انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

4 صفات الله تعالى

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة جاسم هاتو فاخر الموسوي       20/11/2018 12:26:50
المحاضرة الرابعة
صفات الله تعالى
يكتسب البحث عن صفات الله تعالى أهمية خاصة؛ لإرتباطة الوثيق بتوحيده تعالى، فهو أحد ركائز التوحيد، حيث درجت منهجية البحث التوحيدي في فكر المسلمين على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي: التوحيد في الذات، والتوحيد في الصفات، والتوحيد في الأفعال.
وقد أولت الآيات الكريمة أهتماماً خاصاً لمسألة صفات الله تعالى، بخلاف مسألة إثبات وجوده تعالى حيث لم يرد إلا في مواضع محدود من آيات الكتاب المجيد كقوله تعالى: {أَمْ خُلقوا منْ غَيْر شَيْء أمْ همُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ} [الطور/ 35 ـ 36].
ولعل السرّ وراء ذلك هو أنّ القرآن الكريم يتعامل مع وجود الله كأمر ثابت جُبل عليه الإنسان، مودع في فطرته، قال تعالى: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم/ 30]، وقد تظافرت الأحاديث من طريق أئمة اهل البيت عليهم السلام في تفسير الفطرة بالتوحيد.
فالإذعان بوجود ذات ينتهي إليها أمر كلّ شيء من لوازم الفطرة الإنسانية، ولا يحيد عنه إلا من انحرف عن إلهام فطرته، لشبهة عرضت له؛ كمن يضطر نفسه على الاعتياد بالسم، وطبيعته تحذره, بإلهامها، وهو يستحسن ما ابتلي به.
ومن هنا اتفق الإلهيون على أصل ثبوت وجود الباري تعالى، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك، وفي مقدمة الأمور التي اُختلف فيها هي صفات الحق تعالى، من حيث أصل ثبوتها ومعناها وأقسامها؛ ولذا تقتضي الضرورة طرح النظريات الإسلامية في المسألة بلغة العصر.
لكن قبل ذلك ينبغي التنبيه على أنّ معرفة ذات الله تعالى واكتناهها أمر مستحيل بعد ثبوت بساطة ذاته المتعالية، وانتفاء الماهية عنه؛ إذ العقل إنّما يمكنه اكتناه الماهيات، وأمّا ما لا ماهية له فليس للعقل أن يعرف كنهه، فهو تعالى صرف الوجود، ومحض التقوم، وينبوع كلّ وجود، ومبدأ كل فيض وجود، وموجودية الماهيات إنّما تتصح بكونها فائضة عنه، فجلّ وجوده عن أنْ يتعلّق بماهية أصلاً.
ومن هنا فالعقل يعرف الله تعالى بصفاته تعالى وأسمائه؛ إذ أنّ جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة، فالصفات وسائط بين الذات وبين مخلوقاته، وقد اُشير إلى هذا المعنى في الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام؛ كما في رواية ابن سنان، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: >فليس يحتاج أنْ يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء؛ لغيره، يدعوه بها؛ لأنّه إذا لم يُدعَ باسمه لم يعرف»( ).
وإذ يكون الأمر كذلك فستكتسب مسألة الصفات والأسماء أهمّية مضاعفة؛ لأنّ المعرفة ستتمّ من خلالها بعد أن استحالت عن طريق الذات، حيث ستغدو الصفات وسائط بين الذات وبين مصنوعاته سبحانه ووسيلة للارتباط به.
الصفة في اللغة
الصفة في اللغة من النعت، فوصفه يصفه وصفاً وصفة أي نعته، فهما مترادفان، وقيل: (الوصف: مصدر، والصفة: الحلية)، وقال الزبيدي عن الليث: >الوصف: وصفك الشيء بحليته ونعته فاتصف أي : صار موصوفاً، أو صار متواصفاً، كما في قول طرفة: (جار كجار الحذاقي الذي اتصفا)، أي صار موصوفاً بحسن الجوار<( ).
وتضح من خلاله أنّ الصفة غير الموصوف، ومن هنا لا يمكن اطلاقها على الباري تعالى بهذا المعنى كما اُشير إليه في بعض الخطب المأثورة عن امير المؤمنين عليه السلام، قال: >من وصفه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله<( ).

الصفة في الاصطلاح
يختلف معنى الصفة عند إطلاقها على الخالق تعالى عن معناها عند حملها على مخلوقاته، وكذا عن معناها اللغوي، وقد اصطلح علماء الكلام معنى آخر في خصوص صفاته تعالى ستأتي الإشارة إليه ضمن نظريات علماء المسلمين في معنى صفته تعالى.
ثبوت الصفات لله تعالى
انقسم علماء الإسلام في اثبات الصفة لله تعالى إلى فئتين، حيث اثبت جمهورهم الصفة لله تعالى وهؤلاء هم المثبتون، ونفى جماعة عنه تعالى الصفة وهؤلاء هم النافون، وإليك إشارة مختصرة لهذين الاتجاهين:
1 ـ النافون:
ذهب جماعة من علماء الإسلام إلى نفي الصفة عن الباري تعالى باعتبار أنّ الصفة غير الموصوف، وبالتالي فإثباتها للحق تعالى محال بصريح العقل والنقل:
أمّا العقل فهو الأدلة الصريحة التي دلّت على نفي التركيب عن الذات المتعالية سواء التركيب من الاجزاء الخارجية أو العقلية أو التحليلية.
وأمّا النقل فهو مجموعة الآيات الكريمة التي نطقت بأنّ الحق تعالى خالق كلّ شيء، كقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الانعام/ 102].
وقد اشتهر نسبة هذا القول للمعتزلة، قال الشهرستاني: >وقال أهل العدل: إنّ الله تعالى واحد في ذاته، لا قسمة ولا صفة له، وواحد في افعاله لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في افعاله، ومحال وجود قديمين ومقدور بين قادرين<( ).
وأهل العدل عنده هم المعتزلة، قال: >المعتزلة: ويسمون أصحاب العدل<( ).
وقال الاشعري القمي: >والمعتزلة لقبوا انفسهم باصحاب العدل والتوحيد؛ و ذلك لقولهم بوجوب الاصلح ونفى الصفات لله<( ).
ويلاحظ عليه:
سيأتي بيان اختلاف المثبتون للصفة في بيان معناها، وما ذُكر من لزوم التركيب في الذات المتعالية لا يرد على القول بالعينية، كما أنّ صفاته تعالى ليس لها تحقق وراء ذاته حتى تكون غيرها لتدخل في إطار عموم الآيات الكريمة المصرّحة بخالقية الحق تعالى لكلّ شيء، وإنّما الاختلاف بين ذاته تعالى وصفات بحسب المفهوم واللفظ دون المصداق والحقيقة.
وظاهر نصوص بعض علماء المعتزلة أنّهم لا ينفون أصل ثبوت الصفة للحق تعالى كيف والقرآن الكريم قد نسب الصفة للحق تعالى في آيات كثيرة جدّا؟
نعم، هم ينفون المعانى الزائدة وراء تلك الصفات فليس هناك إلا الذات المتعالية، وبعبارة أوضح أنّ الكثرة بحسب المفهوم واللفظ دون المصداق، قال ابن ابي الحديد في بيان قول أمير المؤمنين عليه السلام: >فهو تصريح بالتوحيد الذي تذهب إليه المعتزلة، وهو نفي المعاني القديمة التي تثبتها الأشعرية وغيرهم‏<( ).
وقال في بيان بعض خطب أمير المؤمنين×: >في هذا الفصل على قصره ثماني مسائل من مسائل التوحيد... و الرابعة نفي الصفات عنه أعني المعاني<( ).
فالظاهر من هذا المتن أنّ المعتزلة ينفون الصفة عن الحق تعالى بالمعنى الذي تثبته الأشاعرة لا مطلق الصفة، فهم من المثبتين أيضاً، وستأتي الإشارة لنظريتهم في معنى صفاته تعالى لاحقاً.

2 ـ المثبتون
أثبت جمهور علماء المسلمين الصفة لله تعالى متمسكين في ذلك بصريح العقل والنقل( ).
الدليل على ثبوت الصفة لله تعالى
الادلة على ثبوت الصفة لله تعالى من العقل والنقل كثيرة:
أمّا العقل فلابد للباحث عن المعارف الإلهية أنْ يذعن بوجوب انتهاء كلّ شيء إليه تعالى، وكينونته ووجوده منه تعالى، فهو مالك كلّ شيء؛ إذ لو لم يكن كذلك لم يستطع أن يفيضها على الغير، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ثمّ انّ حقائق بعض هذه الأشياء مبنيّة على الحاجة, مخبرة عن فقرها ونقصها.
والباري تعالى منزه عن كلّ نقص وحاجة، لأنه تعالى الموجود الذي يرجع إليه كل شيء في رفع حاجته، فله الملك على الإطلاق، فهو تعالى يملك ما وجدناه في الوجود من صفات كمال, كالحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والرزق والرحمة والعزة، فهو تعالى حي، قادر، عليم، سميع، بصير؛ لانّ في نفيها إثبات النقص, ولا سبيل للنقص إليه تعالى.
وهو تعالى رزاق، رحيم، عزيز، محي ومميت، ومبدء ومعيد وباعث؛ لانّ الرزق والرحمة والإحياء والإماتة والإبداء والإعادة والبعث له تعالى، وهو تعالى السبوح، القدوس، العلي، الكبير، المتعال، ونعني بها نفي كلّ نعت عدمي وكلّ صفة نقص عنه تعالى.
فهذا من جملة الطرق التي سلكت لإثبات الصفات والأسماء له تعالى، وهو على وضوحه وبساطته لكن له شواهد كثيرة من القرآن الكريم وبالخصوص الآيات الكريمة التي أثبتت الملك له تعالى على الإطلاق، كقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء} [آل عمران/ 26]، وقوله تعالى: {وَلَهُ الْمُلْكُ} [الانعام/ 73]، وقوله تعالى: {وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الاسراء/ 111]، والآيات الأخرى التي تماثلها.
وأمّا النقل فقد وردت في القرآن المجيد العديد من الآيات الكريمة التي نسبت الصفات لله تعالى، كقوله سبحانه: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* هُوَالأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد/ 1 ـ 3]، وقوله تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلهَ إلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلهَ إلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ الْمصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ} [الحشر/ 22 ـ 24]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
والظاهر حجة إلا مع قيام القرينة على خلافة، فحينئذ يجب الأخذ بمدلول القرينة دون الظاهر كما في آيات الاستواء وما شاكل؛ لدلالة العقل القاطع على نفي الجسمية عنه تعالى بل هذه القرينة العقلية القاطعة تمنع من انعقاد ذلك الظهور.
اختلاف المثبتين في نسبة الصفة لله تعالى
اختلفت المثبتون في مدى قدرة الإنسان على درك ومعرفة صفاته تعالى وكيفية نسبتها إلى الباري تعالى, فسلك بعضهم سبيل الإفراط، ومال آخرون إلى التفريط، واختارت فئة ثالثة طريق الاعتدال.
فقد جمد المجسمة عند ظواهر بعض الآيات المتشابهة, فنسبوا صفات وأفعال الموجودات المادية إليه تعالى؛ من قبيل الحزن والفرح والذهاب والمجيء والجلوس والقيام وما شاكل من هذه الصفات والأفعال، بل زعموا صراحة بان له تعالى يد ورجل كسائر المخلوقات، وقد سمي هؤلاء بالمجسمة والمشبهة، أي الذين يقولون بالصفات الجسمانية ويشبهونه تعالى بسائر المخلوقات.
ونفى بعض آخر قدرة الإنسان على معرفة صفاته تعالى مطلقاً، وتمسكوا أيضاً بظواهر آيات أخرى, غير أنهم لما وجدوا أنفسهم أمام الآيات الصريحة التي تنسب صفاته إليه تعالى اضطروا إلى إرجاعها إلى المعاني السلبية فأولوا العلم بنفي الجهل وهكذا.
وسلكت فئة اُخرى طريق الاعتدال في ذلك فرفضت التشبيه الافراطي والتنزيه التفريطي، وسنقوم في هذه الدراسة الموجزة بعرض موجز لأهم النظريات التي طرحت في مسألة ثبوت الصفة تعالى، وبيان الحق منها:
أ ـ المشبّهة
تتلخّص نظرية المشبّهة في أنّ المفهوم يصدق على الواجب وعلى الممكن سواءً بسواء، فالله تعالى ـ حسب زعمهم ـ يسمع بأذنين، ويُبصر بعينين وهكذا، قياساً للواجب المطلق بالإنسان المحدود وتشبيهاً له به، قال الشهرستاني: >وأمّا مشبهة الحشوية فحكى الأشعري عن محمد بن عيسى أنّه حكى عن مضر وكهمس واحمد الهجيمي أنّهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الاخلاص والاتحاد المحض، وحكى الكعبي عن بعضهم أنّه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا وأنْ يزوره ويزورهم، وحكى عن داود الجواربي أنّه قال اعفوني عن الفرج واللحية واسالوني عما وراء ذلك، وقال: إنّ معبوده جسم ولحم ودم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين واذنين ومع ذلك جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء وكذلك سائر الصفات وهو لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبه شيء، وحكى عنه أنّه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره مصمت ما سوى ذلك وأنّ له وفرة سوداء وله شعر قطط<( ).
فقد اثبت هؤلاء الصفات لله تعالى في ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية، وأجروها على ظاهرها، يعني ما يُفهم عند إطلاق هذه الألفاظ على الأجسام.
ويلاحظ عليه:
إنّ التشبيه باطل بصريح العقل والنقل:
أمّا الدليل العقلي فيرتكز على مبدأ البساطة الصرفة للذات المتعالية، ومقتضى ذلك نفي الحدّ والتركيب عنه تعالى بكل أشكاله الخارجية أو العقلية أو التحليلية، فالله سبحانه لا يمكن أن يكون محدوداً، فضلاً عن أنْ يكون جسماً.
وأمّا الدليل النقلي الذي يناهض هذا الفهم، فثمَّ كثرة من الآيات والروايات التي تدحضه صراحة، فمن الآيات الكريمة يكفي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى/ 11]، وقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الانعام/ 103].
وقد وردت روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في ردّ هذه المقولة، كقول الإمام عليّ عليه السلام في المأثور من خطبه: >كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوْهامهم، وجزّأُوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم، وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم. وأشهد أنّ من ساواك بشيء من خلقك فقد عدَل بك، والعادل بك كافر بما تنزلتْ به محكماتُ آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك<( )، وقوله عليه السلام: «لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير، ولا يُجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدّونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر»( )، وقوله عليه السلام في خطبة له يتحدّث بها عن صفات الجلال: «لا تقع الأوهام له على صفة، ولا تُعقدُ القلوبُ منه على كيفية، ولا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الأبصار والقلوب»( )، وقوله عليه السلام: «وإنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول، فتكون في مهبِّ فكرها مكيّفاً، ولا في رويّات خواطرها فتكون محدوداً مصرّفاً»( )، وقوله عليه السلام: «فتبارك الله الذي لا يبلغه بعدُ الهمم، ولا يناله حدْسُ الفِطن»( )، وقوله عليه السلام: «لا تناله الأوهام فتقدّره، ولا تتوهّمه الفِطنُ فتصوّره، ولا تدركُه الحواس فتحسّه، ولا تلمسُه الأيدي فتمسَّه، ولا يتغيّر بحال، ولا يتبدّل في الأحوال، ولا تبليه الليالي والأيّام، ولا يغيّره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والأبعاض»( )، وقوله عليه السلام: «لا يُنظر بعين، ولا يُحَدّ بأين، ولا يُوصف بالأزواج، ولا يُخلق بعلاج، ولا يُدرك بالحواسّ، ولا يُقاس بالناس»( ).
والحاصل: أنّ نظرية التشبيه والتجسيم تتعارض مع البراهين العقلية، وتصطدم بجلاء مع النقل، كما أنّها غير معقولة في نفسها.
ب ـ المعطّلة
تتلخّص نظرية المعطلة في أنّ مفهوم الصفات وألفاظها وإنْ كان يصدق على الحق تعالى كما نطقت بذلك الآيات الكريمة الكثيرة لكن لا يجوز الولوج في معرفتها، وتلك الآيات من المتشابهات.
وقد انطلقت هذه النظرية كردّ فعل فكريّ على نظرية المشبّهة حيث وقفت على الطرف المقابل، فآمنت بإثبات الصفات والأفعال، بيدَ أنّها لاذت بتعطيل العقل الإنساني عن إدراكها ومعرفتها.
فيؤمن أنصار هذه النظرية بأن الله عالم، بيد أنّهم لا يتوغّلون في معرفة هذا العلم، بل لا يفكّرون فيه مطلقاً، إنّما يكتفون بتصوّر أوّلي يفيد إثبات الضدّ، ليكون معنى عالم أنّه غير جاهل، وهكذا بالنسبة للصفات الأخرى وما يدخل في منظومة الفكر التوحيدي من معارف.
ويدخل ضمن إطار التعطيل إرجاع صفاته تعالى الذاتية إلى السلبية، يعني إذا وصفنا الله تعالى بصفات الذات كالعلم والقدرة والحياة، فإنّما ننفي عنه بكلّ صفة منها ضدّها، فمتى قلنا أنّه حيٌّ نفينا عنه ضدّ الحياة وهو الموت، ومتى قلنا أنّه عليم نفينا عنه ضدّ العلم وهو الجهل ، ومتى قلنا أنّه قادر نفينا عنه ضدّ القدرة وهو العجز( ).
ويلاحظ عليه:
إنّ التعطيل باطل بصريح النقل والوجدان:
أمّا الوجدان فمن الواضح أنّ التعطيل يتناقض والوجدان الإنساني، فالإنسان يحكم بالوجدان بإمكان المعرفة، بل يعد التفكير المنطقي والبحث الحرّ بلوغاً إلى المعرفة من مكنونات الجبلّة الإنسانية، ومن جملة ما أودع الله من غرائز في النوع البشري.
وأمّا النقل فثمَّ من الآيات الكريمة والروايات ما يتصادم مع هذا المنطق ويدحضه، ففي القرآن الكريم عدد وافر من الآيات يذكر لله سبحانه الصفات والأسماء كما تقدمت الإشارة لجملة من هذه الآيات الكريمة، فهل من المعقول أن يذكر القرآن عشرات بل مئات الصفات والأسماء دون أن يكون لها معنىً؟ أو أن يكون المراد منها نفي مقابلها فقط؟ لو كان الثاني هو المقصود لأشار القرآن إليه ضرورة، ولأشارت إليه الروايات أيضاً.
وقد وردت كثير من الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في رد التعطيل، كما في النصّ المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: >لم يُطلِع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته<( ).
وُروي عن الإمام أبي جعفر الثاني عليه السلام أنّه سٌئل: هل يجوز أن يقال لله إنّه شيء؟ قال: >نعم، يخرجه من الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه<( ).
وُروي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: >إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، مذهب إثبات بتشبيه (وهم المجسّمة)، ومذهب النفي (وهم المعطّلة)، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه<( ).
والمراد بالتعطيل هو تعطيل الإدراك الإنساني عن التعاطي مع المعرفة التوحيدية، كما أشار إليه الشيخ المجلسي في تعليقه على الحديث، قال: >حدّ التعطيل هو عدم إثبات الوجود والصفات الكمالية والفعلية والإضافية له تعالى، وحدّ التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات<( ).
ورُوي عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال: >ومن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغَّر بالكبير، وما قدروا الله حقّ قدره< قيل له: فكيف السبيل إلى التوحيد؟ فأجاب عليه السلام: «باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود<( )، وما أدلّ التعبير على إمكان المعرفة ومناهضة التعطيل.
إذن، المعرفة ممكنة، والاكتناه محال، وباب المعرفة مفتوح غير مسدود، إنما تكمن الإشكالية في طبيعة التوفيق بين الإمكانية والكيفية خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ مفاهيم الصفات مأخوذة من مصاديق مادّية محدودة في نطاق الإدراك الإنساني، وهذا ما يضعنا على مشارف النظرية الثالثة.
ج ـ إمكان المعرفة
وقد يُطلق عليها نظرية المعرفة الممكنة، تعبّر هذه النظرية ـ بحسب اعتقادنا ـ عن موقف القرآن الكريم وأئمّة أهل البيت عليه السلام.
بديهيّ عندما تُبين هذه النظرية موقفها بإمكان المعرفة، فلا تعني أنّ بمقدور الإدراك الإنساني أن يعرف الله سبحانه بتمام حقيقته وكنهه فهذا محال، إنّما هدفها الأساسي أنْ تناهض النظرية التعطيلية التي تغلق باب المعرفة بتمامه لتحجب الإنسان عن واجب معرفة الله تعالى وتحرمه من عطاء التوحيد.
التفكيك بين المفهوم والمصداق
من اللوازم المترتبة على الإيمان بنظرية إمكان المعرفة أن تتحمّل أعباء مواجهة إشكالية الكيفية؛ إذ كيف يكون بمقدور المفاهيم الإنسانية بطابعها المحدود المتلابس مع المادّة أن تكون أداة لمعرفة صفات المطلق وأسمائه؟
يتمثّل إنجاز هذه النظرية علمياً أنّها تؤمن بالاشتراك المعنويّ للمفاهيم بين الممكن والواجب، بيدَ أنّها تميّز بينهما بالمصداق.
عندما تطلَق أوصاف العلم والقدرة والحياة وغيرها على الله سبحانه فإنّ معاني هذه المفاهيم واحدة بينه وبين الإنسان، ففي مقولة (الله عالم) و(علي عالم) يكون معنى العلم بينهما واحداً على سبيل الاشتراك المعنوي، لا أنّه في الله سبحانه بمعنىً وفي عليّ بمعنىً آخر، لكن الاختلاف في المصداق، فأين التراب وربّ الأرباب؟! فالمصداق في الإنسان: ممكن، فقير، محدود، مجسّم، لكنّه في الله سبحانه: مطلق، غير متناه، واجب وغنيّ.
تعتقد هذه النظرية أنّ هذا المسار القائم على التمييز بين المفهوم والمصداق هو الصراط السويّ في معرفة الصفات الذاتية، فالمفهوم مشترك معنويّ، بيدَ أنّ أحدهما غير الآخر في المصداق، على هذا يوجد مشارك لله سبحانه من حيث المفهوم، لكنّه في المصداق {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى/ 11].
ومن هنا ينبغي التمييز جيّداً بين فضاء المفاهيم وعالم المصاديق، وربما كان أحد معاني إخراجه سبحانه من حدّي التعطيل والتشبيه وسلوك الصراط السويّ في المعرفة التوحيدية أنّ المفهوم معلوم للإدراك البشري عبر الاشتراك المعنوي، والمصداق مجهول الكنه، لكن مع ذلك كلّه ثَمَّ تقييد في عالم المفاهيم ينبغي لنا مراعاته في الدائرة التوحيدية.
فلا ريب في أنّ المفاهيم التي تحكي عن نقص كمفهوم الجهل والعجز والموت والفقر لا تصدق على الواجب سبحانه وهو منزَّه عنها.
وكذا المفاهيم التي تحكي عن كمال مرتبط بمرتبة من مراتب الوجود لا بكلّ مراتبه نظير الحركة، فإذا ما قيس شيء بشيء آخر قيل هذا ساكن وهذا متحرِّك، وهذا الشخص متعلِّم وذاك غير متعلِّم، وهذه المرأة ولود وتلك عاقر، فالحركة والتعلّم والولادة هي مفاهيم كمالية تصف ممكنات وجودية في فضاء الوجود الممكن، لكن هذه المفاهيم لا تصلح للتعبير عن وجودات أعلى مرتبة كالملائكة مثلاً، فلا توصف الملائكة أنّها ولودة إبرازاً لصفة كمالية فيها؛ لأنّه لا معنى للولادة في عالم الملائكة، حتى تكون صفة كمالية وعكسها صفة نقص، بل لا يصلح استخدام المفهوم إزاء الرجل مع أنّه في مرتبة وجودية واحدة مع المرأة، لأنّ الولود وإن كان مفهوماً كمالياً للمرأة، إلاّ أنّه لا يُعَدّ عدمه مفهومَ نقص بالنسبة إلى الرجل، لأنّ الولادة ليست من شأنه.
فهذا الضرب من المفاهيم الكمالية التي ترتبط بمرتبة وجودية معيّنة، لا يصدق هو الآخر على الواجب سبحانه.
نعم، المفاهيم التي تحكي كمالاً مطلقاً في أيّ مرتبة من مراتب الوجود، كالعلم والقدرة والحياة، يمكن اطلاقها على الحق تعالى، فهذه المفاهيم عامّة تنطبق على عالمنا المادّي وعلى غيره، فليست الحياة كمالاً لموجود في مرتبة خاصّة، بل هي كمال مطلق يعمّ كلّ مراتب الوجود.

حدود المفاهيم
إنّ للمفهوم حدوداً لا يتخطّاها حتّى مع التجريد والتطهير، فعندما نطلق مفاهيم الحياة والعلم والقدرة على الله سبحانه فإنّها تبقى محدودة مهما جرّدت، تبرز محدوديتها أنّها تعبّر عن معناها ولا تحكي غيرها، فعلى سبيل المثال: لا يتضمّن مفهوم الحياة القدرة والعلم مثلاً، كما لا يتضمّن مفهوم العلم الحياة والقدرة، بل إنّ كلاً من هذه المفاهيم يحكي معناه ويعبِّر عنه وحسب.
حتى تقييد هذه المفاهيم بقرينة من قبيل (علم لا كالعلوم) و (قدرة لا كقدرة غيره)، لا ينقذ المفاهيم من ورطة التحديد التي ترجع بالأساس إلى محدودية اللغة ذاتها، فمفهوم العلم مثلاً هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعدّه كمالاً لما يوجد له، وفي هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة والحياة مثلاً، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثم عدلنا محدوديته بالتقييد في نحو قولنا: (علم لا كالعلوم) فهب أنّه يخلص من بعض التحديد لكنّه بعدُ مفهوم لا ينعزل عن شأنه وهو عدم شموله ما وراءه، وإضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدّي إلى بطلان خاصّة المفهومية.
وعلى ضوء ذلك نصير إلى معنى أدقّ ممّا مرّ لكلمات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: >لا تحدّه الصفات<، >وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه< وقوله: >الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود<، فأنت ترى أنّه عليه السلام يثبت الصفة في عين أنّه ينفيها أو ينفي حدّها، ومن المعلوم أنّ إثباتها هي لا تنفكّ عن الحدّ، فنفي الحدّ عنها إسقاط لها بعد إقامتها، ويؤول إلى أنّ إثبات شيء من صفات الكمال فيه لا ينفي ما وراءها فتتّحد الصفات بعضها مع بعض ثم تتّحد مع الذات ولا حدّ، ثم لا ينفي ما وراءها ممّا لا مفهوم لنا نحكي عنه، ولا إدراك لنا يتعلّق به.
فهذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة الموازين والمكائيل يُوزن ويُكتال بها الوجود الخارجيّ والكون الواقعيّ، فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض واستمددنا من أحدها للآخر، لا يُغترف بأوعيتها إلاّما يقاربها في الحدّ، فإذا فرضنا أمراً غير محدود (الذات الإلهية) ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلاّ المحدود وهو غيره، وكلّما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعالياً وابتعاداً( ).
ومن معطيات التمييز بين المفهوم والمصداق معالجة مشكلة أخرى قد يعرض لها بعضهم في سياق المعرفة التوحيدية، فالذات مطلقة لا يمكن اكتناهها ومعرفتها، والصفات عين الذات، فلا يمكن إذن معرفة الصفات!
وهذا الإشكال يعكس خلطاً بين المفهوم والمصداق، فإنّ الصفة عين الذات مصداقاً، وما تدركه المعرفة التوحيدية الإنسانية بوجه يكون على صعيد المفهوم، بالقيود والحدود التي ذُكرت للمفاهيم خاصّة، وللّغة بشكل عامّ.
إذن، تبقى المفاهيم أوعية محدودة ويبقى الإدراك الإنساني أسير تلك الحدود، وتبقى الذات الإلهية فوق جميع التصوّرات بل حتى فوق هذا التصوّر الذي يفيد أنّه سبحانه بخلاف كلّ تصوّر، قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [طه/ 110]، وقال أمير المؤمنين في بعض خطبه المأثورة عنه: >فلسنا نعلم كنه عظمتك، إلاّ أنا نعلمُ أنّك حيٌّ قيوم لا تأخذك سِنة ولا نوم<( ).

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .