبوغه .

2- الشوقيات المجهولة : وهي مجموعة شعرية ، جمعها ودرسها الدكتور محمد صبري ونشرها بعد وفاة الشاعر.

3- المسرحيات الشعرية : " وضعت بين 29-1932"
- المآسي : مصر كليوباترا – قمبيز – علي بك الكبير
عنترة – مجنون ليلى.
- الملهاة : الست هدى .
4- ديوان " دول العرب وعظماء الإسلام " وهي قصيدة طويلة ، نظمها في الأندلس .
ب - الآثار النثرية :
1- مسرحية : أميرة الأندلس .
2- له ثلاث روايات ، هي : عذراء الهند – لادياس – ورقة الآس .
3- كتاب (أسواق الذهب) : وهو عبارة عن مقالات اجتماعية في مختلف الموضوعات ، جمعت عام 1932.

شـعره :
تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة ، فقد حذق العربية والفرنسية ، وكان يعرف التركية . واحتكَّ بالحضارة الغربية في عقر دارها ، ونهل من ثقافتها . واستفاد من توجيه أستاذه الشيخ محمد البسيوني ، كما استفاد من كتاب (الوسيلة الأدبية) للشيخ حسين المرصفي ( ت 1889) ، وما اشتمل عليه من مختارات الشعر الجيد للقدماء ، ونماذج رائعة من شعر البارودي

وساهمت حركة إحياء التراث العربي والإسلامي في اطلاعه على عيون الشعر العربي ، وتمثل نماذجه الرائعة ، وتملك خصائصه ، وصقل موهبته الفنية ؛ فاكتسب قوة في النسج ، وجزالة في الأسلوب .
كما ساهمت صلته بالخديوي عباس الثاني في بناء شخصيته ، ووفرت له المكانة الاجتماعية المرموقة . وفتحت له آفاق النظم ، وارتياد مواضيع جديدة للقول ، منها : متابعة نشاطات الخديوي ، وتحسين مواقفه السياسية للرأي العام المصري ، والإشادة بإنجازات مصر الحضارية ؛ مثل فتح الجامعة ، وإنشاء بنك مصر ، والانفعال بأحداثها الجديدة ، فيهتم بالهلال الأحمر ، ويوجه العمال بمثل قوله مخاطباً لهم :
أيُّـها العمال أفنـوا الــــــعمر كـدَّاً واكتسابا
واعمـروا الأرض فلولا سـعيكم أمسـت يبـابا

ويشيد بدور الصحافة في نهضة البلاد ، قائلاً :
لكل زمـان مضى آية وآيـة هذا الزمـان الصـحف

وقد طرق شوقي بخوضه في هذه الموضوعات الجديدة ميداناً لم يطرقه الشعراء من قبل ، وألجأته لانتهاج أساليب مبتكرة في القول والوصف ، ملائمة لما ارتاده من المعاني .
هذا ، دون أن نغفل أثر المنفى في حياته وشعره ، فلا شك أنه عانى في الغربة ، وأمضَّه الحنين والشوق إلى مصر ، ولكنه ، في الوقت نفسه ، فتح له آفاقاً جديدة من المعاني ، ووجهه إلى التغني بالعروبة ، والاهتمام بتاريخ المسلمين عامة ، وفي الأندلس خاصة ، ويتطور فنه الشعري في الصياغة والمعاني .
أما أسلوب شوقي في الشعر ، فيقوم على احتذاء قوالب الشعر العربي القديم ومعارضتها ، وبعث الصياغة القديمة وإحيائها ، كما فعل البارودي ، فكون بذلك أسلوبه البياني الأصيل ، وهو أسلوب لا يتحرر من القديم ، ولكنه – في الوقت نفسه – يعبِّر عن الشاعر وعصره ، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والقوة ، مع سلاسة في التعبير ، وقوة في السبك ، والتمكن من الإيقاع الشعري ، بجانب قدرته العالية في التصوير ، وبراعته في الوصف . مع إحساس مرهف ، وعاطفة حساسة .
وينقسم شعره قسمين واضحين : قسم قبل منفاه ، وقسم بعده :
كان في القسم الأول على صلة وطيدة بالقصر ، وولاؤه مطلق للأسرة العلوية ؛ فهم الذين تعهدوه ورعوه ، وقدمـوا له العون المادي والمعنوي ، والجاه والمنصب ؛ فكان حقاً عليه أن يكون شاعر الخديوي عباس ، وأن يدور شعره في فلكه ، يهادن من يهادنه ، ويعادي من يعاديه ، فأصبح شعره مقصوراً ـ في غالبه ـ على ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فهو يمدحه في جميع المناسبات ، وهو يشيد بالترك والخلافة العثمانية ، إرضاءً له ، وتقرباً إليه .
وفي هذه الحقبة من حياته تطور في فنه صياغة وأسلوباً ، كما تأثر شعراء الغرب في شعرهم التاريخي ، فنظم قصائد كثيرة عن تاريخ مصر والبلاد العربية ، مثل قصيدته : (كبار الحوادث في وادي النيل) وقصيدة (أنس الوجود) .
وعلى الرغم من أنه ، في هذه المرحلة من حياته ، لم يكن يعني بالجمهور عناية مباشرة ، بل كان بعيداً عنه بحكم أسرته الأرستقراطية ، وبحكم وظيفته في القصر ، ومع ذلك لم يغفل الجمهور في شعره : من ذلك أنه طبع ديوانه للجمهور ، وكان ينشر شعره في الصحف ، ويراعي في مدائحه كل المناسبات التي تهم الجمهور ، ويمد آفاق شعره إلى اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين جميعاً ، ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية .
أما بعد النفي ، فإنه ظل في الأندلس شاعراً تقليدياً من بعض جوانبه ، فاهتم بمعارضة القصائد القديمة الرائعة ، ونظم على وزنها وقافيتها ؛ مدفوعاً ـ كما يقول أحد الباحثين ـ بشهوة ، هدفها الإبداع والتحدي ، ورغبة منه في الوقوف على قدم المساواة مع غيره من فحول الشعراء الأقدمين ، بل في التفوق عليهم وعلى معاصريه ؛ ليثبت أنه لا يقل قدراً وقدرة عن أولئك القدماء الذين احتفى بهم النقاد في القديم والحديث .
وبعد رجوعه من المنفى اتجه إلى الجمهور ، وصور عواطفه ، وأهواءه السياسية تصويراً قوياً باهراً . وقدم للأدب العربي في هذه المرحلة مسرحياته الشعرية ، فكان بذلك رائداً في هذا اللون من التأليف . كما كان رائداً في أدب الأطفال ، حين قدم كثيراً من الحكايات والقصص الشعرية التي تتناول الحيوان وغيره ، وخصَّ بها الأطفال ، والقطاعات الشعبية .
ولا شك أن أسلوبه تأثر كثيراً بهذه المرحلة الهامة من حياته ، فكتب للجمهور العربي هذه المسرحيات ، وفي ذهنه أنها ستعرض على قطاعات الشعب ، كما تأثر في كتاباته الشعرية للأطفال ، وفي أغانيه ، وفي أناشيده الوطنية .
عاطفته الدينية :
تشعر وأنت تقرأ شعر شوقي بقوة أثر الدين فيه وعمق إحساسه به ، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تلميحات دينية مختلفة ، وإشارات واضحة لقيم الإسلام وفضائله .
وشعره الإسلامي يفيض بالحب الصادق ، والعاطفة الجياشة ، ويهتم فيها بإظهار صفات القدوة والمثل بنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - ، ويذكر شمائله البينات كما يفصل الحديث في كثير من قصائده عن جوانب رسالة الإسلام العملية التي تفيد الناس في دنياهم ، إلى جانب تحفيز الهمم ، وبث الثقة في نفوس المسلمين ، وتقوية عزائمهم ، وتذكيرهم برسالة الدعوة ، والجهاد في سبيلها
وذكر شوقي ضيف أن أحمد شوقي كان يراعي الرأي العام في قصائده ، وينتهز فرصة المناسبات العامة التي تهمهم ، وكان يعتصر في بعض مدائحه اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين في جميع الأقطار … ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية . وذهب باحث آخر إلى أن طبيعة المناسبة كانت تتحكم في شوقي ؛ " فهو كشاعر أرستقراطي لابد له أن يتفاعل مع طبقته هذه ، وأن ينظم شعراً يعكس اهتمامات هذه الطبقة الاجتماعية ؛ فينظم غزلاً . ولا يجد ضرراً في نظم القصائد الدينية ، وفي طليعتها المولد النبوي ، ومدح الرسول ، والحضِّ على التمسك بالأخلاق الحميدة ؛ لأن المناسبة تدعوه إلى هذا التوجه ".
وقصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه واله - ، خمس ، هي :
1- نهج البردة : ومطلعها :
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمِي في الأشهُرِ الحُرُم

وقد عارض بها بردة البوصيري التي مطلعها :
أمِنْ تذكُّرِ جِيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزجتَ دمعاً جرى من مُقلَةٍ بِدَمِ

2- القصيدة الثانية : ذكرى المولد ، ومطلعها :
سَلُوا قلبِي غَدَاة سَلا وتَابَا
لَعَلَّ على الجمالِ له عِتابا

وهي معارضة لقصيدة ابن حمديس الصقلي ، التي يقول فيها متذمراً من الزمان ، وغدر أهله :
إلى كم تسمع الزمن العتابا
تخاطبه ولا يدري جوابا

3- القصيدة الثالثة : مدح فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثنى بأخلاقه وجهاده ومكانته ومعجزاته ، ومطلعها :
كِلا جَفنَيكَ يَعلَمُه
بهِ سِحرٌ يُتَيِّمُه

4- القصيدة الرابعة : قصيدة " دول العرب وعظماء الإسلام " وعدد أبياتها (1726 بيتاً ، منها (153) بيتاً في السيرة النبوية .

5- القصيدة الخامسة : " الهمزية " ، وهي معارضة ضمنية لقصيدة البوصيري التي مطلعها :
كيف تَرقَى رُقِيَّكَ الأنبياء يا سَماءً ما طاولَتْها سَماءُ




قصيدة سلو قلبي



سلو قلبي غداة سلا وتابا *** لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما *** تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
تسرب في الدموع فقلت:ولى *** وصفق في الضلوع فقلت: ثابا
ولو خلقت قلوب من حديد *** لما حملت كما حمل العذابا
وأحباب سقيت بهم سلافا *** وكان الوصل من قصر حبابا
ونادمنا الشباب على بساط *** من اللذات مختلف شرابا
وكل بساط عيش سوف يطوى *** وإن طال الزمان به وطابا
كأن القلب بعدهم غريب *** إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي *** كمن فقد الأحبة والصحابا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى *** تبدل كل آونة إهابا
وأن الرقط أيقظ هاجعات *** وأترع في ظلال السلم نابا
ومن عجب تشيب عاشقيها *** وتفنيهم وما برحت كعابا
فمن يغتر بالدنيا فإني *** لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبي *** ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا *** وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما *** ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا *** صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حر *** يقلد قومه المنن الرغابا
ولم أر مثل جمع المال داء *** ولا مثل البخيل به مصابا
فلا تقتلك شهوته وزنها *** كما تزن الطعام أو الشرابا
وخذ لبنيك والأيام ذخرا *** وأعط الله حصته احتسابا
فلو طالعت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتيابا
وأن البر خير في حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
وأن الشر يصدع فاعليه *** ولم أر خيرا بالشر آبا
فرفقا بالبنين إذا الليالي *** على الأعقاب أوقعت العقابا
ولم يتقلدوا شكر اليتامى *** ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
عجبت لمعشر صلوا وصاموا *** عواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صما *** إذا داعي الزكاة بهم أهابا
لقد كتموا نصيب الله منه *** كأن الله لم يحص النصابا
ومن يعدل بحب الله شيئا *** كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء برا *** وبالأيتام حبا وارتبابا
فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعا وفخرا *** ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلم ما استطعت لعل جيلا *** سيأتي يحدث العجب العجابا
ولا ترهق شباب الحي يأسا *** فإن اليأس يخترم الشبابا
يريد الخالق الرزق اشتراكا *** وإن يك خص أقواما وحابى
فما حرم المجد جنى يديه *** ولا نسي الشقي ولا المصابا
ولولا البخل لم يهلك فريق *** على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوما وقبلي *** دعاة البر قد سئموا الخطابا
ولو أني خطبت على جماد *** فجرت به الينابيع العذابا
ألم تر للهواء جرى فأفضى *** إلى الأكواخ واخترق القبابا
وأن الشمس في الآفاق تغشى *** حمى كسرى كما تغشى اليبابا
وأن الماء تروى الأسد منه *** ويشفي من تلعلعها الكلابا
وسوى الله بينكم المنايا *** ووسدكم مع الرسل الترابا
وأرسل عائلا منكم يتيما *** دنا من ذي الجلال فكان قابا
نبي البر بينه سبيلا *** وسن خلاله وهدى الشعابا
تفرق بعد عيسى الناس فيه *** فلما جاء كان لهم متابا
وشافي النفس من نزعات شر *** كشاف من طبائعها الذئابا
وكان بيانه للهدي سبلا *** وكانت خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى *** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
تجلى مولد الهادي وعمت *** بشائره البوادي والقصابا
وأسدت للبرية بنت وهب *** يدا بيضاء طوقت الرقابا
لقد وضعته وهاجا منيرا *** كما تلد السماوات الشهابا
فقام على سماء البيت نورا *** يضيء جبال مكة والنقابا
وضاعت يثرب الفيحاء مسكا *** وفاح القاع أرجاء وطابا
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا
فما عرف البلاغة ذو بيان *** إذا لم يتخذك له كتابا
مدحت المالكين فزدت قدرا *** فحين مدحتك اقتدت السحابا
سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجابا
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابا
كأن النحس حين جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابهم فيها مهيبا *** وللأخلاق أجدر أن تهابا
فلولاها لساوى الليث ذئبا *** وساوى الصارم الماضي قرابا
فإن قرنت مكارمها بعلم *** تذللت العلا بهما صعابا
وفي هذا الزمان مسيح علم *** يرد على بني الأمم الشبابا









حافظ ابراهيم : (1872 - 1932)



ولد محمد حافظ إبراهيم في ديروط بمحافظ أسيوط عام 1872م، وكان والده مهندسًا، وقد تُوُفِّيَ والده وهو في الرابعة من عمره، فاتجهت به أُمُّه إلى القاهرة، فظلَّ تحت رعاية خاله، الذي ألحقه بالمدرسة الخيريَّة بالقلعة، فبقي في القاهرة حتى التحاقه بالمدرسة الخديويَّة الثانويَّة، ثم انتقل مع خاله إلى طنطا عام 1888م؛ حيث كان يعمل مهندسًا للتنظيم هناك، وقد التحق حافظ إبراهيم بالمحاماة، لكنه سرعان ما ضجر منها، وتركها عائدًا إلى القاهرة ملتحقًا بالمدرسة الحربيَّة، وتخرَّج فيها برتبة ملازم ثان عام 1891م، وقد قارب العشرين من عمره، فاستعانت به وزارة الداخلية، ثم استغنت عنه، ثم عاد مرَّة أخرى إلى وزارة الحربيَّة، فحوَّلته بدورها إلى الاستيداع لتراخيه وتكاسله في عمله عام 1895م ثم عاد حافظ إبراهيم مرَّة أخرى إلى العمل بوزارة الحربية حيث تمَّ إرساله إلى السودان مع الجنرال الإنجليزي "كيتشنر "ليعمل تحت إمرته، وفي السودان عانى حافظ من صلف الجنرال الإنجليزي، واتُّهِم بعدها حافظ إبراهيم بتحريض الضبَّاط على العصيان والتمرُّد، فيُحال مرَّة أخرى للاستيداع سنة 1900م، فعاد للقاهرة باحثًا عن وظيفة مدنيَّة يقتات منها، ولكنَّ الشاعر ظلَّ يكابد قسوة الحياة، معتمدًا على راتب الاستيداع الذي لم يتجاوز الأربعة جنيهات، لكنه في عام 1911م عُيِّن بدار الكتب بواسطة أحمد حشمت باشا، ثم يمنحه درجة الباكوية، ثم نيشان النيل، فأشاد به حافظ إبراهيم في أكثر من موضع قائلاً:
إِلَيكَ أَبا حَسَنٍ أَنتَمي *** فَما زَلَّ مَولًى إِلَيكَ انتَسَبْ
عَرَفتَ مَكاني فَأَدنَيتَني *** وَشَرَّفتَ قَدري بِدارِ الكُتُب
وتطيب حياة حافظ في عمله الجديد، وتمتدُّ إلى أن يحال للتقاعد سنة 1932م، فيبدأ بالوهن والشيخوخة.
ولم يغفل حافظ إبراهيم الاهتمام بالجانب الوطني والقومي في شعره، فقد عاش في فترة تموج بها الأُمَّة بالكثير من الظلم والفساد، فالمحتلُّ الغاشم على صدور العباد، والناس إمَّا مقهور مظلوم فقير، أو متَّبِع لاهٍ، والإنجليز في مصر يعيثون فيها فسادًا، فقد كتب حافظ إبراهيم قصيدة قويَّة النبرة، يظهر فيها حسُّه الوطني؛ فأنشأ قصيدة نُشرت في جريد اللواء الوطنية وذلك عام 1906م بسبب ما حدث للمصريين من محاكمات ظالمة إثر حادثة دُنشواي، فقام مستصرخًا مستهزئًا:
أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا *** هَل نَسِيتُمْ وَلاءَنا وَالوِدَادَا
خَفِّضوا جَيشَكُمْ وَنامُوا هَنيئًا *** وَابتَغوا صَيْدَكُمْ وَجوبُوا البِلادَا
وَإِذا أَعوَزَتكُمُ ذاتُ طَوقٍ *** بَيْنَ تِلكَ الرُّبا فَصيدوا العِبَادَا
إِنَّما نَحْنُ وَالحَمامُ سَواءٌ *** لَم تُغادِرْ أَطواقُنا الأَجيَادَا
لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحْكَمَةُ التَفْـ *** ـتيشِ عادَتْ أَم عَهدُ نيرونَ عَادَا
كَيفَ يَحلو مِنَ القَوِيِّ التَشَفّي *** مِن ضَعيفٍ أَلقى إِلَيهِ القِيَادَا
أَنتَ جَلاَّدُنا فَلا تَنسَ أَنَّا *** قَد لَبِسنا عَلى يَدَيكَ الحِدَادَا
يمكن القول ان حافظا استطاع أن يلتحق بركب أحمد شوقي، حتى بات ذكر شوقي أمير الشعراء، مقرونًا بحافظ إبراهيم شاعر النيل؛ فكلاهما استطاع أن يُلهب المتلقِّي حماسة قويَّة ناتجة عن اللوحات الفنية الصادقة، والتي كان لها أكبر الأثر في قراءة جديدة للشعر العربي الحديث، والذي كان من أكبر أثره ظهور شعر الإسلاميات، الذي أعاد كثيرًا من مثقَّفي العربيَّة إلى حقيقتهم الوجوديَّة في هذا الكون.
وفاة حافظ إبراهيم
أحيل حافظ إبراهيم إلى المعاش عام 1932م، ولم يمض على تقاعده سوى أربعة أشهر ونصف حتى صَعِدت روحه إلى بارئها في الحادي والعشرين من يوليو عام 1932م، بعد حياة متقلِّبة من اليُتم والبؤس والفقر والحرمان .











معروف عبد الغني الرصافي : (1875-1945)

ولد الشاعر معروف عبد الغني الرصافي في بغداد عام 1875م بجانب الرصافه منها وجاء لقبه ( الرصافي ) نسبه الى جانب الرصافه . وبدا ينظم الشعر في مطلع شبابه حيث كان جريئا في قسم من أشعاره السياسية ، فقد هاجم بإشعاره ألدوله العثمانية وسلطات الاحتلال البريطانية وواصل تلقي علومه في المعاهد ألدينيه .
درس الرصافي الأدب في بغداد واللغة العربية وكان أسلوبه بسيط واضح يهدف منه معالجه ما كان يعانيه المجتمع العراقي أيام الشاعر من جهل ومرض وفقر ... فهو شاعر إصلاح وتوجيه .
لقد كان الشاعر يتميز بأنه كان يوجه أكثر شعره الى الناس بأسلوب واضح إيقاظا للهمم وتنبيها للأذهان ويهدف من وراء ذلك معالجه ما كان يتصف به المجتمع العراقي آنذاك من فقر وجهل لان الظروف التي مر بها المجتمع اقتضت من الشعراء ان يكرسوا شعرهم لخدمه المجتمع العراقي .
لقد لزم الشاعر الرصافي العالم محمود شكري الالوسي ثلاث عشرة سنة . ولقد توفي الرصافي سنة 1945م وقد جاء في وصية تركها بعد وفاته " كل ما كتبته من نظم ونثر لم اجعل هدفي منه منفعتي ألشخصيه وإنما قصدت به منفعة المجتمع "
وله ديوان شعر ضخم وله بحوث منها :
• على باب سجن أبي العلاء
• رسائل التعليقات .
ولو نظرنا إلى بيئة الشاعر السياسية والادبيه حتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان الرصافي والزهاوي والكاظمي والجواهري ، كان شعرهم جميلا يعبر تعبيرا صادقا عن كل ما يتعلق بالمجتمع العراقي في جميع شؤونه ومشاكله وأمانيه .

ويمكن القول إن الشعر السياسي والاجتماعي قد برز الى الوجود – فكان نقطة تحول من حدود النزعه الفردية الى المشاركه الوجدانيه لآلام الشعب واماله . ولقد اهتم الشعراء بالفقراء والفقر والبؤس والشقاء ثم الدعوة الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس والقضاء على الفوارق الطبقيه ، ثم الدعوة لمشاركة المرأه مع الرجل في ميادين العلم والعمل ، هذا من الناحية ألاجتماعيه ، وإما من الناحية السياسية فقد شارك الشعر العربي في العراق مشاركة فعاله في الاحداث السياسية التي جرت على مسرح السياسية داخل العراق وخارجه .
لقد كان للبيئة السياسية في العراق الأثر الفعال في شعر الرصافي ونتيجة لسيطرة (الايليخانيين) والتخريب الذي قام به التتار من جماعه هولاكو فقد بقيت بغداد محتفظة بصفتها البائسة حتى تم استيلاء العثمانيين على العراق عام 921هج (1534م) . إذ أن العراق بعد انقراض الحكم المغولي او (الايلخاني ) ظل تحت سيطرة الحكم الجلائري ثم بعد ذلك جاءت دولة الخروف الأبيض (اقوينلو) ثم جاءت (الدولة الصفويه) من إيران .
وهكذا انتقل العراق من الحكم التركماني الى الفارسي وبعد ذلك الى الحكم العثماني ، على يد السلطان مراد الرابع 1048هج ثم جاء النفوذ البريطاني .
ومما تقدم يمكن أن نشهد الخطوط العامه للوقائع والاحداث السياسية التي مرت في العراق والتي بدورها كان لها الأثر في شعر هذا الشاعر ، فمنذ أن بدا الفساد يعم في العراق بعد زوال الدوله العباسية حتى بعد الرصافي والرصافي الذي امتدت حياته السياسية أكثر من نصف قرن قد عاصر معظم الاحداث السياسية . ولذلك فقد سجل معظم هذه الاحداث في شعره تسجيلا دقيقا وله مواقفه الوطنيه الصادقة ، ولهذا فان شعره السياسي هو خير سجل لهذه الأحداث والامه العربية كلها .
لقد كان شعر الرصافي صوتا قويا تجاه سياسية السلطان عبد الحميد التعسفية وجمعية الاتحاد والترقي التي حكمت بعد خلع السلطان عبد الحميد .
وساهم الشاعر بشكل حازم بشعره ضد الإنكليز الذين استعمروا العراق وأسهم الشعر في إشاعة الروح القوميه وتوحيد أجزاء الدوله العربية وإقامة دوله عربية موحدة . ولهذا فقد كان الشعر هو السبب في مطاردة هؤلاء الشعراء الأحرار والفتك بهم من قبل السلطات ألاستعماريه الحاكمه آنذاك .
وعلى هذه الصورة نهض هذا الشاعر بشعره من الكبوة التي صار إليها الشعر بعد عهد الانحطاط ودخل في عهد جديد من النمو والازدهار .
وقد حدد بعض الأدباء بداية هذه النهضة الأدبية الحديثه وقال بعضهم انها بدأت عام (1908م) أي عند إعلان الدستور العثماني . وقال البعض الأخر انها بدأت عام (1921م) عند قيام الحكم الوطني في العراق .
وعندما نصب الملك فيصل ملكا على العراق قام الصراع بينه وبين الشاعر من جهة وبين الإنكليز والشاعر من جهة أخرى ، حيث كان الملك فيصل يكن عداء للرصافي ، وقد كان للرصافي قصيدة من غرر قصائده السياسية والنفسية وعنوانها ( بعد النزوح) في الديوان إذ كان الرصافي يحب العراق وأهل العراق حيث يقول :

أنا ابن دجلة معــــــروف بها أدبي
قد كنت بلبلها الغــــــــريد أنشدها
ويل لبغداد ممــــــــا سوف تذكره
لقد سقيت بفيض الـــــدمع أربعـها وان يك المــاء منها ليــــس يروينـــي
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
عني وعنها الـليـالـي فــــي الدواويـــن
على جوانب ود ليس يسقينــي

ومن أجل موقفه الوطني فقد ظل مبعدا عن كل المناصب .
لقد طرق الرصافي معظم القضايا بشعر ومن الأمور الاجتماعيه التي طرقها (العلم) فلا حياة لمن لا علم له ـ والعلم نور والجهل ظلام ـ فالشاعر كان يحسب الجاهل ميتا في هذه الحياة من قبل الممات وهو يحسب العالم حيا لا يموت وتطرق الى البؤس والفقر ولقد كان يقول : " كانت مشاهد البؤس من اشد الدواعي عندي الى نظم الشعر " ، كما انه كتب عن النفاق والحسد والكذب لأنها تتصل بالمجتمع .
ولقد كان للرصافي دور في الدعوة التحررية لاقتصادنا العربي لأنه كافح الاستعمار السياسي والفكري فقد كافح من اجل الناحية الاقتصاديه .
وكان الرصافي يؤمن بالقومية العربية ومقوماتها ثم يدعو الى تحقيق أهدافها ولا مجال للشك في قوميته حيث كانت أهداف القوميه العربية في شعره تكمن في:
أ‌) القضاء على الاستعمار بمختلف أشكاله .
ب‌) إقامة كيان عام على شكل دولة موحدة .
ج) تحقيق العدالة الاجتماعيه والاقتصادية في الوطن العربي الكبير .

واهم خصائص شعره السياسي :
1) امتلاك ناصية التعبير امتلاكا محكما .
2) اختيار الألفاظ السهلة .
3) نظمه للقوافي والأوزان بصورة جيدة والتي تناسب المقام والقصد .
4) الانفعالات والأحاسيس الصادقة .
قال الرصافي :-
( المستقبل )

أرى مستقبل الأيام أولى
بمطمح من يحــــاول أن يســـودا

فما بلغ المقاصد غير ساع
يردد في غد نظرا سديدا

وهل ان كان حاضرنا شقيا
نسود بكون ماضينا سعيدا

تقدم ايها العربي شوطا
فان أمامك العيش الرغيدا

فشر العالمين ذوو خمول
اذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم
أقام لنفسه حسبا جديدا

تراه اذا ادعى في الناس فخرا
تقيم له مكارمه الشهودا

فدعني والفخار بمجد قوم
مضى الزمن القديم بهم حميدا

اذا ما الجهل خيم في بلاد
رأيت أسودها مسخت قرودا


وهنا يخاطب الشاعر الناشئة الذين استولى عليهم الكسل وترى الشاعر يحث الناس إلى أن يضعوا الماضي نصب أعينهم فيطالب أبناء جيله أن يوجهوا أنظارهم إلى المستقبل إن كانوا يطمحون إلى السيادة والاستقلال ويتضح من خلال الأبيات نزعة الشاعر إلى الإصلاح للمجتمع مما كان يعاني من فقر ومرض وجهل بأسلوب واضح لا غموض في
وللرصافي قصيدة بعنوان ( لقد أيقظ الإسلام ) يقول فيها :

لقد أيقظ الإسلام للمجد والعــــلا
وحلت له الأيــــام عــــند قيامــــــه
فأشرق نـــور العلم مــن حجراتـــه
وانشــــط بالعــلم العزائــم وابتنــى
وأطلق أذهان الورى من قيادهـا
وفك إسـار القــوم حتى تحــــضروا
ولاحت تباشير الحقائق فانجلــت
ولا فـــخر للإنســـــان آلا بسعـيــــــه بصائر أقوام عن المــــجد نـــوم
حباها وأبــدت منظـــر المتبســم
على وجه عصر بالجهالة مظلــــم
لأهلية مجدا ليـــس بالمتهـــــــدم
فطارت بأفكار على المجد حوم
نهوضا إلى العلياء من كـل مجثم
بها عن بني الدنيا شكوك التوهم
ولأفضل إلا بالتقى والتكــــــرم

وهنا يتحدث الرصافي عن دور الإسلام في إيقاظ عقول الناس الذين كانوا عن حياتهم غافلين … فبدد بالعلم سحب الجهالة وشحذ همم المسلمين بنور المعرفة ، وأطلق طاقاتهم للعمل المثمر بعيدا عن العصبيات . حتى أصبحت تقاس قيمة كل إنسان بسعيه وجده وتقواه .
وهذه القصيدة استطاعت أن تجسد الكثير من قيم الإسلام العظيمة ..غير أنها ساقت هذه القيم في الغالب من خلال إطار تقليدي من اللغة فيه الكثير من التقرير والمباشرة .
وأخيرا أن لكل واحد منا رأيه الشخصي في قصائد الرصافي او بعض أبياته على الأقل ، وواضح أن الشاعر من خلال قراءة قصائده أراد من الناس إن يهتموا بالحاضر والمستقبل ودور الإسلام وكان للشاعر دور مهم من الماضي ومن التراث العربي بصورة عامه وحيث أراد الشاعر او حاول أن يكون مصلحا في أشعاره .
• ويقول في مشاهدته لأرملة وبنتها الصغيرة، توفي زوجها وتركهما بين الفقر والبؤس الذي يذيب القلوب الجامدة حيث‏ بلغ القمة بوصفه إذ قال في قصيدة (الارملة المرضعة):

• لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا
تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا
تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا

مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ
وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً
وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا
وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

ويصرخ الرصافي ساخرا من الدستور الذي أقره الانتداب البريطاني على العراق ويقول:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّم
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم

وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا

وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا

ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا

والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم

فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم

ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم

فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا

وإذا أُهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم

أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم

أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا



أوجه التشابه والاختلاف بين حافظ ابراهيم والرصافي :
1- من حيث الزمن عاشا في فترة زمنية واحدة ولد الرصافي بعد خمس سنوات من ولاده حافظ ابراهيم.
2- كلاهما من أسرة محافظة فقيرة.
3-كلاهما تعرضا للبؤس والفاقه.
4- وان كل منها يقضي اوقات فراغه في المقاهي وخاصة المقاهي الثقافية.
5- كان حافظ على قول طه حسين صادقا بسيطا بعيدا عن المداورة وطبيعته يسرة لاغموض فيها ولاعسر ولاالتواء.
6- كان الرصافي يتفوق على حافظ من حيث الصراحة وبعده عن المداورة .
7- كان حافظ ابراهيم بعض المرات يغض الطرف عن اعداءه والدليل انه لم يتعرض للاستعمار مدة 18 شهرا اما الرصافي فقد كان يهجو الانكليز والظالمين والملك فيصل ايضا.
8- كانت ثقافة حافظ ابراهيم محدوده الجوانب لاتتجاوز معرفته للادب العربي القديم والمامه باللغة الفرنسية من غير اتقان.
9- يلتقي الرصافي في ثقافته مع حافظ في ضعف الثقافة الاجنبية ان لم يكن يعرف الانكليزية والفرنسية.
10- يلتقي الرصافي مع حافظ في إعتماده على دواوين الشعراء وكتاب الأعاني وغيرة من كتب الأدب. الشعراء المعتدلون :
سلك الاتجاه الكلاسيكي في الشعر العربي الحديث اتجاهين رئيسين :
الاول : اتجاه يتخذ من الشعر العربي القديم مقياسا يحتذيه في الاغراض والاساليب والصور واللغة ويسمى بالاتجاه الكلاسيكي المحافظ ، ويمثل هذا الاتجاه محمود سامي البارودي .
الثاني : هو ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة ، وقد عني شعراء هذا الاتجاه بالوقوف على الاطلال والرسوم ، وعارضوا القصائد القديمة المشهورة ، وحافظوا على أوزان الشعر القديم ، ولكنهم بثوا في كل ذلك مشاعرهم ، ولونوا به عواطفهم ، وعبروا عما تجيش به خواطرهم ، وظهرت معها ملامح عصرهم وطبيعة بيئاتهم ، وذلك كله من خلال موضوعات جديدة ، اي انهم بثوا في الموضوعات القديمة مفاهيم جديدة في السياسة والاجتماع والعلم والاخلاق والتربية .
ومثل هذا الاتجاه كل من احمد شوقي وحافظ ابراهيم والرصافي .
ولعل لظروف الاتصال بين الشرق والغرب ، وتعميم الثقافة وتشعب أبعادها وما استجد معها من قيم حضارية وافكار سياسية ، ومثل اجتماعية ، أثره الواضح في تطور شعر هؤلاء شكلا ومضمونا .









أحمد شوقي : (1869-1932م)


نشأ أحمد شوقي في بيئة أرستقراطية مترفة لها صلة قوية بقصر خديوي مصر ، أُلحق في طفولته بالكُتَّاب ، وانتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية بالقاهرة ، ولما أتم تعليمه الثانوي سنة 1885 أُلحق بمدرسة الحقوق ، ثم تحول إلى قسم الترجمة بها ، وتعرَّف في المدرسة إلى أستاذه الشيخ محمد البسيوني ؛ فدفعه إلى شعر المديح . وأرسله الخديوي توفيق في بعثة إلى فرنسا لمتابعة دراسة الحقوق ، والتعمق في اللغة الفرنسية ، وشؤون الترجمة ، فأكمل دراسته في أربع سنوات ، وهيئت له فرص التجوال في فرنسا ، والتردد على مسارح باريس ، والوقوف على حياتها الأدبية .

فلما عاد إلى مصر عمل رئيساً لقسم الترجمة في ديوان الخديوي . وتوثقت صلته بالخديوي عباس الثاني الذي خلف والده توفيق ، وأصبح مستشاره ومحل ثقته وتقديره ، ووظف شعره للتعبير عن سياسة الخديوي، ويغتنم كل فرصة لمدحه ، وتسجيل مناسبات القصر ، وأعياده المختلفة. وكان هذا الدور كافياً ليكون بعيداً عن حياة الشعب .
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى ، خلع الإنجليز الخديوي عباس عن عرش مصر ، لميله إلى الدولة العثمانية ، وولوا بدلاً منه عمه السلطان حسين كامل . ونفوا– أيضا – أحمد شوقي إلى إسبانيا لولائه لعباس ، وتحمسه للخلافة العثمانية ، وظل بها طوال الحرب (مدة أربع سنوات 1915-1919) ؛ فكانت فرصة لأن يفرغ لنفسه ولشعره ، والتعبير عن ما قاساه في غربته ، وحنينه إلى بلده ، وتعميق مشاعره الوطنية والقومية ، واستلهام أمجاد المسلمين في الأندلس .
وحين وضعت الحرب أوزارها ، رجع شوقي إلى مصر ، إبّان ثورة 1919الوطنية ؛ وجد نفسه في خضم الصراع الجماهيري ضد القوى الأجنبية المسيطرة على ءس سىاتتظكمنتناقلالقلبرصر والمنطقة العربية ؛ فانحاز إلى الشعب ، وانطلق يتغنى بآماله ويعبر عن آلامه ، وشارك الأمة العربية ، وانفعل لأحداثها ، وانتفاضاتها الوطنية . كما خلص لفنه وجمهوره ؛ فذاع شعره ، واحتل مكانة مرموقة بين شعراء العربية . ولما أعاد طبع ديوانه سنة 1927 (1346هـ) أقيم له حفل تكريم عظيم ، وفيه بايعه الشعراء بإمارة الشعر ، وأعلن حافظ إبراهيم هذه المبايعة قائلاً :
أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

آثـــــاره الأدبية :
أ - الآثار الشعرية :
1- ديوان الشوقيات : " في أربعة أجزاء " .
وقد طبع ديوانه لأول مرة سنة 1898م ، وأعاد طبعه سنة 1927م ،
وبمناسبة إعادة طبعه أقيم له حفل تكريم عظيم ، تمجيداً بشاعريته ونبوغه .

2- الشوقيات المجهولة : وهي مجموعة شعرية ، جمعها ودرسها الدكتور محمد صبري ونشرها بعد وفاة الشاعر.

3- المسرحيات الشعرية : " وضعت بين 29-1932"
- المآسي : مصر كليوباترا – قمبيز – علي بك الكبير
عنترة – مجنون ليلى.
- الملهاة : الست هدى .
4- ديوان " دول العرب وعظماء الإسلام " وهي قصيدة طويلة ، نظمها في الأندلس .
ب - الآثار النثرية :
1- مسرحية : أميرة الأندلس .
2- له ثلاث روايات ، هي : عذراء الهند – لادياس – ورقة الآس .
3- كتاب (أسواق الذهب) : وهو عبارة عن مقالات اجتماعية في مختلف الموضوعات ، جمعت عام 1932.

شـعره :
تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة ، فقد حذق العربية والفرنسية ، وكان يعرف التركية . واحتكَّ بالحضارة الغربية في عقر دارها ، ونهل من ثقافتها . واستفاد من توجيه أستاذه الشيخ محمد البسيوني ، كما استفاد من كتاب (الوسيلة الأدبية) للشيخ حسين المرصفي ( ت 1889) ، وما اشتمل عليه من مختارات الشعر الجيد للقدماء ، ونماذج رائعة من شعر البارودي

وساهمت حركة إحياء التراث العربي والإسلامي في اطلاعه على عيون الشعر العربي ، وتمثل نماذجه الرائعة ، وتملك خصائصه ، وصقل موهبته الفنية ؛ فاكتسب قوة في النسج ، وجزالة في الأسلوب .
كما ساهمت صلته بالخديوي عباس الثاني في بناء شخصيته ، ووفرت له المكانة الاجتماعية المرموقة . وفتحت له آفاق النظم ، وارتياد مواضيع جديدة للقول ، منها : متابعة نشاطات الخديوي ، وتحسين مواقفه السياسية للرأي العام المصري ، والإشادة بإنجازات مصر الحضارية ؛ مثل فتح الجامعة ، وإنشاء بنك مصر ، والانفعال بأحداثها الجديدة ، فيهتم بالهلال الأحمر ، ويوجه العمال بمثل قوله مخاطباً لهم :
أيُّـها العمال أفنـوا الــــــعمر كـدَّاً واكتسابا
واعمـروا الأرض فلولا سـعيكم أمسـت يبـابا

ويشيد بدور الصحافة في نهضة البلاد ، قائلاً :
لكل زمـان مضى آية وآيـة هذا الزمـان الصـحف

وقد طرق شوقي بخوضه في هذه الموضوعات الجديدة ميداناً لم يطرقه الشعراء من قبل ، وألجأته لانتهاج أساليب مبتكرة في القول والوصف ، ملائمة لما ارتاده من المعاني .
هذا ، دون أن نغفل أثر المنفى في حياته وشعره ، فلا شك أنه عانى في الغربة ، وأمضَّه الحنين والشوق إلى مصر ، ولكنه ، في الوقت نفسه ، فتح له آفاقاً جديدة من المعاني ، ووجهه إلى التغني بالعروبة ، والاهتمام بتاريخ المسلمين عامة ، وفي الأندلس خاصة ، ويتطور فنه الشعري في الصياغة والمعاني .
أما أسلوب شوقي في الشعر ، فيقوم على احتذاء قوالب الشعر العربي القديم ومعارضتها ، وبعث الصياغة القديمة وإحيائها ، كما فعل البارودي ، فكون بذلك أسلوبه البياني الأصيل ، وهو أسلوب لا يتحرر من القديم ، ولكنه – في الوقت نفسه – يعبِّر عن الشاعر وعصره ، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والقوة ، مع سلاسة في التعبير ، وقوة في السبك ، والتمكن من الإيقاع الشعري ، بجانب قدرته العالية في التصوير ، وبراعته في الوصف . مع إحساس مرهف ، وعاطفة حساسة .
وينقسم شعره قسمين واضحين : قسم قبل منفاه ، وقسم بعده :
كان في القسم الأول على صلة وطيدة بالقصر ، وولاؤه مطلق للأسرة العلوية ؛ فهم الذين تعهدوه ورعوه ، وقدمـوا له العون المادي والمعنوي ، والجاه والمنصب ؛ فكان حقاً عليه أن يكون شاعر الخديوي عباس ، وأن يدور شعره في فلكه ، يهادن من يهادنه ، ويعادي من يعاديه ، فأصبح شعره مقصوراً ـ في غالبه ـ على ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فهو يمدحه في جميع المناسبات ، وهو يشيد بالترك والخلافة العثمانية ، إرضاءً له ، وتقرباً إليه .
وفي هذه الحقبة من حياته تطور في فنه صياغة وأسلوباً ، كما تأثر شعراء الغرب في شعرهم التاريخي ، فنظم قصائد كثيرة عن تاريخ مصر والبلاد العربية ، مثل قصيدته : (كبار الحوادث في وادي النيل) وقصيدة (أنس الوجود) .
وعلى الرغم من أنه ، في هذه المرحلة من حياته ، لم يكن يعني بالجمهور عناية مباشرة ، بل كان بعيداً عنه بحكم أسرته الأرستقراطية ، وبحكم وظيفته في القصر ، ومع ذلك لم يغفل الجمهور في شعره : من ذلك أنه طبع ديوانه للجمهور ، وكان ينشر شعره في الصحف ، ويراعي في مدائحه كل المناسبات التي تهم الجمهور ، ويمد آفاق شعره إلى اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين جميعاً ، ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية .
أما بعد النفي ، فإنه ظل في الأندلس شاعراً تقليدياً من بعض جوانبه ، فاهتم بمعارضة القصائد القديمة الرائعة ، ونظم على وزنها وقافيتها ؛ مدفوعاً ـ كما يقول أحد الباحثين ـ بشهوة ، هدفها الإبداع والتحدي ، ورغبة منه في الوقوف على قدم المساواة مع غيره من فحول الشعراء الأقدمين ، بل في التفوق عليهم وعلى معاصريه ؛ ليثبت أنه لا يقل قدراً وقدرة عن أولئك القدماء الذين احتفى بهم النقاد في القديم والحديث .
وبعد رجوعه من المنفى اتجه إلى الجمهور ، وصور عواطفه ، وأهواءه السياسية تصويراً قوياً باهراً . وقدم للأدب العربي في هذه المرحلة مسرحياته الشعرية ، فكان بذلك رائداً في هذا اللون من التأليف . كما كان رائداً في أدب الأطفال ، حين قدم كثيراً من الحكايات والقصص الشعرية التي تتناول الحيوان وغيره ، وخصَّ بها الأطفال ، والقطاعات الشعبية .
ولا شك أن أسلوبه تأثر كثيراً بهذه المرحلة الهامة من حياته ، فكتب للجمهور العربي هذه المسرحيات ، وفي ذهنه أنها ستعرض على قطاعات الشعب ، كما تأثر في كتاباته الشعرية للأطفال ، وفي أغانيه ، وفي أناشيده الوطنية .
عاطفته الدينية :
تشعر وأنت تقرأ شعر شوقي بقوة أثر الدين فيه وعمق إحساسه به ، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تلميحات دينية مختلفة ، وإشارات واضحة لقيم الإسلام وفضائله .
وشعره الإسلامي يفيض بالحب الصادق ، والعاطفة الجياشة ، ويهتم فيها بإظهار صفات القدوة والمثل بنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - ، ويذكر شمائله البينات كما يفصل الحديث في كثير من قصائده عن جوانب رسالة الإسلام العملية التي تفيد الناس في دنياهم ، إلى جانب تحفيز الهمم ، وبث الثقة في نفوس المسلمين ، وتقوية عزائمهم ، وتذكيرهم برسالة الدعوة ، والجهاد في سبيلها
وذكر شوقي ضيف أن أحمد شوقي كان يراعي الرأي العام في قصائده ، وينتهز فرصة المناسبات العامة التي تهمهم ، وكان يعتصر في بعض مدائحه اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين في جميع الأقطار … ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية . وذهب باحث آخر إلى أن طبيعة المناسبة كانت تتحكم في شوقي ؛ " فهو كشاعر أرستقراطي لابد له أن يتفاعل مع طبقته هذه ، وأن ينظم شعراً يعكس اهتمامات هذه الطبقة الاجتماعية ؛ فينظم غزلاً . ولا يجد ضرراً في نظم القصائد الدينية ، وفي طليعتها المولد النبوي ، ومدح الرسول ، والحضِّ على التمسك بالأخلاق الحميدة ؛ لأن المناسبة تدعوه إلى هذا التوجه ".
وقصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه واله - ، خمس ، هي :
1- نهج البردة : ومطلعها :
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمِي في الأشهُرِ الحُرُم

وقد عارض بها بردة البوصيري التي مطلعها :
أمِنْ تذكُّرِ جِيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزجتَ دمعاً جرى من مُقلَةٍ بِدَمِ

2- القصيدة الثانية : ذكرى المولد ، ومطلعها :
سَلُوا قلبِي غَدَاة سَلا وتَابَا
لَعَلَّ على الجمالِ له عِتابا

وهي معارضة لقصيدة ابن حمديس الصقلي ، التي يقول فيها متذمراً من الزمان ، وغدر أهله :
إلى كم تسمع الزمن العتابا
تخاطبه ولا يدري جوابا

3- القصيدة الثالثة : مدح فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثنى بأخلاقه وجهاده ومكانته ومعجزاته ، ومطلعها :
كِلا جَفنَيكَ يَعلَمُه
بهِ سِحرٌ يُتَيِّمُه

4- القصيدة الرابعة : قصيدة " دول العرب وعظماء الإسلام " وعدد أبياتها (1726 بيتاً ، منها (153) بيتاً في السيرة النبوية .

5- القصيدة الخامسة : " الهمزية " ، وهي معارضة ضمنية لقصيدة البوصيري التي مطلعها :
كيف تَرقَى رُقِيَّكَ الأنبياء يا سَماءً ما طاولَتْها سَماءُ




قصيدة سلو قلبي



سلو قلبي غداة سلا وتابا *** لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما *** تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
تسرب في الدموع فقلت:ولى *** وصفق في الضلوع فقلت: ثابا
ولو خلقت قلوب من حديد *** لما حملت كما حمل العذابا
وأحباب سقيت بهم سلافا *** وكان الوصل من قصر حبابا
ونادمنا الشباب على بساط *** من اللذات مختلف شرابا
وكل بساط عيش سوف يطوى *** وإن طال الزمان به وطابا
كأن القلب بعدهم غريب *** إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي *** كمن فقد الأحبة والصحابا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى *** تبدل كل آونة إهابا
وأن الرقط أيقظ هاجعات *** وأترع في ظلال السلم نابا
ومن عجب تشيب عاشقيها *** وتفنيهم وما برحت كعابا
فمن يغتر بالدنيا فإني *** لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبي *** ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا *** وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما *** ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا *** صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حر *** يقلد قومه المنن الرغابا
ولم أر مثل جمع المال داء *** ولا مثل البخيل به مصابا
فلا تقتلك شهوته وزنها *** كما تزن الطعام أو الشرابا
وخذ لبنيك والأيام ذخرا *** وأعط الله حصته احتسابا
فلو طالعت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتيابا
وأن البر خير في حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
وأن الشر يصدع فاعليه *** ولم أر خيرا بالشر آبا
فرفقا بالبنين إذا الليالي *** على الأعقاب أوقعت العقابا
ولم يتقلدوا شكر اليتامى *** ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
عجبت لمعشر صلوا وصاموا *** عواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صما *** إذا داعي الزكاة بهم أهابا
لقد كتموا نصيب الله منه *** كأن الله لم يحص النصابا
ومن يعدل بحب الله شيئا *** كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء برا *** وبالأيتام حبا وارتبابا
فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعا وفخرا *** ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلم ما استطعت لعل جيلا *** سيأتي يحدث العجب العجابا
ولا ترهق شباب الحي يأسا *** فإن اليأس يخترم الشبابا
يريد الخالق الرزق اشتراكا *** وإن يك خص أقواما وحابى
فما حرم المجد جنى يديه *** ولا نسي الشقي ولا المصابا
ولولا البخل لم يهلك فريق *** على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوما وقبلي *** دعاة البر قد سئموا الخطابا
ولو أني خطبت على جماد *** فجرت به الينابيع العذابا
ألم تر للهواء جرى فأفضى *** إلى الأكواخ واخترق القبابا
وأن الشمس في الآفاق تغشى *** حمى كسرى كما تغشى اليبابا
وأن الماء تروى الأسد منه *** ويشفي من تلعلعها الكلابا
وسوى الله بينكم المنايا *** ووسدكم مع الرسل الترابا
وأرسل عائلا منكم يتيما *** دنا من ذي الجلال فكان قابا
نبي البر بينه سبيلا *** وسن خلاله وهدى الشعابا
تفرق بعد عيسى الناس فيه *** فلما جاء كان لهم متابا
وشافي النفس من نزعات شر *** كشاف من طبائعها الذئابا
وكان بيانه للهدي سبلا *** وكانت خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى *** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
تجلى مولد الهادي وعمت *** بشائره البوادي والقصابا
وأسدت للبرية بنت وهب *** يدا بيضاء طوقت الرقابا
لقد وضعته وهاجا منيرا *** كما تلد السماوات الشهابا
فقام على سماء البيت نورا *** يضيء جبال مكة والنقابا
وضاعت يثرب الفيحاء مسكا *** وفاح القاع أرجاء وطابا
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا
فما عرف البلاغة ذو بيان *** إذا لم يتخذك له كتابا
مدحت المالكين فزدت قدرا *** فحين مدحتك اقتدت السحابا
سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجابا
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابا
كأن النحس حين جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابهم فيها مهيبا *** وللأخلاق أجدر أن تهابا
فلولاها لساوى الليث ذئبا *** وساوى الصارم الماضي قرابا
فإن قرنت مكارمها بعلم *** تذللت العلا بهما صعابا
وفي هذا الزمان مسيح علم *** يرد على بني الأمم الشبابا









حافظ ابراهيم : (1872 - 1932)



ولد محمد حافظ إبراهيم في ديروط بمحافظ أسيوط عام 1872م، وكان والده مهندسًا، وقد تُوُفِّيَ والده وهو في الرابعة من عمره، فاتجهت به أُمُّه إلى القاهرة، فظلَّ تحت رعاية خاله، الذي ألحقه بالمدرسة الخيريَّة بالقلعة، فبقي في القاهرة حتى التحاقه بالمدرسة الخديويَّة الثانويَّة، ثم انتقل مع خاله إلى طنطا عام 1888م؛ حيث كان يعمل مهندسًا للتنظيم هناك، وقد التحق حافظ إبراهيم بالمحاماة، لكنه سرعان ما ضجر منها، وتركها عائدًا إلى القاهرة ملتحقًا بالمدرسة الحربيَّة، وتخرَّج فيها برتبة ملازم ثان عام 1891م، وقد قارب العشرين من عمره، فاستعانت به وزارة الداخلية، ثم استغنت عنه، ثم عاد مرَّة أخرى إلى وزارة الحربيَّة، فحوَّلته بدورها إلى الاستيداع لتراخيه وتكاسله في عمله عام 1895م ثم عاد حافظ إبراهيم مرَّة أخرى إلى العمل بوزارة الحربية حيث تمَّ إرساله إلى السودان مع الجنرال الإنجليزي "كيتشنر "ليعمل تحت إمرته، وفي السودان عانى حافظ من صلف الجنرال الإنجليزي، واتُّهِم بعدها حافظ إبراهيم بتحريض الضبَّاط على العصيان والتمرُّد، فيُحال مرَّة أخرى للاستيداع سنة 1900م، فعاد للقاهرة باحثًا عن وظيفة مدنيَّة يقتات منها، ولكنَّ الشاعر ظلَّ يكابد قسوة الحياة، معتمدًا على راتب الاستيداع الذي لم يتجاوز الأربعة جنيهات، لكنه في عام 1911م عُيِّن بدار الكتب بواسطة أحمد حشمت باشا، ثم يمنحه درجة الباكوية، ثم نيشان النيل، فأشاد به حافظ إبراهيم في أكثر من موضع قائلاً:
إِلَيكَ أَبا حَسَنٍ أَنتَمي *** فَما زَلَّ مَولًى إِلَيكَ انتَسَبْ
عَرَفتَ مَكاني فَأَدنَيتَني *** وَشَرَّفتَ قَدري بِدارِ الكُتُب
وتطيب حياة حافظ في عمله الجديد، وتمتدُّ إلى أن يحال للتقاعد سنة 1932م، فيبدأ بالوهن والشيخوخة.
ولم يغفل حافظ إبراهيم الاهتمام بالجانب الوطني والقومي في شعره، فقد عاش في فترة تموج بها الأُمَّة بالكثير من الظلم والفساد، فالمحتلُّ الغاشم على صدور العباد، والناس إمَّا مقهور مظلوم فقير، أو متَّبِع لاهٍ، والإنجليز في مصر يعيثون فيها فسادًا، فقد كتب حافظ إبراهيم قصيدة قويَّة النبرة، يظهر فيها حسُّه الوطني؛ فأنشأ قصيدة نُشرت في جريد اللواء الوطنية وذلك عام 1906م بسبب ما حدث للمصريين من محاكمات ظالمة إثر حادثة دُنشواي، فقام مستصرخًا مستهزئًا:
أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا *** هَل نَسِيتُمْ وَلاءَنا وَالوِدَادَا
خَفِّضوا جَيشَكُمْ وَنامُوا هَنيئًا *** وَابتَغوا صَيْدَكُمْ وَجوبُوا البِلادَا
وَإِذا أَعوَزَتكُمُ ذاتُ طَوقٍ *** بَيْنَ تِلكَ الرُّبا فَصيدوا العِبَادَا
إِنَّما نَحْنُ وَالحَمامُ سَواءٌ *** لَم تُغادِرْ أَطواقُنا الأَجيَادَا
لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحْكَمَةُ التَفْـ *** ـتيشِ عادَتْ أَم عَهدُ نيرونَ عَادَا
كَيفَ يَحلو مِنَ القَوِيِّ التَشَفّي *** مِن ضَعيفٍ أَلقى إِلَيهِ القِيَادَا
أَنتَ جَلاَّدُنا فَلا تَنسَ أَنَّا *** قَد لَبِسنا عَلى يَدَيكَ الحِدَادَا
يمكن القول ان حافظا استطاع أن يلتحق بركب أحمد شوقي، حتى بات ذكر شوقي أمير الشعراء، مقرونًا بحافظ إبراهيم شاعر النيل؛ فكلاهما استطاع أن يُلهب المتلقِّي حماسة قويَّة ناتجة عن اللوحات الفنية الصادقة، والتي كان لها أكبر الأثر في قراءة جديدة للشعر العربي الحديث، والذي كان من أكبر أثره ظهور شعر الإسلاميات، الذي أعاد كثيرًا من مثقَّفي العربيَّة إلى حقيقتهم الوجوديَّة في هذا الكون.
وفاة حافظ إبراهيم
أحيل حافظ إبراهيم إلى المعاش عام 1932م، ولم يمض على تقاعده سوى أربعة أشهر ونصف حتى صَعِدت روحه إلى بارئها في الحادي والعشرين من يوليو عام 1932م، بعد حياة متقلِّبة من اليُتم والبؤس والفقر والحرمان .











معروف عبد الغني الرصافي : (1875-1945)

ولد الشاعر معروف عبد الغني الرصافي في بغداد عام 1875م بجانب الرصافه منها وجاء لقبه ( الرصافي ) نسبه الى جانب الرصافه . وبدا ينظم الشعر في مطلع شبابه حيث كان جريئا في قسم من أشعاره السياسية ، فقد هاجم بإشعاره ألدوله العثمانية وسلطات الاحتلال البريطانية وواصل تلقي علومه في المعاهد ألدينيه .
درس الرصافي الأدب في بغداد واللغة العربية وكان أسلوبه بسيط واضح يهدف منه معالجه ما كان يعانيه المجتمع العراقي أيام الشاعر من جهل ومرض وفقر ... فهو شاعر إصلاح وتوجيه .
لقد كان الشاعر يتميز بأنه كان يوجه أكثر شعره الى الناس بأسلوب واضح إيقاظا للهمم وتنبيها للأذهان ويهدف من وراء ذلك معالجه ما كان يتصف به المجتمع العراقي آنذاك من فقر وجهل لان الظروف التي مر بها المجتمع اقتضت من الشعراء ان يكرسوا شعرهم لخدمه المجتمع العراقي .
لقد لزم الشاعر الرصافي العالم محمود شكري الالوسي ثلاث عشرة سنة . ولقد توفي الرصافي سنة 1945م وقد جاء في وصية تركها بعد وفاته " كل ما كتبته من نظم ونثر لم اجعل هدفي منه منفعتي ألشخصيه وإنما قصدت به منفعة المجتمع "
وله ديوان شعر ضخم وله بحوث منها :
• على باب سجن أبي العلاء
• رسائل التعليقات .
ولو نظرنا إلى بيئة الشاعر السياسية والادبيه حتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان الرصافي والزهاوي والكاظمي والجواهري ، كان شعرهم جميلا يعبر تعبيرا صادقا عن كل ما يتعلق بالمجتمع العراقي في جميع شؤونه ومشاكله وأمانيه .

ويمكن القول إن الشعر السياسي والاجتماعي قد برز الى الوجود – فكان نقطة تحول من حدود النزعه الفردية الى المشاركه الوجدانيه لآلام الشعب واماله . ولقد اهتم الشعراء بالفقراء والفقر والبؤس والشقاء ثم الدعوة الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس والقضاء على الفوارق الطبقيه ، ثم الدعوة لمشاركة المرأه مع الرجل في ميادين العلم والعمل ، هذا من الناحية ألاجتماعيه ، وإما من الناحية السياسية فقد شارك الشعر العربي في العراق مشاركة فعاله في الاحداث السياسية التي جرت على مسرح السياسية داخل العراق وخارجه .
لقد كان للبيئة السياسية في العراق الأثر الفعال في شعر الرصافي ونتيجة لسيطرة (الايليخانيين) والتخريب الذي قام به التتار من جماعه هولاكو فقد بقيت بغداد محتفظة بصفتها البائسة حتى تم استيلاء العثمانيين على العراق عام 921هج (1534م) . إذ أن العراق بعد انقراض الحكم المغولي او (الايلخاني ) ظل تحت سيطرة الحكم الجلائري ثم بعد ذلك جاءت دولة الخروف الأبيض (اقوينلو) ثم جاءت (الدولة الصفويه) من إيران .
وهكذا انتقل العراق من الحكم التركماني الى الفارسي وبعد ذلك الى الحكم العثماني ، على يد السلطان مراد الرابع 1048هج ثم جاء النفوذ البريطاني .
ومما تقدم يمكن أن نشهد الخطوط العامه للوقائع والاحداث السياسية التي مرت في العراق والتي بدورها كان لها الأثر في شعر هذا الشاعر ، فمنذ أن بدا الفساد يعم في العراق بعد زوال الدوله العباسية حتى بعد الرصافي والرصافي الذي امتدت حياته السياسية أكثر من نصف قرن قد عاصر معظم الاحداث السياسية . ولذلك فقد سجل معظم هذه الاحداث في شعره تسجيلا دقيقا وله مواقفه الوطنيه الصادقة ، ولهذا فان شعره السياسي هو خير سجل لهذه الأحداث والامه العربية كلها .
لقد كان شعر الرصافي صوتا قويا تجاه سياسية السلطان عبد الحميد التعسفية وجمعية الاتحاد والترقي التي حكمت بعد خلع السلطان عبد الحميد .
وساهم الشاعر بشكل حازم بشعره ضد الإنكليز الذين استعمروا العراق وأسهم الشعر في إشاعة الروح القوميه وتوحيد أجزاء الدوله العربية وإقامة دوله عربية موحدة . ولهذا فقد كان الشعر هو السبب في مطاردة هؤلاء الشعراء الأحرار والفتك بهم من قبل السلطات ألاستعماريه الحاكمه آنذاك .
وعلى هذه الصورة نهض هذا الشاعر بشعره من الكبوة التي صار إليها الشعر بعد عهد الانحطاط ودخل في عهد جديد من النمو والازدهار .
وقد حدد بعض الأدباء بداية هذه النهضة الأدبية الحديثه وقال بعضهم انها بدأت عام (1908م) أي عند إعلان الدستور العثماني . وقال البعض الأخر انها بدأت عام (1921م) عند قيام الحكم الوطني في العراق .
وعندما نصب الملك فيصل ملكا على العراق قام الصراع بينه وبين الشاعر من جهة وبين الإنكليز والشاعر من جهة أخرى ، حيث كان الملك فيصل يكن عداء للرصافي ، وقد كان للرصافي قصيدة من غرر قصائده السياسية والنفسية وعنوانها ( بعد النزوح) في الديوان إذ كان الرصافي يحب العراق وأهل العراق حيث يقول :

أنا ابن دجلة معــــــروف بها أدبي
قد كنت بلبلها الغــــــــريد أنشدها
ويل لبغداد ممــــــــا سوف تذكره
لقد سقيت بفيض الـــــدمع أربعـها وان يك المــاء منها ليــــس يروينـــي
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
عني وعنها الـليـالـي فــــي الدواويـــن
على جوانب ود ليس يسقينــي

ومن أجل موقفه الوطني فقد ظل مبعدا عن كل المناصب .
لقد طرق الرصافي معظم القضايا بشعر ومن الأمور الاجتماعيه التي طرقها (العلم) فلا حياة لمن لا علم له ـ والعلم نور والجهل ظلام ـ فالشاعر كان يحسب الجاهل ميتا في هذه الحياة من قبل الممات وهو يحسب العالم حيا لا يموت وتطرق الى البؤس والفقر ولقد كان يقول : " كانت مشاهد البؤس من اشد الدواعي عندي الى نظم الشعر " ، كما انه كتب عن النفاق والحسد والكذب لأنها تتصل بالمجتمع .
ولقد كان للرصافي دور في الدعوة التحررية لاقتصادنا العربي لأنه كافح الاستعمار السياسي والفكري فقد كافح من اجل الناحية الاقتصاديه .
وكان الرصافي يؤمن بالقومية العربية ومقوماتها ثم يدعو الى تحقيق أهدافها ولا مجال للشك في قوميته حيث كانت أهداف القوميه العربية في شعره تكمن في:
أ‌) القضاء على الاستعمار بمختلف أشكاله .
ب‌) إقامة كيان عام على شكل دولة موحدة .
ج) تحقيق العدالة الاجتماعيه والاقتصادية في الوطن العربي الكبير .

واهم خصائص شعره السياسي :
1) امتلاك ناصية التعبير امتلاكا محكما .
2) اختيار الألفاظ السهلة .
3) نظمه للقوافي والأوزان بصورة جيدة والتي تناسب المقام والقصد .
4) الانفعالات والأحاسيس الصادقة .
قال الرصافي :-
( المستقبل )

أرى مستقبل الأيام أولى
بمطمح من يحــــاول أن يســـودا

فما بلغ المقاصد غير ساع
يردد في غد نظرا سديدا

وهل ان كان حاضرنا شقيا
نسود بكون ماضينا سعيدا

تقدم ايها العربي شوطا
فان أمامك العيش الرغيدا

فشر العالمين ذوو خمول
اذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم
أقام لنفسه حسبا جديدا

تراه اذا ادعى في الناس فخرا
تقيم له مكارمه الشهودا

فدعني والفخار بمجد قوم
مضى الزمن القديم بهم حميدا

اذا ما الجهل خيم في بلاد
رأيت أسودها مسخت قرودا


وهنا يخاطب الشاعر الناشئة الذين استولى عليهم الكسل وترى الشاعر يحث الناس إلى أن يضعوا الماضي نصب أعينهم فيطالب أبناء جيله أن يوجهوا أنظارهم إلى المستقبل إن كانوا يطمحون إلى السيادة والاستقلال ويتضح من خلال الأبيات نزعة الشاعر إلى الإصلاح للمجتمع مما كان يعاني من فقر ومرض وجهل بأسلوب واضح لا غموض في
وللرصافي قصيدة بعنوان ( لقد أيقظ الإسلام ) يقول فيها :

لقد أيقظ الإسلام للمجد والعــــلا
وحلت له الأيــــام عــــند قيامــــــه
فأشرق نـــور العلم مــن حجراتـــه
وانشــــط بالعــلم العزائــم وابتنــى
وأطلق أذهان الورى من قيادهـا
وفك إسـار القــوم حتى تحــــضروا
ولاحت تباشير الحقائق فانجلــت
ولا فـــخر للإنســـــان آلا بسعـيــــــه بصائر أقوام عن المــــجد نـــوم
حباها وأبــدت منظـــر المتبســم
على وجه عصر بالجهالة مظلــــم
لأهلية مجدا ليـــس بالمتهـــــــدم
فطارت بأفكار على المجد حوم
نهوضا إلى العلياء من كـل مجثم
بها عن بني الدنيا شكوك التوهم
ولأفضل إلا بالتقى والتكــــــرم

وهنا يتحدث الرصافي عن دور الإسلام في إيقاظ عقول الناس الذين كانوا عن حياتهم غافلين … فبدد بالعلم سحب الجهالة وشحذ همم المسلمين بنور المعرفة ، وأطلق طاقاتهم للعمل المثمر بعيدا عن العصبيات . حتى أصبحت تقاس قيمة كل إنسان بسعيه وجده وتقواه .
وهذه القصيدة استطاعت أن تجسد الكثير من قيم الإسلام العظيمة ..غير أنها ساقت هذه القيم في الغالب من خلال إطار تقليدي من اللغة فيه الكثير من التقرير والمباشرة .
وأخيرا أن لكل واحد منا رأيه الشخصي في قصائد الرصافي او بعض أبياته على الأقل ، وواضح أن الشاعر من خلال قراءة قصائده أراد من الناس إن يهتموا بالحاضر والمستقبل ودور الإسلام وكان للشاعر دور مهم من الماضي ومن التراث العربي بصورة عامه وحيث أراد الشاعر او حاول أن يكون مصلحا في أشعاره .
• ويقول في مشاهدته لأرملة وبنتها الصغيرة، توفي زوجها وتركهما بين الفقر والبؤس الذي يذيب القلوب الجامدة حيث‏ بلغ القمة بوصفه إذ قال في قصيدة (الارملة المرضعة):

• لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا
تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا
تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا

مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ
وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً
وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا
وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

ويصرخ الرصافي ساخرا من الدستور الذي أقره الانتداب البريطاني على العراق ويقول:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّم
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم

وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا

وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا

ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا

والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم

فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم

ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم

فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا

وإذا أُهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم

أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم

أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا



أوجه التشابه والاختلاف بين حافظ ابراهيم والرصافي :
1- من حيث الزمن عاشا في فترة زمنية واحدة ولد الرصافي بعد خمس سنوات من ولاده حافظ ابراهيم.
2- كلاهما من أسرة محافظة فقيرة.
3-كلاهما تعرضا للبؤس والفاقه.
4- وان كل منها يقضي اوقات فراغه في المقاهي وخاصة المقاهي الثقافية.
5- كان حافظ على قول طه حسين صادقا بسيطا بعيدا عن المداورة وطبيعته يسرة لاغموض فيها ولاعسر ولاالتواء.
6- كان الرصافي يتفوق على حافظ من حيث الصراحة وبعده عن المداورة .
7- كان حافظ ابراهيم بعض المرات يغض الطرف عن اعداءه والدليل انه لم يتعرض للاستعمار مدة 18 شهرا اما الرصافي فقد كان يهجو الانكليز والظالمين والملك فيصل ايضا.
8- كانت ثقافة حافظ ابراهيم محدوده الجوانب لاتتجاوز معرفته للادب العربي القديم والمامه باللغة الفرنسية من غير اتقان.
9- يلتقي الرصافي في ثقافته مع حافظ في ضعف الثقافة الاجنبية ان لم يكن يعرف الانكليزية والفرنسية.
10- يلتقي الرصافي مع حافظ في إعتماده على دواوين الشعراء وكتاب الأعاني وغيرة من كتب الأدب. الشعراء المعتدلون :
سلك الاتجاه الكلاسيكي في الشعر العربي الحديث اتجاهين رئيسين :
الاول : اتجاه يتخذ من الشعر العربي القديم مقياسا يحتذيه في الاغراض والاساليب والصور واللغة ويسمى بالاتجاه الكلاسيكي المحافظ ، ويمثل هذا الاتجاه محمود سامي البارودي .
الثاني : هو ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة ، وقد عني شعراء هذا الاتجاه بالوقوف على الاطلال والرسوم ، وعارضوا القصائد القديمة المشهورة ، وحافظوا على أوزان الشعر القديم ، ولكنهم بثوا في كل ذلك مشاعرهم ، ولونوا به عواطفهم ، وعبروا عما تجيش به خواطرهم ، وظهرت معها ملامح عصرهم وطبيعة بيئاتهم ، وذلك كله من خلال موضوعات جديدة ، اي انهم بثوا في الموضوعات القديمة مفاهيم جديدة في السياسة والاجتماع والعلم والاخلاق والتربية .
ومثل هذا الاتجاه كل من احمد شوقي وحافظ ابراهيم والرصافي .
ولعل لظروف الاتصال بين الشرق والغرب ، وتعميم الثقافة وتشعب أبعادها وما استجد معها من قيم حضارية وافكار سياسية ، ومثل اجتماعية ، أثره الواضح في تطور شعر هؤلاء شكلا ومضمونا .









أحمد شوقي : (1869-1932م)


نشأ أحمد شوقي في بيئة أرستقراطية مترفة لها صلة قوية بقصر خديوي مصر ، أُلحق في طفولته بالكُتَّاب ، وانتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية بالقاهرة ، ولما أتم تعليمه الثانوي سنة 1885 أُلحق بمدرسة الحقوق ، ثم تحول إلى قسم الترجمة بها ، وتعرَّف في المدرسة إلى أستاذه الشيخ محمد البسيوني ؛ فدفعه إلى شعر المديح . وأرسله الخديوي توفيق في بعثة إلى فرنسا لمتابعة دراسة الحقوق ، والتعمق في اللغة الفرنسية ، وشؤون الترجمة ، فأكمل دراسته في أربع سنوات ، وهيئت له فرص التجوال في فرنسا ، والتردد على مسارح باريس ، والوقوف على حياتها الأدبية .

فلما عاد إلى مصر عمل رئيساً لقسم الترجمة في ديوان الخديوي . وتوثقت صلته بالخديوي عباس الثاني الذي خلف والده توفيق ، وأصبح مستشاره ومحل ثقته وتقديره ، ووظف شعره للتعبير عن سياسة الخديوي، ويغتنم كل فرصة لمدحه ، وتسجيل مناسبات القصر ، وأعياده المختلفة. وكان هذا الدور كافياً ليكون بعيداً عن حياة الشعب .
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى ، خلع الإنجليز الخديوي عباس عن عرش مصر ، لميله إلى الدولة العثمانية ، وولوا بدلاً منه عمه السلطان حسين كامل . ونفوا– أيضا – أحمد شوقي إلى إسبانيا لولائه لعباس ، وتحمسه للخلافة العثمانية ، وظل بها طوال الحرب (مدة أربع سنوات 1915-1919) ؛ فكانت فرصة لأن يفرغ لنفسه ولشعره ، والتعبير عن ما قاساه في غربته ، وحنينه إلى بلده ، وتعميق مشاعره الوطنية والقومية ، واستلهام أمجاد المسلمين في الأندلس .
وحين وضعت الحرب أوزارها ، رجع شوقي إلى مصر ، إبّان ثورة 1919الوطنية ؛ وجد نفسه في خضم الصراع الجماهيري ضد القوى الأجنبية المسيطرة على ءس سىاتتظكمنتناقلالقلبرصر والمنطقة العربية ؛ فانحاز إلى الشعب ، وانطلق يتغنى بآماله ويعبر عن آلامه ، وشارك الأمة العربية ، وانفعل لأحداثها ، وانتفاضاتها الوطنية . كما خلص لفنه وجمهوره ؛ فذاع شعره ، واحتل مكانة مرموقة بين شعراء العربية . ولما أعاد طبع ديوانه سنة 1927 (1346هـ) أقيم له حفل تكريم عظيم ، وفيه بايعه الشعراء بإمارة الشعر ، وأعلن حافظ إبراهيم هذه المبايعة قائلاً :
أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

آثـــــاره الأدبية :
أ - الآثار الشعرية :
1- ديوان الشوقيات : " في أربعة أجزاء " .
وقد طبع ديوانه لأول مرة سنة 1898م ، وأعاد طبعه سنة 1927م ،
وبمناسبة إعادة طبعه أقيم له حفل تكريم عظيم ، تمجيداً بشاعريته ونبوغه .

2- الشوقيات المجهولة : وهي مجموعة شعرية ، جمعها ودرسها الدكتور محمد صبري ونشرها بعد وفاة الشاعر.

3- المسرحيات الشعرية : " وضعت بين 29-1932"
- المآسي : مصر كليوباترا – قمبيز – علي بك الكبير
عنترة – مجنون ليلى.
- الملهاة : الست هدى .
4- ديوان " دول العرب وعظماء الإسلام " وهي قصيدة طويلة ، نظمها في الأندلس .
ب - الآثار النثرية :
1- مسرحية : أميرة الأندلس .
2- له ثلاث روايات ، هي : عذراء الهند – لادياس – ورقة الآس .
3- كتاب (أسواق الذهب) : وهو عبارة عن مقالات اجتماعية في مختلف الموضوعات ، جمعت عام 1932.

شـعره :
تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة ، فقد حذق العربية والفرنسية ، وكان يعرف التركية . واحتكَّ بالحضارة الغربية في عقر دارها ، ونهل من ثقافتها . واستفاد من توجيه أستاذه الشيخ محمد البسيوني ، كما استفاد من كتاب (الوسيلة الأدبية) للشيخ حسين المرصفي ( ت 1889) ، وما اشتمل عليه من مختارات الشعر الجيد للقدماء ، ونماذج رائعة من شعر البارودي

وساهمت حركة إحياء التراث العربي والإسلامي في اطلاعه على عيون الشعر العربي ، وتمثل نماذجه الرائعة ، وتملك خصائصه ، وصقل موهبته الفنية ؛ فاكتسب قوة في النسج ، وجزالة في الأسلوب .
كما ساهمت صلته بالخديوي عباس الثاني في بناء شخصيته ، ووفرت له المكانة الاجتماعية المرموقة . وفتحت له آفاق النظم ، وارتياد مواضيع جديدة للقول ، منها : متابعة نشاطات الخديوي ، وتحسين مواقفه السياسية للرأي العام المصري ، والإشادة بإنجازات مصر الحضارية ؛ مثل فتح الجامعة ، وإنشاء بنك مصر ، والانفعال بأحداثها الجديدة ، فيهتم بالهلال الأحمر ، ويوجه العمال بمثل قوله مخاطباً لهم :
أيُّـها العمال أفنـوا الــــــعمر كـدَّاً واكتسابا
واعمـروا الأرض فلولا سـعيكم أمسـت يبـابا

ويشيد بدور الصحافة في نهضة البلاد ، قائلاً :
لكل زمـان مضى آية وآيـة هذا الزمـان الصـحف

وقد طرق شوقي بخوضه في هذه الموضوعات الجديدة ميداناً لم يطرقه الشعراء من قبل ، وألجأته لانتهاج أساليب مبتكرة في القول والوصف ، ملائمة لما ارتاده من المعاني .
هذا ، دون أن نغفل أثر المنفى في حياته وشعره ، فلا شك أنه عانى في الغربة ، وأمضَّه الحنين والشوق إلى مصر ، ولكنه ، في الوقت نفسه ، فتح له آفاقاً جديدة من المعاني ، ووجهه إلى التغني بالعروبة ، والاهتمام بتاريخ المسلمين عامة ، وفي الأندلس خاصة ، ويتطور فنه الشعري في الصياغة والمعاني .
أما أسلوب شوقي في الشعر ، فيقوم على احتذاء قوالب الشعر العربي القديم ومعارضتها ، وبعث الصياغة القديمة وإحيائها ، كما فعل البارودي ، فكون بذلك أسلوبه البياني الأصيل ، وهو أسلوب لا يتحرر من القديم ، ولكنه – في الوقت نفسه – يعبِّر عن الشاعر وعصره ، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والقوة ، مع سلاسة في التعبير ، وقوة في السبك ، والتمكن من الإيقاع الشعري ، بجانب قدرته العالية في التصوير ، وبراعته في الوصف . مع إحساس مرهف ، وعاطفة حساسة .
وينقسم شعره قسمين واضحين : قسم قبل منفاه ، وقسم بعده :
كان في القسم الأول على صلة وطيدة بالقصر ، وولاؤه مطلق للأسرة العلوية ؛ فهم الذين تعهدوه ورعوه ، وقدمـوا له العون المادي والمعنوي ، والجاه والمنصب ؛ فكان حقاً عليه أن يكون شاعر الخديوي عباس ، وأن يدور شعره في فلكه ، يهادن من يهادنه ، ويعادي من يعاديه ، فأصبح شعره مقصوراً ـ في غالبه ـ على ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فهو يمدحه في جميع المناسبات ، وهو يشيد بالترك والخلافة العثمانية ، إرضاءً له ، وتقرباً إليه .
وفي هذه الحقبة من حياته تطور في فنه صياغة وأسلوباً ، كما تأثر شعراء الغرب في شعرهم التاريخي ، فنظم قصائد كثيرة عن تاريخ مصر والبلاد العربية ، مثل قصيدته : (كبار الحوادث في وادي النيل) وقصيدة (أنس الوجود) .
وعلى الرغم من أنه ، في هذه المرحلة من حياته ، لم يكن يعني بالجمهور عناية مباشرة ، بل كان بعيداً عنه بحكم أسرته الأرستقراطية ، وبحكم وظيفته في القصر ، ومع ذلك لم يغفل الجمهور في شعره : من ذلك أنه طبع ديوانه للجمهور ، وكان ينشر شعره في الصحف ، ويراعي في مدائحه كل المناسبات التي تهم الجمهور ، ويمد آفاق شعره إلى اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين جميعاً ، ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية .
أما بعد النفي ، فإنه ظل في الأندلس شاعراً تقليدياً من بعض جوانبه ، فاهتم بمعارضة القصائد القديمة الرائعة ، ونظم على وزنها وقافيتها ؛ مدفوعاً ـ كما يقول أحد الباحثين ـ بشهوة ، هدفها الإبداع والتحدي ، ورغبة منه في الوقوف على قدم المساواة مع غيره من فحول الشعراء الأقدمين ، بل في التفوق عليهم وعلى معاصريه ؛ ليثبت أنه لا يقل قدراً وقدرة عن أولئك القدماء الذين احتفى بهم النقاد في القديم والحديث .
وبعد رجوعه من المنفى اتجه إلى الجمهور ، وصور عواطفه ، وأهواءه السياسية تصويراً قوياً باهراً . وقدم للأدب العربي في هذه المرحلة مسرحياته الشعرية ، فكان بذلك رائداً في هذا اللون من التأليف . كما كان رائداً في أدب الأطفال ، حين قدم كثيراً من الحكايات والقصص الشعرية التي تتناول الحيوان وغيره ، وخصَّ بها الأطفال ، والقطاعات الشعبية .
ولا شك أن أسلوبه تأثر كثيراً بهذه المرحلة الهامة من حياته ، فكتب للجمهور العربي هذه المسرحيات ، وفي ذهنه أنها ستعرض على قطاعات الشعب ، كما تأثر في كتاباته الشعرية للأطفال ، وفي أغانيه ، وفي أناشيده الوطنية .
عاطفته الدينية :
تشعر وأنت تقرأ شعر شوقي بقوة أثر الدين فيه وعمق إحساسه به ، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تلميحات دينية مختلفة ، وإشارات واضحة لقيم الإسلام وفضائله .
وشعره الإسلامي يفيض بالحب الصادق ، والعاطفة الجياشة ، ويهتم فيها بإظهار صفات القدوة والمثل بنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - ، ويذكر شمائله البينات كما يفصل الحديث في كثير من قصائده عن جوانب رسالة الإسلام العملية التي تفيد الناس في دنياهم ، إلى جانب تحفيز الهمم ، وبث الثقة في نفوس المسلمين ، وتقوية عزائمهم ، وتذكيرهم برسالة الدعوة ، والجهاد في سبيلها
وذكر شوقي ضيف أن أحمد شوقي كان يراعي الرأي العام في قصائده ، وينتهز فرصة المناسبات العامة التي تهمهم ، وكان يعتصر في بعض مدائحه اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين في جميع الأقطار … ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية . وذهب باحث آخر إلى أن طبيعة المناسبة كانت تتحكم في شوقي ؛ " فهو كشاعر أرستقراطي لابد له أن يتفاعل مع طبقته هذه ، وأن ينظم شعراً يعكس اهتمامات هذه الطبقة الاجتماعية ؛ فينظم غزلاً . ولا يجد ضرراً في نظم القصائد الدينية ، وفي طليعتها المولد النبوي ، ومدح الرسول ، والحضِّ على التمسك بالأخلاق الحميدة ؛ لأن المناسبة تدعوه إلى هذا التوجه ".
وقصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه واله - ، خمس ، هي :
1- نهج البردة : ومطلعها :
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمِي في الأشهُرِ الحُرُم

وقد عارض بها بردة البوصيري التي مطلعها :
أمِنْ تذكُّرِ جِيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزجتَ دمعاً جرى من مُقلَةٍ بِدَمِ

2- القصيدة الثانية : ذكرى المولد ، ومطلعها :
سَلُوا قلبِي غَدَاة سَلا وتَابَا
لَعَلَّ على الجمالِ له عِتابا

وهي معارضة لقصيدة ابن حمديس الصقلي ، التي يقول فيها متذمراً من الزمان ، وغدر أهله :
إلى كم تسمع الزمن العتابا
تخاطبه ولا يدري جوابا

3- القصيدة الثالثة : مدح فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثنى بأخلاقه وجهاده ومكانته ومعجزاته ، ومطلعها :
كِلا جَفنَيكَ يَعلَمُه
بهِ سِحرٌ يُتَيِّمُه

4- القصيدة الرابعة : قصيدة " دول العرب وعظماء الإسلام " وعدد أبياتها (1726 بيتاً ، منها (153) بيتاً في السيرة النبوية .

5- القصيدة الخامسة : " الهمزية " ، وهي معارضة ضمنية لقصيدة البوصيري التي مطلعها :
كيف تَرقَى رُقِيَّكَ الأنبياء يا سَماءً ما طاولَتْها سَماءُ




قصيدة سلو قلبي



سلو قلبي غداة سلا وتابا *** لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما *** تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
تسرب في الدموع فقلت:ولى *** وصفق في الضلوع فقلت: ثابا
ولو خلقت قلوب من حديد *** لما حملت كما حمل العذابا
وأحباب سقيت بهم سلافا *** وكان الوصل من قصر حبابا
ونادمنا الشباب على بساط *** من اللذات مختلف شرابا
وكل بساط عيش سوف يطوى *** وإن طال الزمان به وطابا
كأن القلب بعدهم غريب *** إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي *** كمن فقد الأحبة والصحابا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى *** تبدل كل آونة إهابا
وأن الرقط أيقظ هاجعات *** وأترع في ظلال السلم نابا
ومن عجب تشيب عاشقيها *** وتفنيهم وما برحت كعابا
فمن يغتر بالدنيا فإني *** لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبي *** ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا *** وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما *** ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا *** صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حر *** يقلد قومه المنن الرغابا
ولم أر مثل جمع المال داء *** ولا مثل البخيل به مصابا
فلا تقتلك شهوته وزنها *** كما تزن الطعام أو الشرابا
وخذ لبنيك والأيام ذخرا *** وأعط الله حصته احتسابا
فلو طالعت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتيابا
وأن البر خير في حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
وأن الشر يصدع فاعليه *** ولم أر خيرا بالشر آبا
فرفقا بالبنين إذا الليالي *** على الأعقاب أوقعت العقابا
ولم يتقلدوا شكر اليتامى *** ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
عجبت لمعشر صلوا وصاموا *** عواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صما *** إذا داعي الزكاة بهم أهابا
لقد كتموا نصيب الله منه *** كأن الله لم يحص النصابا
ومن يعدل بحب الله شيئا *** كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء برا *** وبالأيتام حبا وارتبابا
فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعا وفخرا *** ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلم ما استطعت لعل جيلا *** سيأتي يحدث العجب العجابا
ولا ترهق شباب الحي يأسا *** فإن اليأس يخترم الشبابا
يريد الخالق الرزق اشتراكا *** وإن يك خص أقواما وحابى
فما حرم المجد جنى يديه *** ولا نسي الشقي ولا المصابا
ولولا البخل لم يهلك فريق *** على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوما وقبلي *** دعاة البر قد سئموا الخطابا
ولو أني خطبت على جماد *** فجرت به الينابيع العذابا
ألم تر للهواء جرى فأفضى *** إلى الأكواخ واخترق القبابا
وأن الشمس في الآفاق تغشى *** حمى كسرى كما تغشى اليبابا
وأن الماء تروى الأسد منه *** ويشفي من تلعلعها الكلابا
وسوى الله بينكم المنايا *** ووسدكم مع الرسل الترابا
وأرسل عائلا منكم يتيما *** دنا من ذي الجلال فكان قابا
نبي البر بينه سبيلا *** وسن خلاله وهدى الشعابا
تفرق بعد عيسى الناس فيه *** فلما جاء كان لهم متابا
وشافي النفس من نزعات شر *** كشاف من طبائعها الذئابا
وكان بيانه للهدي سبلا *** وكانت خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى *** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
تجلى مولد الهادي وعمت *** بشائره البوادي والقصابا
وأسدت للبرية بنت وهب *** يدا بيضاء طوقت الرقابا
لقد وضعته وهاجا منيرا *** كما تلد السماوات الشهابا
فقام على سماء البيت نورا *** يضيء جبال مكة والنقابا
وضاعت يثرب الفيحاء مسكا *** وفاح القاع أرجاء وطابا
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا
فما عرف البلاغة ذو بيان *** إذا لم يتخذك له كتابا
مدحت المالكين فزدت قدرا *** فحين مدحتك اقتدت السحابا
سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجابا
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابا
كأن النحس حين جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابهم فيها مهيبا *** وللأخلاق أجدر أن تهابا
فلولاها لساوى الليث ذئبا *** وساوى الصارم الماضي قرابا
فإن قرنت مكارمها بعلم *** تذللت العلا بهما صعابا
وفي هذا الزمان مسيح علم *** يرد على بني الأمم الشبابا









حافظ ابراهيم : (1872 - 1932)



ولد محمد حافظ إبراهيم في ديروط بمحافظ أسيوط عام 1872م، وكان والده مهندسًا، وقد تُوُفِّيَ والده وهو في الرابعة من عمره، فاتجهت به أُمُّه إلى القاهرة، فظلَّ تحت رعاية خاله، الذي ألحقه بالمدرسة الخيريَّة بالقلعة، فبقي في القاهرة حتى التحاقه بالمدرسة الخديويَّة الثانويَّة، ثم انتقل مع خاله إلى طنطا عام 1888م؛ حيث كان يعمل مهندسًا للتنظيم هناك، وقد التحق حافظ إبراهيم بالمحاماة، لكنه سرعان ما ضجر منها، وتركها عائدًا إلى القاهرة ملتحقًا بالمدرسة الحربيَّة، وتخرَّج فيها برتبة ملازم ثان عام 1891م، وقد قارب العشرين من عمره، فاستعانت به وزارة الداخلية، ثم استغنت عنه، ثم عاد مرَّة أخرى إلى وزارة الحربيَّة، فحوَّلته بدورها إلى الاستيداع لتراخيه وتكاسله في عمله عام 1895م ثم عاد حافظ إبراهيم مرَّة أخرى إلى العمل بوزارة الحربية حيث تمَّ إرساله إلى السودان مع الجنرال الإنجليزي "كيتشنر "ليعمل تحت إمرته، وفي السودان عانى حافظ من صلف الجنرال الإنجليزي، واتُّهِم بعدها حافظ إبراهيم بتحريض الضبَّاط على العصيان والتمرُّد، فيُحال مرَّة أخرى للاستيداع سنة 1900م، فعاد للقاهرة باحثًا عن وظيفة مدنيَّة يقتات منها، ولكنَّ الشاعر ظلَّ يكابد قسوة الحياة، معتمدًا على راتب الاستيداع الذي لم يتجاوز الأربعة جنيهات، لكنه في عام 1911م عُيِّن بدار الكتب بواسطة أحمد حشمت باشا، ثم يمنحه درجة الباكوية، ثم نيشان النيل، فأشاد به حافظ إبراهيم في أكثر من موضع قائلاً:
إِلَيكَ أَبا حَسَنٍ أَنتَمي *** فَما زَلَّ مَولًى إِلَيكَ انتَسَبْ
عَرَفتَ مَكاني فَأَدنَيتَني *** وَشَرَّفتَ قَدري بِدارِ الكُتُب
وتطيب حياة حافظ في عمله الجديد، وتمتدُّ إلى أن يحال للتقاعد سنة 1932م، فيبدأ بالوهن والشيخوخة.
ولم يغفل حافظ إبراهيم الاهتمام بالجانب الوطني والقومي في شعره، فقد عاش في فترة تموج بها الأُمَّة بالكثير من الظلم والفساد، فالمحتلُّ الغاشم على صدور العباد، والناس إمَّا مقهور مظلوم فقير، أو متَّبِع لاهٍ، والإنجليز في مصر يعيثون فيها فسادًا، فقد كتب حافظ إبراهيم قصيدة قويَّة النبرة، يظهر فيها حسُّه الوطني؛ فأنشأ قصيدة نُشرت في جريد اللواء الوطنية وذلك عام 1906م بسبب ما حدث للمصريين من محاكمات ظالمة إثر حادثة دُنشواي، فقام مستصرخًا مستهزئًا:
أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا *** هَل نَسِيتُمْ وَلاءَنا وَالوِدَادَا
خَفِّضوا جَيشَكُمْ وَنامُوا هَنيئًا *** وَابتَغوا صَيْدَكُمْ وَجوبُوا البِلادَا
وَإِذا أَعوَزَتكُمُ ذاتُ طَوقٍ *** بَيْنَ تِلكَ الرُّبا فَصيدوا العِبَادَا
إِنَّما نَحْنُ وَالحَمامُ سَواءٌ *** لَم تُغادِرْ أَطواقُنا الأَجيَادَا
لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحْكَمَةُ التَفْـ *** ـتيشِ عادَتْ أَم عَهدُ نيرونَ عَادَا
كَيفَ يَحلو مِنَ القَوِيِّ التَشَفّي *** مِن ضَعيفٍ أَلقى إِلَيهِ القِيَادَا
أَنتَ جَلاَّدُنا فَلا تَنسَ أَنَّا *** قَد لَبِسنا عَلى يَدَيكَ الحِدَادَا
يمكن القول ان حافظا استطاع أن يلتحق بركب أحمد شوقي، حتى بات ذكر شوقي أمير الشعراء، مقرونًا بحافظ إبراهيم شاعر النيل؛ فكلاهما استطاع أن يُلهب المتلقِّي حماسة قويَّة ناتجة عن اللوحات الفنية الصادقة، والتي كان لها أكبر الأثر في قراءة جديدة للشعر العربي الحديث، والذي كان من أكبر أثره ظهور شعر الإسلاميات، الذي أعاد كثيرًا من مثقَّفي العربيَّة إلى حقيقتهم الوجوديَّة في هذا الكون.
وفاة حافظ إبراهيم
أحيل حافظ إبراهيم إلى المعاش عام 1932م، ولم يمض على تقاعده سوى أربعة أشهر ونصف حتى صَعِدت روحه إلى بارئها في الحادي والعشرين من يوليو عام 1932م، بعد حياة متقلِّبة من اليُتم والبؤس والفقر والحرمان .











معروف عبد الغني الرصافي : (1875-1945)

ولد الشاعر معروف عبد الغني الرصافي في بغداد عام 1875م بجانب الرصافه منها وجاء لقبه ( الرصافي ) نسبه الى جانب الرصافه . وبدا ينظم الشعر في مطلع شبابه حيث كان جريئا في قسم من أشعاره السياسية ، فقد هاجم بإشعاره ألدوله العثمانية وسلطات الاحتلال البريطانية وواصل تلقي علومه في المعاهد ألدينيه .
درس الرصافي الأدب في بغداد واللغة العربية وكان أسلوبه بسيط واضح يهدف منه معالجه ما كان يعانيه المجتمع العراقي أيام الشاعر من جهل ومرض وفقر ... فهو شاعر إصلاح وتوجيه .
لقد كان الشاعر يتميز بأنه كان يوجه أكثر شعره الى الناس بأسلوب واضح إيقاظا للهمم وتنبيها للأذهان ويهدف من وراء ذلك معالجه ما كان يتصف به المجتمع العراقي آنذاك من فقر وجهل لان الظروف التي مر بها المجتمع اقتضت من الشعراء ان يكرسوا شعرهم لخدمه المجتمع العراقي .
لقد لزم الشاعر الرصافي العالم محمود شكري الالوسي ثلاث عشرة سنة . ولقد توفي الرصافي سنة 1945م وقد جاء في وصية تركها بعد وفاته " كل ما كتبته من نظم ونثر لم اجعل هدفي منه منفعتي ألشخصيه وإنما قصدت به منفعة المجتمع "
وله ديوان شعر ضخم وله بحوث منها :
• على باب سجن أبي العلاء
• رسائل التعليقات .
ولو نظرنا إلى بيئة الشاعر السياسية والادبيه حتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان الرصافي والزهاوي والكاظمي والجواهري ، كان شعرهم جميلا يعبر تعبيرا صادقا عن كل ما يتعلق بالمجتمع العراقي في جميع شؤونه ومشاكله وأمانيه .

ويمكن القول إن الشعر السياسي والاجتماعي قد برز الى الوجود – فكان نقطة تحول من حدود النزعه الفردية الى المشاركه الوجدانيه لآلام الشعب واماله . ولقد اهتم الشعراء بالفقراء والفقر والبؤس والشقاء ثم الدعوة الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس والقضاء على الفوارق الطبقيه ، ثم الدعوة لمشاركة المرأه مع الرجل في ميادين العلم والعمل ، هذا من الناحية ألاجتماعيه ، وإما من الناحية السياسية فقد شارك الشعر العربي في العراق مشاركة فعاله في الاحداث السياسية التي جرت على مسرح السياسية داخل العراق وخارجه .
لقد كان للبيئة السياسية في العراق الأثر الفعال في شعر الرصافي ونتيجة لسيطرة (الايليخانيين) والتخريب الذي قام به التتار من جماعه هولاكو فقد بقيت بغداد محتفظة بصفتها البائسة حتى تم استيلاء العثمانيين على العراق عام 921هج (1534م) . إذ أن العراق بعد انقراض الحكم المغولي او (الايلخاني ) ظل تحت سيطرة الحكم الجلائري ثم بعد ذلك جاءت دولة الخروف الأبيض (اقوينلو) ثم جاءت (الدولة الصفويه) من إيران .
وهكذا انتقل العراق من الحكم التركماني الى الفارسي وبعد ذلك الى الحكم العثماني ، على يد السلطان مراد الرابع 1048هج ثم جاء النفوذ البريطاني .
ومما تقدم يمكن أن نشهد الخطوط العامه للوقائع والاحداث السياسية التي مرت في العراق والتي بدورها كان لها الأثر في شعر هذا الشاعر ، فمنذ أن بدا الفساد يعم في العراق بعد زوال الدوله العباسية حتى بعد الرصافي والرصافي الذي امتدت حياته السياسية أكثر من نصف قرن قد عاصر معظم الاحداث السياسية . ولذلك فقد سجل معظم هذه الاحداث في شعره تسجيلا دقيقا وله مواقفه الوطنيه الصادقة ، ولهذا فان شعره السياسي هو خير سجل لهذه الأحداث والامه العربية كلها .
لقد كان شعر الرصافي صوتا قويا تجاه سياسية السلطان عبد الحميد التعسفية وجمعية الاتحاد والترقي التي حكمت بعد خلع السلطان عبد الحميد .
وساهم الشاعر بشكل حازم بشعره ضد الإنكليز الذين استعمروا العراق وأسهم الشعر في إشاعة الروح القوميه وتوحيد أجزاء الدوله العربية وإقامة دوله عربية موحدة . ولهذا فقد كان الشعر هو السبب في مطاردة هؤلاء الشعراء الأحرار والفتك بهم من قبل السلطات ألاستعماريه الحاكمه آنذاك .
وعلى هذه الصورة نهض هذا الشاعر بشعره من الكبوة التي صار إليها الشعر بعد عهد الانحطاط ودخل في عهد جديد من النمو والازدهار .
وقد حدد بعض الأدباء بداية هذه النهضة الأدبية الحديثه وقال بعضهم انها بدأت عام (1908م) أي عند إعلان الدستور العثماني . وقال البعض الأخر انها بدأت عام (1921م) عند قيام الحكم الوطني في العراق .
وعندما نصب الملك فيصل ملكا على العراق قام الصراع بينه وبين الشاعر من جهة وبين الإنكليز والشاعر من جهة أخرى ، حيث كان الملك فيصل يكن عداء للرصافي ، وقد كان للرصافي قصيدة من غرر قصائده السياسية والنفسية وعنوانها ( بعد النزوح) في الديوان إذ كان الرصافي يحب العراق وأهل العراق حيث يقول :

أنا ابن دجلة معــــــروف بها أدبي
قد كنت بلبلها الغــــــــريد أنشدها
ويل لبغداد ممــــــــا سوف تذكره
لقد سقيت بفيض الـــــدمع أربعـها وان يك المــاء منها ليــــس يروينـــي
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
عني وعنها الـليـالـي فــــي الدواويـــن
على جوانب ود ليس يسقينــي

ومن أجل موقفه الوطني فقد ظل مبعدا عن كل المناصب .
لقد طرق الرصافي معظم القضايا بشعر ومن الأمور الاجتماعيه التي طرقها (العلم) فلا حياة لمن لا علم له ـ والعلم نور والجهل ظلام ـ فالشاعر كان يحسب الجاهل ميتا في هذه الحياة من قبل الممات وهو يحسب العالم حيا لا يموت وتطرق الى البؤس والفقر ولقد كان يقول : " كانت مشاهد البؤس من اشد الدواعي عندي الى نظم الشعر " ، كما انه كتب عن النفاق والحسد والكذب لأنها تتصل بالمجتمع .
ولقد كان للرصافي دور في الدعوة التحررية لاقتصادنا العربي لأنه كافح الاستعمار السياسي والفكري فقد كافح من اجل الناحية الاقتصاديه .
وكان الرصافي يؤمن بالقومية العربية ومقوماتها ثم يدعو الى تحقيق أهدافها ولا مجال للشك في قوميته حيث كانت أهداف القوميه العربية في شعره تكمن في:
أ‌) القضاء على الاستعمار بمختلف أشكاله .
ب‌) إقامة كيان عام على شكل دولة موحدة .
ج) تحقيق العدالة الاجتماعيه والاقتصادية في الوطن العربي الكبير .

واهم خصائص شعره السياسي :
1) امتلاك ناصية التعبير امتلاكا محكما .
2) اختيار الألفاظ السهلة .
3) نظمه للقوافي والأوزان بصورة جيدة والتي تناسب المقام والقصد .
4) الانفعالات والأحاسيس الصادقة .
قال الرصافي :-
( المستقبل )

أرى مستقبل الأيام أولى
بمطمح من يحــــاول أن يســـودا

فما بلغ المقاصد غير ساع
يردد في غد نظرا سديدا

وهل ان كان حاضرنا شقيا
نسود بكون ماضينا سعيدا

تقدم ايها العربي شوطا
فان أمامك العيش الرغيدا

فشر العالمين ذوو خمول
اذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم
أقام لنفسه حسبا جديدا

تراه اذا ادعى في الناس فخرا
تقيم له مكارمه الشهودا

فدعني والفخار بمجد قوم
مضى الزمن القديم بهم حميدا

اذا ما الجهل خيم في بلاد
رأيت أسودها مسخت قرودا


وهنا يخاطب الشاعر الناشئة الذين استولى عليهم الكسل وترى الشاعر يحث الناس إلى أن يضعوا الماضي نصب أعينهم فيطالب أبناء جيله أن يوجهوا أنظارهم إلى المستقبل إن كانوا يطمحون إلى السيادة والاستقلال ويتضح من خلال الأبيات نزعة الشاعر إلى الإصلاح للمجتمع مما كان يعاني من فقر ومرض وجهل بأسلوب واضح لا غموض في
وللرصافي قصيدة بعنوان ( لقد أيقظ الإسلام ) يقول فيها :

لقد أيقظ الإسلام للمجد والعــــلا
وحلت له الأيــــام عــــند قيامــــــه
فأشرق نـــور العلم مــن حجراتـــه
وانشــــط بالعــلم العزائــم وابتنــى
وأطلق أذهان الورى من قيادهـا
وفك إسـار القــوم حتى تحــــضروا
ولاحت تباشير الحقائق فانجلــت
ولا فـــخر للإنســـــان آلا بسعـيــــــه بصائر أقوام عن المــــجد نـــوم
حباها وأبــدت منظـــر المتبســم
على وجه عصر بالجهالة مظلــــم
لأهلية مجدا ليـــس بالمتهـــــــدم
فطارت بأفكار على المجد حوم
نهوضا إلى العلياء من كـل مجثم
بها عن بني الدنيا شكوك التوهم
ولأفضل إلا بالتقى والتكــــــرم

وهنا يتحدث الرصافي عن دور الإسلام في إيقاظ عقول الناس الذين كانوا عن حياتهم غافلين … فبدد بالعلم سحب الجهالة وشحذ همم المسلمين بنور المعرفة ، وأطلق طاقاتهم للعمل المثمر بعيدا عن العصبيات . حتى أصبحت تقاس قيمة كل إنسان بسعيه وجده وتقواه .
وهذه القصيدة استطاعت أن تجسد الكثير من قيم الإسلام العظيمة ..غير أنها ساقت هذه القيم في الغالب من خلال إطار تقليدي من اللغة فيه الكثير من التقرير والمباشرة .
وأخيرا أن لكل واحد منا رأيه الشخصي في قصائد الرصافي او بعض أبياته على الأقل ، وواضح أن الشاعر من خلال قراءة قصائده أراد من الناس إن يهتموا بالحاضر والمستقبل ودور الإسلام وكان للشاعر دور مهم من الماضي ومن التراث العربي بصورة عامه وحيث أراد الشاعر او حاول أن يكون مصلحا في أشعاره .
• ويقول في مشاهدته لأرملة وبنتها الصغيرة، توفي زوجها وتركهما بين الفقر والبؤس الذي يذيب القلوب الجامدة حيث‏ بلغ القمة بوصفه إذ قال في قصيدة (الارملة المرضعة):

• لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا
تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا
تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا

مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ
وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً
وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا
وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

ويصرخ الرصافي ساخرا من الدستور الذي أقره الانتداب البريطاني على العراق ويقول:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّم
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم

وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا

وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا

ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا

والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم

فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم

ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم

فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا

وإذا أُهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم

أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم

أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا



أوجه التشابه والاختلاف بين حافظ ابراهيم والرصافي :
1- من حيث الزمن عاشا في فترة زمنية واحدة ولد الرصافي بعد خمس سنوات من ولاده حافظ ابراهيم.
2- كلاهما من أسرة محافظة فقيرة.
3-كلاهما تعرضا للبؤس والفاقه.
4- وان كل منها يقضي اوقات فراغه في المقاهي وخاصة المقاهي الثقافية.
5- كان حافظ على قول طه حسين صادقا بسيطا بعيدا عن المداورة وطبيعته يسرة لاغموض فيها ولاعسر ولاالتواء.
6- كان الرصافي يتفوق على حافظ من حيث الصراحة وبعده عن المداورة .
7- كان حافظ ابراهيم بعض المرات يغض الطرف عن اعداءه والدليل انه لم يتعرض للاستعمار مدة 18 شهرا اما الرصافي فقد كان يهجو الانكليز والظالمين والملك فيصل ايضا.
8- كانت ثقافة حافظ ابراهيم محدوده الجوانب لاتتجاوز معرفته للادب العربي القديم والمامه باللغة الفرنسية من غير اتقان.
9- يلتقي الرصافي في ثقافته مع حافظ في ضعف الثقافة الاجنبية ان لم يكن يعرف الانكليزية والفرنسية.
10- يلتقي الرصافي مع حافظ في إعتماده على دواوين الشعراء وكتاب الأعاني وغيرة من كتب الأدب. الشعراء المعتدلون :
سلك الاتجاه الكلاسيكي في الشعر العربي الحديث اتجاهين رئيسين :
الاول : اتجاه يتخذ من الشعر العربي القديم مقياسا يحتذيه في الاغراض والاساليب والصور واللغة ويسمى بالاتجاه الكلاسيكي المحافظ ، ويمثل هذا الاتجاه محمود سامي البارودي .
الثاني : هو ما يسمى بالكلاسيكية الجديدة ، وقد عني شعراء هذا الاتجاه بالوقوف على الاطلال والرسوم ، وعارضوا القصائد القديمة المشهورة ، وحافظوا على أوزان الشعر القديم ، ولكنهم بثوا في كل ذلك مشاعرهم ، ولونوا به عواطفهم ، وعبروا عما تجيش به خواطرهم ، وظهرت معها ملامح عصرهم وطبيعة بيئاتهم ، وذلك كله من خلال موضوعات جديدة ، اي انهم بثوا في الموضوعات القديمة مفاهيم جديدة في السياسة والاجتماع والعلم والاخلاق والتربية .
ومثل هذا الاتجاه كل من احمد شوقي وحافظ ابراهيم والرصافي .
ولعل لظروف الاتصال بين الشرق والغرب ، وتعميم الثقافة وتشعب أبعادها وما استجد معها من قيم حضارية وافكار سياسية ، ومثل اجتماعية ، أثره الواضح في تطور شعر هؤلاء شكلا ومضمونا .









أحمد شوقي : (1869-1932م)


نشأ أحمد شوقي في بيئة أرستقراطية مترفة لها صلة قوية بقصر خديوي مصر ، أُلحق في طفولته بالكُتَّاب ، وانتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية بالقاهرة ، ولما أتم تعليمه الثانوي سنة 1885 أُلحق بمدرسة الحقوق ، ثم تحول إلى قسم الترجمة بها ، وتعرَّف في المدرسة إلى أستاذه الشيخ محمد البسيوني ؛ فدفعه إلى شعر المديح . وأرسله الخديوي توفيق في بعثة إلى فرنسا لمتابعة دراسة الحقوق ، والتعمق في اللغة الفرنسية ، وشؤون الترجمة ، فأكمل دراسته في أربع سنوات ، وهيئت له فرص التجوال في فرنسا ، والتردد على مسارح باريس ، والوقوف على حياتها الأدبية .

فلما عاد إلى مصر عمل رئيساً لقسم الترجمة في ديوان الخديوي . وتوثقت صلته بالخديوي عباس الثاني الذي خلف والده توفيق ، وأصبح مستشاره ومحل ثقته وتقديره ، ووظف شعره للتعبير عن سياسة الخديوي، ويغتنم كل فرصة لمدحه ، وتسجيل مناسبات القصر ، وأعياده المختلفة. وكان هذا الدور كافياً ليكون بعيداً عن حياة الشعب .
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى ، خلع الإنجليز الخديوي عباس عن عرش مصر ، لميله إلى الدولة العثمانية ، وولوا بدلاً منه عمه السلطان حسين كامل . ونفوا– أيضا – أحمد شوقي إلى إسبانيا لولائه لعباس ، وتحمسه للخلافة العثمانية ، وظل بها طوال الحرب (مدة أربع سنوات 1915-1919) ؛ فكانت فرصة لأن يفرغ لنفسه ولشعره ، والتعبير عن ما قاساه في غربته ، وحنينه إلى بلده ، وتعميق مشاعره الوطنية والقومية ، واستلهام أمجاد المسلمين في الأندلس .
وحين وضعت الحرب أوزارها ، رجع شوقي إلى مصر ، إبّان ثورة 1919الوطنية ؛ وجد نفسه في خضم الصراع الجماهيري ضد القوى الأجنبية المسيطرة على ءس سىاتتظكمنتناقلالقلبرصر والمنطقة العربية ؛ فانحاز إلى الشعب ، وانطلق يتغنى بآماله ويعبر عن آلامه ، وشارك الأمة العربية ، وانفعل لأحداثها ، وانتفاضاتها الوطنية . كما خلص لفنه وجمهوره ؛ فذاع شعره ، واحتل مكانة مرموقة بين شعراء العربية . ولما أعاد طبع ديوانه سنة 1927 (1346هـ) أقيم له حفل تكريم عظيم ، وفيه بايعه الشعراء بإمارة الشعر ، وأعلن حافظ إبراهيم هذه المبايعة قائلاً :
أمير القوافي قد أتيت مبايعا وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

آثـــــاره الأدبية :
أ - الآثار الشعرية :
1- ديوان الشوقيات : " في أربعة أجزاء " .
وقد طبع ديوانه لأول مرة سنة 1898م ، وأعاد طبعه سنة 1927م ،
وبمناسبة إعادة طبعه أقيم له حفل تكريم عظيم ، تمجيداً بشاعريته ونبوغه .

2- الشوقيات المجهولة : وهي مجموعة شعرية ، جمعها ودرسها الدكتور محمد صبري ونشرها بعد وفاة الشاعر.

3- المسرحيات الشعرية : " وضعت بين 29-1932"
- المآسي : مصر كليوباترا – قمبيز – علي بك الكبير
عنترة – مجنون ليلى.
- الملهاة : الست هدى .
4- ديوان " دول العرب وعظماء الإسلام " وهي قصيدة طويلة ، نظمها في الأندلس .
ب - الآثار النثرية :
1- مسرحية : أميرة الأندلس .
2- له ثلاث روايات ، هي : عذراء الهند – لادياس – ورقة الآس .
3- كتاب (أسواق الذهب) : وهو عبارة عن مقالات اجتماعية في مختلف الموضوعات ، جمعت عام 1932.

شـعره :
تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة ، فقد حذق العربية والفرنسية ، وكان يعرف التركية . واحتكَّ بالحضارة الغربية في عقر دارها ، ونهل من ثقافتها . واستفاد من توجيه أستاذه الشيخ محمد البسيوني ، كما استفاد من كتاب (الوسيلة الأدبية) للشيخ حسين المرصفي ( ت 1889) ، وما اشتمل عليه من مختارات الشعر الجيد للقدماء ، ونماذج رائعة من شعر البارودي

وساهمت حركة إحياء التراث العربي والإسلامي في اطلاعه على عيون الشعر العربي ، وتمثل نماذجه الرائعة ، وتملك خصائصه ، وصقل موهبته الفنية ؛ فاكتسب قوة في النسج ، وجزالة في الأسلوب .
كما ساهمت صلته بالخديوي عباس الثاني في بناء شخصيته ، ووفرت له المكانة الاجتماعية المرموقة . وفتحت له آفاق النظم ، وارتياد مواضيع جديدة للقول ، منها : متابعة نشاطات الخديوي ، وتحسين مواقفه السياسية للرأي العام المصري ، والإشادة بإنجازات مصر الحضارية ؛ مثل فتح الجامعة ، وإنشاء بنك مصر ، والانفعال بأحداثها الجديدة ، فيهتم بالهلال الأحمر ، ويوجه العمال بمثل قوله مخاطباً لهم :
أيُّـها العمال أفنـوا الــــــعمر كـدَّاً واكتسابا
واعمـروا الأرض فلولا سـعيكم أمسـت يبـابا

ويشيد بدور الصحافة في نهضة البلاد ، قائلاً :
لكل زمـان مضى آية وآيـة هذا الزمـان الصـحف

وقد طرق شوقي بخوضه في هذه الموضوعات الجديدة ميداناً لم يطرقه الشعراء من قبل ، وألجأته لانتهاج أساليب مبتكرة في القول والوصف ، ملائمة لما ارتاده من المعاني .
هذا ، دون أن نغفل أثر المنفى في حياته وشعره ، فلا شك أنه عانى في الغربة ، وأمضَّه الحنين والشوق إلى مصر ، ولكنه ، في الوقت نفسه ، فتح له آفاقاً جديدة من المعاني ، ووجهه إلى التغني بالعروبة ، والاهتمام بتاريخ المسلمين عامة ، وفي الأندلس خاصة ، ويتطور فنه الشعري في الصياغة والمعاني .
أما أسلوب شوقي في الشعر ، فيقوم على احتذاء قوالب الشعر العربي القديم ومعارضتها ، وبعث الصياغة القديمة وإحيائها ، كما فعل البارودي ، فكون بذلك أسلوبه البياني الأصيل ، وهو أسلوب لا يتحرر من القديم ، ولكنه – في الوقت نفسه – يعبِّر عن الشاعر وعصره ، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والقوة ، مع سلاسة في التعبير ، وقوة في السبك ، والتمكن من الإيقاع الشعري ، بجانب قدرته العالية في التصوير ، وبراعته في الوصف . مع إحساس مرهف ، وعاطفة حساسة .
وينقسم شعره قسمين واضحين : قسم قبل منفاه ، وقسم بعده :
كان في القسم الأول على صلة وطيدة بالقصر ، وولاؤه مطلق للأسرة العلوية ؛ فهم الذين تعهدوه ورعوه ، وقدمـوا له العون المادي والمعنوي ، والجاه والمنصب ؛ فكان حقاً عليه أن يكون شاعر الخديوي عباس ، وأن يدور شعره في فلكه ، يهادن من يهادنه ، ويعادي من يعاديه ، فأصبح شعره مقصوراً ـ في غالبه ـ على ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فهو يمدحه في جميع المناسبات ، وهو يشيد بالترك والخلافة العثمانية ، إرضاءً له ، وتقرباً إليه .
وفي هذه الحقبة من حياته تطور في فنه صياغة وأسلوباً ، كما تأثر شعراء الغرب في شعرهم التاريخي ، فنظم قصائد كثيرة عن تاريخ مصر والبلاد العربية ، مثل قصيدته : (كبار الحوادث في وادي النيل) وقصيدة (أنس الوجود) .
وعلى الرغم من أنه ، في هذه المرحلة من حياته ، لم يكن يعني بالجمهور عناية مباشرة ، بل كان بعيداً عنه بحكم أسرته الأرستقراطية ، وبحكم وظيفته في القصر ، ومع ذلك لم يغفل الجمهور في شعره : من ذلك أنه طبع ديوانه للجمهور ، وكان ينشر شعره في الصحف ، ويراعي في مدائحه كل المناسبات التي تهم الجمهور ، ويمد آفاق شعره إلى اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين جميعاً ، ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية .
أما بعد النفي ، فإنه ظل في الأندلس شاعراً تقليدياً من بعض جوانبه ، فاهتم بمعارضة القصائد القديمة الرائعة ، ونظم على وزنها وقافيتها ؛ مدفوعاً ـ كما يقول أحد الباحثين ـ بشهوة ، هدفها الإبداع والتحدي ، ورغبة منه في الوقوف على قدم المساواة مع غيره من فحول الشعراء الأقدمين ، بل في التفوق عليهم وعلى معاصريه ؛ ليثبت أنه لا يقل قدراً وقدرة عن أولئك القدماء الذين احتفى بهم النقاد في القديم والحديث .
وبعد رجوعه من المنفى اتجه إلى الجمهور ، وصور عواطفه ، وأهواءه السياسية تصويراً قوياً باهراً . وقدم للأدب العربي في هذه المرحلة مسرحياته الشعرية ، فكان بذلك رائداً في هذا اللون من التأليف . كما كان رائداً في أدب الأطفال ، حين قدم كثيراً من الحكايات والقصص الشعرية التي تتناول الحيوان وغيره ، وخصَّ بها الأطفال ، والقطاعات الشعبية .
ولا شك أن أسلوبه تأثر كثيراً بهذه المرحلة الهامة من حياته ، فكتب للجمهور العربي هذه المسرحيات ، وفي ذهنه أنها ستعرض على قطاعات الشعب ، كما تأثر في كتاباته الشعرية للأطفال ، وفي أغانيه ، وفي أناشيده الوطنية .
عاطفته الدينية :
تشعر وأنت تقرأ شعر شوقي بقوة أثر الدين فيه وعمق إحساسه به ، فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تلميحات دينية مختلفة ، وإشارات واضحة لقيم الإسلام وفضائله .
وشعره الإسلامي يفيض بالحب الصادق ، والعاطفة الجياشة ، ويهتم فيها بإظهار صفات القدوة والمثل بنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - ، ويذكر شمائله البينات كما يفصل الحديث في كثير من قصائده عن جوانب رسالة الإسلام العملية التي تفيد الناس في دنياهم ، إلى جانب تحفيز الهمم ، وبث الثقة في نفوس المسلمين ، وتقوية عزائمهم ، وتذكيرهم برسالة الدعوة ، والجهاد في سبيلها
وذكر شوقي ضيف أن أحمد شوقي كان يراعي الرأي العام في قصائده ، وينتهز فرصة المناسبات العامة التي تهمهم ، وكان يعتصر في بعض مدائحه اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين في جميع الأقطار … ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يرضي عواطف قرائه الدينية . وذهب باحث آخر إلى أن طبيعة المناسبة كانت تتحكم في شوقي ؛ " فهو كشاعر أرستقراطي لابد له أن يتفاعل مع طبقته هذه ، وأن ينظم شعراً يعكس اهتمامات هذه الطبقة الاجتماعية ؛ فينظم غزلاً . ولا يجد ضرراً في نظم القصائد الدينية ، وفي طليعتها المولد النبوي ، ومدح الرسول ، والحضِّ على التمسك بالأخلاق الحميدة ؛ لأن المناسبة تدعوه إلى هذا التوجه ".
وقصائده في مديح الرسول - صلى الله عليه واله - ، خمس ، هي :
1- نهج البردة : ومطلعها :
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمِي في الأشهُرِ الحُرُم

وقد عارض بها بردة البوصيري التي مطلعها :
أمِنْ تذكُّرِ جِيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزجتَ دمعاً جرى من مُقلَةٍ بِدَمِ

2- القصيدة الثانية : ذكرى المولد ، ومطلعها :
سَلُوا قلبِي غَدَاة سَلا وتَابَا
لَعَلَّ على الجمالِ له عِتابا

وهي معارضة لقصيدة ابن حمديس الصقلي ، التي يقول فيها متذمراً من الزمان ، وغدر أهله :
إلى كم تسمع الزمن العتابا
تخاطبه ولا يدري جوابا

3- القصيدة الثالثة : مدح فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثنى بأخلاقه وجهاده ومكانته ومعجزاته ، ومطلعها :
كِلا جَفنَيكَ يَعلَمُه
بهِ سِحرٌ يُتَيِّمُه

4- القصيدة الرابعة : قصيدة " دول العرب وعظماء الإسلام " وعدد أبياتها (1726 بيتاً ، منها (153) بيتاً في السيرة النبوية .

5- القصيدة الخامسة : " الهمزية " ، وهي معارضة ضمنية لقصيدة البوصيري التي مطلعها :
كيف تَرقَى رُقِيَّكَ الأنبياء يا سَماءً ما طاولَتْها سَماءُ




قصيدة سلو قلبي



سلو قلبي غداة سلا وتابا *** لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما *** تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
تسرب في الدموع فقلت:ولى *** وصفق في الضلوع فقلت: ثابا
ولو خلقت قلوب من حديد *** لما حملت كما حمل العذابا
وأحباب سقيت بهم سلافا *** وكان الوصل من قصر حبابا
ونادمنا الشباب على بساط *** من اللذات مختلف شرابا
وكل بساط عيش سوف يطوى *** وإن طال الزمان به وطابا
كأن القلب بعدهم غريب *** إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي *** كمن فقد الأحبة والصحابا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى *** تبدل كل آونة إهابا
وأن الرقط أيقظ هاجعات *** وأترع في ظلال السلم نابا
ومن عجب تشيب عاشقيها *** وتفنيهم وما برحت كعابا
فمن يغتر بالدنيا فإني *** لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبي *** ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا *** وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما *** ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا *** صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حر *** يقلد قومه المنن الرغابا
ولم أر مثل جمع المال داء *** ولا مثل البخيل به مصابا
فلا تقتلك شهوته وزنها *** كما تزن الطعام أو الشرابا
وخذ لبنيك والأيام ذخرا *** وأعط الله حصته احتسابا
فلو طالعت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتيابا
وأن البر خير في حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
وأن الشر يصدع فاعليه *** ولم أر خيرا بالشر آبا
فرفقا بالبنين إذا الليالي *** على الأعقاب أوقعت العقابا
ولم يتقلدوا شكر اليتامى *** ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
عجبت لمعشر صلوا وصاموا *** عواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صما *** إذا داعي الزكاة بهم أهابا
لقد كتموا نصيب الله منه *** كأن الله لم يحص النصابا
ومن يعدل بحب الله شيئا *** كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء برا *** وبالأيتام حبا وارتبابا
فرب صغير قوم علموه *** سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعا وفخرا *** ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلم ما استطعت لعل جيلا *** سيأتي يحدث العجب العجابا
ولا ترهق شباب الحي يأسا *** فإن اليأس يخترم الشبابا
يريد الخالق الرزق اشتراكا *** وإن يك خص أقواما وحابى
فما حرم المجد جنى يديه *** ولا نسي الشقي ولا المصابا
ولولا البخل لم يهلك فريق *** على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوما وقبلي *** دعاة البر قد سئموا الخطابا
ولو أني خطبت على جماد *** فجرت به الينابيع العذابا
ألم تر للهواء جرى فأفضى *** إلى الأكواخ واخترق القبابا
وأن الشمس في الآفاق تغشى *** حمى كسرى كما تغشى اليبابا
وأن الماء تروى الأسد منه *** ويشفي من تلعلعها الكلابا
وسوى الله بينكم المنايا *** ووسدكم مع الرسل الترابا
وأرسل عائلا منكم يتيما *** دنا من ذي الجلال فكان قابا
نبي البر بينه سبيلا *** وسن خلاله وهدى الشعابا
تفرق بعد عيسى الناس فيه *** فلما جاء كان لهم متابا
وشافي النفس من نزعات شر *** كشاف من طبائعها الذئابا
وكان بيانه للهدي سبلا *** وكانت خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى *** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال *** إذا الإقدام كان لهم ركابا
تجلى مولد الهادي وعمت *** بشائره البوادي والقصابا
وأسدت للبرية بنت وهب *** يدا بيضاء طوقت الرقابا
لقد وضعته وهاجا منيرا *** كما تلد السماوات الشهابا
فقام على سماء البيت نورا *** يضيء جبال مكة والنقابا
وضاعت يثرب الفيحاء مسكا *** وفاح القاع أرجاء وطابا
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا
فما عرف البلاغة ذو بيان *** إذا لم يتخذك له كتابا
مدحت المالكين فزدت قدرا *** فحين مدحتك اقتدت السحابا
سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجابا
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابا
كأن النحس حين جرى عليهم *** أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نورا *** وكان من النحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركنا *** فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابهم فيها مهيبا *** وللأخلاق أجدر أن تهابا
فلولاها لساوى الليث ذئبا *** وساوى الصارم الماضي قرابا
فإن قرنت مكارمها بعلم *** تذللت العلا بهما صعابا
وفي هذا الزمان مسيح علم *** يرد على بني الأمم الشبابا









حافظ ابراهيم : (1872 - 1932)



ولد محمد حافظ إبراهيم في ديروط بمحافظ أسيوط عام 1872م، وكان والده مهندسًا، وقد تُوُفِّيَ والده وهو في الرابعة من عمره، فاتجهت به أُمُّه إلى القاهرة، فظلَّ تحت رعاية خاله، الذي ألحقه بالمدرسة الخيريَّة بالقلعة، فبقي في القاهرة حتى التحاقه بالمدرسة الخديويَّة الثانويَّة، ثم انتقل مع خاله إلى طنطا عام 1888م؛ حيث كان يعمل مهندسًا للتنظيم هناك، وقد التحق حافظ إبراهيم بالمحاماة، لكنه سرعان ما ضجر منها، وتركها عائدًا إلى القاهرة ملتحقًا بالمدرسة الحربيَّة، وتخرَّج فيها برتبة ملازم ثان عام 1891م، وقد قارب العشرين من عمره، فاستعانت به وزارة الداخلية، ثم استغنت عنه، ثم عاد مرَّة أخرى إلى وزارة الحربيَّة، فحوَّلته بدورها إلى الاستيداع لتراخيه وتكاسله في عمله عام 1895م ثم عاد حافظ إبراهيم مرَّة أخرى إلى العمل بوزارة الحربية حيث تمَّ إرساله إلى السودان مع الجنرال الإنجليزي "كيتشنر "ليعمل تحت إمرته، وفي السودان عانى حافظ من صلف الجنرال الإنجليزي، واتُّهِم بعدها حافظ إبراهيم بتحريض الضبَّاط على العصيان والتمرُّد، فيُحال مرَّة أخرى للاستيداع سنة 1900م، فعاد للقاهرة باحثًا عن وظيفة مدنيَّة يقتات منها، ولكنَّ الشاعر ظلَّ يكابد قسوة الحياة، معتمدًا على راتب الاستيداع الذي لم يتجاوز الأربعة جنيهات، لكنه في عام 1911م عُيِّن بدار الكتب بواسطة أحمد حشمت باشا، ثم يمنحه درجة الباكوية، ثم نيشان النيل، فأشاد به حافظ إبراهيم في أكثر من موضع قائلاً:
إِلَيكَ أَبا حَسَنٍ أَنتَمي *** فَما زَلَّ مَولًى إِلَيكَ انتَسَبْ
عَرَفتَ مَكاني فَأَدنَيتَني *** وَشَرَّفتَ قَدري بِدارِ الكُتُب
وتطيب حياة حافظ في عمله الجديد، وتمتدُّ إلى أن يحال للتقاعد سنة 1932م، فيبدأ بالوهن والشيخوخة.
ولم يغفل حافظ إبراهيم الاهتمام بالجانب الوطني والقومي في شعره، فقد عاش في فترة تموج بها الأُمَّة بالكثير من الظلم والفساد، فالمحتلُّ الغاشم على صدور العباد، والناس إمَّا مقهور مظلوم فقير، أو متَّبِع لاهٍ، والإنجليز في مصر يعيثون فيها فسادًا، فقد كتب حافظ إبراهيم قصيدة قويَّة النبرة، يظهر فيها حسُّه الوطني؛ فأنشأ قصيدة نُشرت في جريد اللواء الوطنية وذلك عام 1906م بسبب ما حدث للمصريين من محاكمات ظالمة إثر حادثة دُنشواي، فقام مستصرخًا مستهزئًا:
أَيُّها القائِمونَ بِالأَمرِ فينا *** هَل نَسِيتُمْ وَلاءَنا وَالوِدَادَا
خَفِّضوا جَيشَكُمْ وَنامُوا هَنيئًا *** وَابتَغوا صَيْدَكُمْ وَجوبُوا البِلادَا
وَإِذا أَعوَزَتكُمُ ذاتُ طَوقٍ *** بَيْنَ تِلكَ الرُّبا فَصيدوا العِبَادَا
إِنَّما نَحْنُ وَالحَمامُ سَواءٌ *** لَم تُغادِرْ أَطواقُنا الأَجيَادَا
لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحْكَمَةُ التَفْـ *** ـتيشِ عادَتْ أَم عَهدُ نيرونَ عَادَا
كَيفَ يَحلو مِنَ القَوِيِّ التَشَفّي *** مِن ضَعيفٍ أَلقى إِلَيهِ القِيَادَا
أَنتَ جَلاَّدُنا فَلا تَنسَ أَنَّا *** قَد لَبِسنا عَلى يَدَيكَ الحِدَادَا
يمكن القول ان حافظا استطاع أن يلتحق بركب أحمد شوقي، حتى بات ذكر شوقي أمير الشعراء، مقرونًا بحافظ إبراهيم شاعر النيل؛ فكلاهما استطاع أن يُلهب المتلقِّي حماسة قويَّة ناتجة عن اللوحات الفنية الصادقة، والتي كان لها أكبر الأثر في قراءة جديدة للشعر العربي الحديث، والذي كان من أكبر أثره ظهور شعر الإسلاميات، الذي أعاد كثيرًا من مثقَّفي العربيَّة إلى حقيقتهم الوجوديَّة في هذا الكون.
وفاة حافظ إبراهيم
أحيل حافظ إبراهيم إلى المعاش عام 1932م، ولم يمض على تقاعده سوى أربعة أشهر ونصف حتى صَعِدت روحه إلى بارئها في الحادي والعشرين من يوليو عام 1932م، بعد حياة متقلِّبة من اليُتم والبؤس والفقر والحرمان .











معروف عبد الغني الرصافي : (1875-1945)

ولد الشاعر معروف عبد الغني الرصافي في بغداد عام 1875م بجانب الرصافه منها وجاء لقبه ( الرصافي ) نسبه الى جانب الرصافه . وبدا ينظم الشعر في مطلع شبابه حيث كان جريئا في قسم من أشعاره السياسية ، فقد هاجم بإشعاره ألدوله العثمانية وسلطات الاحتلال البريطانية وواصل تلقي علومه في المعاهد ألدينيه .
درس الرصافي الأدب في بغداد واللغة العربية وكان أسلوبه بسيط واضح يهدف منه معالجه ما كان يعانيه المجتمع العراقي أيام الشاعر من جهل ومرض وفقر ... فهو شاعر إصلاح وتوجيه .
لقد كان الشاعر يتميز بأنه كان يوجه أكثر شعره الى الناس بأسلوب واضح إيقاظا للهمم وتنبيها للأذهان ويهدف من وراء ذلك معالجه ما كان يتصف به المجتمع العراقي آنذاك من فقر وجهل لان الظروف التي مر بها المجتمع اقتضت من الشعراء ان يكرسوا شعرهم لخدمه المجتمع العراقي .
لقد لزم الشاعر الرصافي العالم محمود شكري الالوسي ثلاث عشرة سنة . ولقد توفي الرصافي سنة 1945م وقد جاء في وصية تركها بعد وفاته " كل ما كتبته من نظم ونثر لم اجعل هدفي منه منفعتي ألشخصيه وإنما قصدت به منفعة المجتمع "
وله ديوان شعر ضخم وله بحوث منها :
• على باب سجن أبي العلاء
• رسائل التعليقات .
ولو نظرنا إلى بيئة الشاعر السياسية والادبيه حتى منتصف القرن العشرين لوجدنا ان الرصافي والزهاوي والكاظمي والجواهري ، كان شعرهم جميلا يعبر تعبيرا صادقا عن كل ما يتعلق بالمجتمع العراقي في جميع شؤونه ومشاكله وأمانيه .

ويمكن القول إن الشعر السياسي والاجتماعي قد برز الى الوجود – فكان نقطة تحول من حدود النزعه الفردية الى المشاركه الوجدانيه لآلام الشعب واماله . ولقد اهتم الشعراء بالفقراء والفقر والبؤس والشقاء ثم الدعوة الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس والقضاء على الفوارق الطبقيه ، ثم الدعوة لمشاركة المرأه مع الرجل في ميادين العلم والعمل ، هذا من الناحية ألاجتماعيه ، وإما من الناحية السياسية فقد شارك الشعر العربي في العراق مشاركة فعاله في الاحداث السياسية التي جرت على مسرح السياسية داخل العراق وخارجه .
لقد كان للبيئة السياسية في العراق الأثر الفعال في شعر الرصافي ونتيجة لسيطرة (الايليخانيين) والتخريب الذي قام به التتار من جماعه هولاكو فقد بقيت بغداد محتفظة بصفتها البائسة حتى تم استيلاء العثمانيين على العراق عام 921هج (1534م) . إذ أن العراق بعد انقراض الحكم المغولي او (الايلخاني ) ظل تحت سيطرة الحكم الجلائري ثم بعد ذلك جاءت دولة الخروف الأبيض (اقوينلو) ثم جاءت (الدولة الصفويه) من إيران .
وهكذا انتقل العراق من الحكم التركماني الى الفارسي وبعد ذلك الى الحكم العثماني ، على يد السلطان مراد الرابع 1048هج ثم جاء النفوذ البريطاني .
ومما تقدم يمكن أن نشهد الخطوط العامه للوقائع والاحداث السياسية التي مرت في العراق والتي بدورها كان لها الأثر في شعر هذا الشاعر ، فمنذ أن بدا الفساد يعم في العراق بعد زوال الدوله العباسية حتى بعد الرصافي والرصافي الذي امتدت حياته السياسية أكثر من نصف قرن قد عاصر معظم الاحداث السياسية . ولذلك فقد سجل معظم هذه الاحداث في شعره تسجيلا دقيقا وله مواقفه الوطنيه الصادقة ، ولهذا فان شعره السياسي هو خير سجل لهذه الأحداث والامه العربية كلها .
لقد كان شعر الرصافي صوتا قويا تجاه سياسية السلطان عبد الحميد التعسفية وجمعية الاتحاد والترقي التي حكمت بعد خلع السلطان عبد الحميد .
وساهم الشاعر بشكل حازم بشعره ضد الإنكليز الذين استعمروا العراق وأسهم الشعر في إشاعة الروح القوميه وتوحيد أجزاء الدوله العربية وإقامة دوله عربية موحدة . ولهذا فقد كان الشعر هو السبب في مطاردة هؤلاء الشعراء الأحرار والفتك بهم من قبل السلطات ألاستعماريه الحاكمه آنذاك .
وعلى هذه الصورة نهض هذا الشاعر بشعره من الكبوة التي صار إليها الشعر بعد عهد الانحطاط ودخل في عهد جديد من النمو والازدهار .
وقد حدد بعض الأدباء بداية هذه النهضة الأدبية الحديثه وقال بعضهم انها بدأت عام (1908م) أي عند إعلان الدستور العثماني . وقال البعض الأخر انها بدأت عام (1921م) عند قيام الحكم الوطني في العراق .
وعندما نصب الملك فيصل ملكا على العراق قام الصراع بينه وبين الشاعر من جهة وبين الإنكليز والشاعر من جهة أخرى ، حيث كان الملك فيصل يكن عداء للرصافي ، وقد كان للرصافي قصيدة من غرر قصائده السياسية والنفسية وعنوانها ( بعد النزوح) في الديوان إذ كان الرصافي يحب العراق وأهل العراق حيث يقول :

أنا ابن دجلة معــــــروف بها أدبي
قد كنت بلبلها الغــــــــريد أنشدها
ويل لبغداد ممــــــــا سوف تذكره
لقد سقيت بفيض الـــــدمع أربعـها وان يك المــاء منها ليــــس يروينـــي
أشجى الأناشيد في أشجى التلاحين
عني وعنها الـليـالـي فــــي الدواويـــن
على جوانب ود ليس يسقينــي

ومن أجل موقفه الوطني فقد ظل مبعدا عن كل المناصب .
لقد طرق الرصافي معظم القضايا بشعر ومن الأمور الاجتماعيه التي طرقها (العلم) فلا حياة لمن لا علم له ـ والعلم نور والجهل ظلام ـ فالشاعر كان يحسب الجاهل ميتا في هذه الحياة من قبل الممات وهو يحسب العالم حيا لا يموت وتطرق الى البؤس والفقر ولقد كان يقول : " كانت مشاهد البؤس من اشد الدواعي عندي الى نظم الشعر " ، كما انه كتب عن النفاق والحسد والكذب لأنها تتصل بالمجتمع .
ولقد كان للرصافي دور في الدعوة التحررية لاقتصادنا العربي لأنه كافح الاستعمار السياسي والفكري فقد كافح من اجل الناحية الاقتصاديه .
وكان الرصافي يؤمن بالقومية العربية ومقوماتها ثم يدعو الى تحقيق أهدافها ولا مجال للشك في قوميته حيث كانت أهداف القوميه العربية في شعره تكمن في:
أ‌) القضاء على الاستعمار بمختلف أشكاله .
ب‌) إقامة كيان عام على شكل دولة موحدة .
ج) تحقيق العدالة الاجتماعيه والاقتصادية في الوطن العربي الكبير .

واهم خصائص شعره السياسي :
1) امتلاك ناصية التعبير امتلاكا محكما .
2) اختيار الألفاظ السهلة .
3) نظمه للقوافي والأوزان بصورة جيدة والتي تناسب المقام والقصد .
4) الانفعالات والأحاسيس الصادقة .
قال الرصافي :-
( المستقبل )

أرى مستقبل الأيام أولى
بمطمح من يحــــاول أن يســـودا

فما بلغ المقاصد غير ساع
يردد في غد نظرا سديدا

وهل ان كان حاضرنا شقيا
نسود بكون ماضينا سعيدا

تقدم ايها العربي شوطا
فان أمامك العيش الرغيدا

فشر العالمين ذوو خمول
اذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم
أقام لنفسه حسبا جديدا

تراه اذا ادعى في الناس فخرا
تقيم له مكارمه الشهودا

فدعني والفخار بمجد قوم
مضى الزمن القديم بهم حميدا

اذا ما الجهل خيم في بلاد
رأيت أسودها مسخت قرودا


وهنا يخاطب الشاعر الناشئة الذين استولى عليهم الكسل وترى الشاعر يحث الناس إلى أن يضعوا الماضي نصب أعينهم فيطالب أبناء جيله أن يوجهوا أنظارهم إلى المستقبل إن كانوا يطمحون إلى السيادة والاستقلال ويتضح من خلال الأبيات نزعة الشاعر إلى الإصلاح للمجتمع مما كان يعاني من فقر ومرض وجهل بأسلوب واضح لا غموض في
وللرصافي قصيدة بعنوان ( لقد أيقظ الإسلام ) يقول فيها :

لقد أيقظ الإسلام للمجد والعــــلا
وحلت له الأيــــام عــــند قيامــــــه
فأشرق نـــور العلم مــن حجراتـــه
وانشــــط بالعــلم العزائــم وابتنــى
وأطلق أذهان الورى من قيادهـا
وفك إسـار القــوم حتى تحــــضروا
ولاحت تباشير الحقائق فانجلــت
ولا فـــخر للإنســـــان آلا بسعـيــــــه بصائر أقوام عن المــــجد نـــوم
حباها وأبــدت منظـــر المتبســم
على وجه عصر بالجهالة مظلــــم
لأهلية مجدا ليـــس بالمتهـــــــدم
فطارت بأفكار على المجد حوم
نهوضا إلى العلياء من كـل مجثم
بها عن بني الدنيا شكوك التوهم
ولأفضل إلا بالتقى والتكــــــرم

وهنا يتحدث الرصافي عن دور الإسلام في إيقاظ عقول الناس الذين كانوا عن حياتهم غافلين … فبدد بالعلم سحب الجهالة وشحذ همم المسلمين بنور المعرفة ، وأطلق طاقاتهم للعمل المثمر بعيدا عن العصبيات . حتى أصبحت تقاس قيمة كل إنسان بسعيه وجده وتقواه .
وهذه القصيدة استطاعت أن تجسد الكثير من قيم الإسلام العظيمة ..غير أنها ساقت هذه القيم في الغالب من خلال إطار تقليدي من اللغة فيه الكثير من التقرير والمباشرة .
وأخيرا أن لكل واحد منا رأيه الشخصي في قصائد الرصافي او بعض أبياته على الأقل ، وواضح أن الشاعر من خلال قراءة قصائده أراد من الناس إن يهتموا بالحاضر والمستقبل ودور الإسلام وكان للشاعر دور مهم من الماضي ومن التراث العربي بصورة عامه وحيث أراد الشاعر او حاول أن يكون مصلحا في أشعاره .
• ويقول في مشاهدته لأرملة وبنتها الصغيرة، توفي زوجها وتركهما بين الفقر والبؤس الذي يذيب القلوب الجامدة حيث‏ بلغ القمة بوصفه إذ قال في قصيدة (الارملة المرضعة):

• لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا
تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ
وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا
وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا
فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا
وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

فَمَنْظَرُ الحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَـا
وَالبُؤْسُ مَرْآهُ مَقْرُونٌ بِمَرْآهَـا
كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا
فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا
حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا
كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً
كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا
حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَدْ قَمَّطَتْهَا بِأَهْـدَامٍ مُمَزَّقَـةٍ
في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا
تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

تَقُولُ يَا رَبِّ، لا تَتْرُكْ بِلاَ لَبَنٍ
هَذِي الرَّضِيعَةَ وَارْحَمْنِي وَإيَاهَـا

مَا تَصْنَعُ الأُمُّ في تَرْبِيبِ طِفْلَتِهَا
إِنْ مَسَّهَا الضُّرُّ حَتَّى جَفَّ ثَدْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ
كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

مَا بَالُهَا وَهْيَ طُولَ اللَّيْلِ بَاكِيَةٌ
وَالأُمُّ سَاهِرَةٌ تَبْكِي لِمَبْكَاهَـا
يَكَادُ يَنْقَدُّ قَلْبِي حِينَ أَنْظُرُهَـا
تَبْكِي وَتَفْتَحُ لِي مِنْ جُوعِهَا فَاهَـا
وَيْلُمِّهَا طِفْلَـةً بَاتَـتْ مُرَوَّعَـةً
وَبِتُّ مِنْ حَوْلِهَا في اللَّيْلِ أَرْعَاهَـا
تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا
وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا
وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

ويصرخ الرصافي ساخرا من الدستور الذي أقره الانتداب البريطاني على العراق ويقول:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّم
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم

وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا

وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا

ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا

والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم

فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم

ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم

فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا

وإذا أُهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم

أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم

أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا



أوجه التشابه والاختلاف بين حافظ ابراهيم والرصافي :
1- من حيث الزمن عاشا في فترة زمنية واحدة ولد الرصافي بعد خمس سنوات من ولاده حافظ ابراهيم.
2- كلاهما من أسرة محافظة فقيرة.
3-كلاهما تعرضا للبؤس والفاقه.
4- وان كل منها يقضي اوقات فراغه في المقاهي وخاصة المقاهي الثقافية.
5- كان حافظ على قول طه حسين صادقا بسيطا بعيدا عن المداورة وطبيعته يسرة لاغموض فيها ولاعسر ولاالتواء.
6- كان الرصافي يتفوق على حافظ من حيث الصراحة وبعده عن المداورة .
7- كان حافظ ابراهيم بعض المرات يغض الطرف عن اعداءه والدليل انه لم يتعرض للاستعمار مدة 18 شهرا اما الرصافي فقد كان يهجو الانكليز والظالمين والملك فيصل ايضا.
8- كانت ثقافة حافظ ابراهيم محدوده الجوانب لاتتجاوز معرفته للادب العربي القديم والمامه باللغة الفرنسية من غير اتقان.
9- يلتقي الرصافي في ثقافته مع حافظ في ضعف الثقافة الاجنبية ان لم يكن يعرف الانكليزية والفرنسية.
10- يلتقي الرصافي مع حافظ في إعتماده على دواوين الشعراء وكتاب الأعاني وغيرة من كتب الأدب.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .