انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

3 البراهين العقلية على وجوده الله تعالى

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة جاسم هاتو فاخر الموسوي       20/11/2018 12:24:57
المحاضرة الثالثة
البراهين العقلية على وجوده الله تعالى
إن البراهين العقلية الدالة على وجود خالق لهذا الكون ومفيض لهذه الحياة، كثيرة متعددة، وسنقتصر على جملة منها، هي: برهان النظم، وبرهان الحدوث، وبرهان الإمكان والوجوب، وبرهان الصديقين.
البرهان الأول: برهان النظم
يبتني برهان النظم على مقدمات أربع:
الأولى: إن وراء الذهن الإنساني عالما مليئا بالموجودات، محتفا بالظواهر الطبيعية. وإن ما يتصوره الإنسان في ذهنه هو انعكاس للواقع الخارجي، وهذه المقدمة قد أطبق عليها الإلهي والمادي رافضين كل فكرة قامت على نفي الواقعية ولجأت إلى المثالية، بمعنى نفي الحقائق الخارجية.
إن كل إنسان واقعي يعتقد بأن هناك قمرا وشمسا وبحرا ومحيطا وغير ذلك. كما يعتقد بوجوده، وذهنه والصور المنعكسة فيه، وهذه هي الخطوة الأولى في مضمار معرفة الله، وهي التصديق بالواقعيات. ويشترك فيها الفلاسفة الواقعيون، دون المثاليين بمعنى الخياليين.
وبذلك يظهر أن رمي الإلهي بالمثالية بمعنى نفي الواقعيات، افتراء وكذب عليه، إذ لا يوجد على أديم الأرض من يكون إليها وفي الوقت نفسه ينفي واقعيات الأشياء والظواهر الطبيعية. ولو وجد هناك إنسان بهذه العقيدة فليس من تلك الزمرة، وإنما هو من المنحرفين عن الفطرة السليمة الإنسانية.
وما ربما يحكى عن بعض العرفاء من أن الموجود الحقيقي هو الله سبحانه وما سواه موجود بالمجاز، فله معنى لطيف لا يضر بما قلناه، وهذا نظير ما إذا كان هناك مصباح في ضوء الشمس، فيقال إن الضوء ضوء الشمس ولا ضوء لغيرها، فهكذا وجود الممكنات، المفتقرات المتدليات بالذات، بالنسبة إلى واجب الوجود القائم بالذات.
الثانية: إن عالم الطبيعة خاضع لنظام محدد، وإن كل ما في الكون لا ينفك عن النظم والسنن التي كشفت العلوم الطبيعية عن بعضها، وكلما تطورت هذه العلوم خطى الإنسان خطوات أخرى في معرفة الكون والقوانين السائدة عليه.
الثالثة: أصل العلية، والمراد منه أن كل ما في الكون من سنن وقوانين لا ينفك عن علة توجده وأن تكون الشئ بلا مكون وتحققه بلا علة، أمر محال لا يعترف به العقل، بالفطرة، وبالوجدان والبرهان. وعلى ذلك فكل الكون وما فيه من نظم وعلل نتيجة علة أوجدته وكونته.
وهنا ينبغي التنبيه على أن الإلهي والمادي يستعملان كلمة العلة بمعنى مغاير لما يريده الآخر:
فالعلة عند الإلهي هي مفيض الوجود على الأشياء ومخرجها من العدم ، ومصيرها موجودة بعد أن كانت معدومة - فعند ذلك يكون المعلول بمادته وصورته وبجميع شؤونه منوطا بها ، فالعلة هي التي تعطي المادة وجودها وصورتها وكل شؤونها وهي التي - بالتالي - تخرجها من ظلمة العدم إلى حيز التحقق.
وللتوضيح نمثل لذلك بالصور الذهنية والنفس الإنسانية. إن النفس توجد الصور في الذهن وتكونها فيه ، نعم النفس تستعين في خلقها لبعض الصور بأمثلة خارجية محسوسة ولكنها قد تخلق أحيانا صورا في الذهن لا مثيل لها في الخارج كالصور الخيالية غير الموجودة في الخارج.
وعلى ذلك فالعلة التي يقصدها الإلهي هي ذلك. وبالتالي إن الخالق خلق المادة وأفاض عليها صورها وأحاطها بشبكة من النظام البديع الذي لم يكن قبل ذلك قط.
وأما العلة عند المادي فهي الموجد للحركة والتفاعلات في المادة ، كالنجار الذي يجمع الأخشاب من هنا وهناك ويضم بعضها إلى بعض بنحو خاص فتصير على هيئة الكرسي ، أو كالبناء الذي يجمع الأحجار والطين من هنا وهناك ويرتبها بهندسة خاصة فتصير جدارا وبناء ، أو كالنار التي توجب غليان الماء وتحوله إلى بخار. وربما يتوسع المادي في استعمال كلمة العلة فيطلقها على نفس المادة المتحولة إلى مادة أخرى كالحطب إلى الرماد ، والوقود إلى الطاقة ، والكهرباء إلى الضوء والصوت والحرارة. فبذلك علم أن بين المصطلحين بونا شاسعا ، فأين العلة التي يستعملها الإلهي في مفيض الوجود بمادته وصورته ، من العلة التي يستعملها المادي في موجد الحركة في المادة أو في المادة القابلة للتحول إلى شئ آخر ! !.
والذي دعى المادي إلى تفسير العلة بهذا المعنى هو اعتقاده بقدمها وقدم الطاقات الموجودة فيها وغناها عن موجدها. وهذا بخلاف الإلهي المعتقد لحدوث المادة وسبقها بالعدم ، فلها علة فاعلية مخرجة لها من العدم إلى الوجود. وإلى ذينك الاصطلاحين أشار الحكيم الإلهي السبزواري بقوله : معطي الوجود في الإلهي فاعل معطي التحرك الطبيعي قائل نعم ربما يستعمل الإلهي لفظة العلة في معطي الحركة وموجدها وإن لم يوجد المادة وصورتها ، فيقول : إن النجار علة للسرير ، والنار للإحراق ، توسعا في الاصطلاح.
وإلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه : ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون .. أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ... أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ) . ولا شك أن للإنسان دورا في تكون الإنسان والزرع والشجر ، ولله سبحانه أيضا دور. ولكن دور الإنسان لا يتجاوز كونه فاعلا بالحركة حيث يلقي النطفة في الرحم وينثر البذور في الأرض ويغرس الأشجار ويجري الماء عليها ، فأين هو من إفاضة الوجود على الإنسان والزرع.. والشجرة ، مادة وصورة.
الرابعة: إن دلالة الأثر تتجلى بصورتين:
أ - وجود الأثر يدل على وجود المؤثر، كدلالة المعلول على علته، والآية على صاحبها، وقد نقل عن أعرابي أنه قال: " البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير "، إلى غير ذلك من الكلمات التي تقضي بها الفطرة. وهذه الدلالة مما لا يفترق فيها المادي والإلهي، وإنما المهم هو الصورة الثانية من الدلالة.
ب - إن دلالة الأثر لا تنحصر في الهداية إلى وجود المؤثر، بل لها دلالة أخرى في طول الدلالة الأولى، وهي الكشف عن خصوصيات المؤثر من عقله وعلمه وشعوره، أو تجرده من تلك الكمالات والصفات وغيرها.
ولنوضح ذلك بمثال: أن كتاب " القانون " المؤلف في الطب، كما له الدلالة الأولى وهي وجود المؤثر، له الدلالة الثانية وهي الكشف عن خصوصياته التي منها أنه كان إنسانا خبيرا بأصول الطب وقوانينه، مطلعا على الداء والدواء، عارفا بالأعشاب الطبية، إلى غير ذلك من الخصوصيات.
والملحمة الكبيرة الحماسية لشاعر إيران ( الفردوسي ) لها دلالتان: دلالة على أن تلك الملحمة لم تتحقق إلا بظل علة أوجدتها، ودلالة على أن المؤلف كان شاعرا حماسيا مطلعا على القصص والتواريخ، بارعا في استعمال المعاني المتناسبة مع الملاحم. ومثل ذلك كلما تمر به مما بقي من الحضارات الموروثة كالأبنية الأثرية، والكتب النفيسة، والصنائع المستظرفة اليدوية والمعامل الكبيرة والصغيرة، إلى غير ذلك مما يقع في مرأى ومنظر كل إنسان، فالمهم في هذا الباب هو عدم الاقتصار على الدلالة الأولى بل التركيز على الدلالة الثانية بوجه علمي دقيق.
وعلى ضوء هذه القاعدة يقف العقل على الخصوصيات الحافة بالعلة، ويستكشف الوضع السائد عليها، ويقضي بوضوح بأن الأعمال التي تمتاز بالنظام والمحاسبة الدقيقة، لا بد أن تكون حصيلة فاعل عاقل، استطاع بدقته أن يوجد أثره وعمله، هذا.
كما يقضي بأن الأعمال التي تراعى فيها الدقة اللازمة والنظام الصحيح، تكون ناشئة عن عمل عامل غير عاقل، وفاعل بلا شعور ولا تفكير، فهذا ما يصل إليه العقل السليم بدرايته.
ولتوضيح الحال نأتي بالمثالين التاليين:
المثال الأول: لنفترض أن هنا مخزنا حاويا لأطنان عدة من مواد البناء بما فيها الحجر والحديد والإسمنت والجص والخشب والزجاج والأسلاك والأنابيب وغيرها من لوازم البناء، ثم وضع نصف ما في هذا المخزن تحت تصرف أحد المهندسين أو المعماريين، لينشئ به عمارة ذات طوابق متعددة على أرض منبسطة.
وبعد فترة من الزمن جاء سيل جارف وجرف ما تبقى في المخزن من مواد الانشاء وتركها على شكل تل على وجه الأرض.
إن العمل الأول ( العمارة ) قد نتج عن عمل وإرادة مهندس عالم. أما الثاني ( التل ) فقد حدث بالفعل الطبيعي للسيل من دون إرادة وشعور.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم وقومياتهم وعصورهم يحكمون بعقلانية صانع العمارة، ومدى قوة إبداعه في البناء، من وضعه الأعمدة في أماكنها المناسبة وإكسائه الجدران بالمرمر، ونصبه الأبواب في مواضعها الخاصة، ومده الأسلاك وأنابيب المياه الحارة والباردة ووصلها بالحمامات والمغاسل، وغير ذلك مما يتبع هندسة خاصة ودقيقة.
ولكن عندما نخرج إلى الصحراء كي نشاهد ما صنعه السيل، فغاية ما نراه هو انعدام النظام والترتيب فالحجر والمرمر قد اندثر تحت الطين والتراب، والقضبان الحديدية قد طرحت إلى جانب، والأسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجر، والأبواب مرمية هنا وهناك، وغير ذلك من معالم الفوضى والتبعثر. وبشكل عام، إن المعدوم من هذا الحشد هو النظام والمحاسبة، إذ لا هندسة ولا تدبر.
فالذي يستنتج أن المؤسس للبناء ذو عقل وحكمة، والمحدث للتل فاقد لهما، فالمهندس ذو إرادة والسيل فاقد له، والأول نتاج عقل وعلم، والثاني نتاج تدفق الماء وحركته العمياء.
وبعد ذكر المثال المتقدم يتضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إرادة وتدبر، والتي تحدث عن طريق الصدفة، إذ لا إرادة فيها ولا تدبر.
وهذه القاعدة التي يدركها العقل ( لا بفضل التجربة بل في ظل التفكر والتعقل ) هي روح برهان النظم الذي هو من أوضح براهين الإلهيين في إثبات الصانع ورفض الالحاد والمادية، واشملها لجميع الطبقات.
وملخص بيانهم في تطبيق هذه المقدمة على العالم، هو أن العلم لم يزل يتقدم ويكشف عن الرموز والسنن الموجودة في عالم المادة والطبيعة والعلوم كلها بشتى أقسامها وأصنافها وتشعبها وتفرعها تهدف إلى أمر واحد وهو أن العالم الذي نعيش فيه، من الذرة إلى المجرة عالم منسجم تسود عليه أدق الأنظمة والضوابط، فما هي تلك العلة؟
أقول: إنها تتردد بين شيئين لا غير.
الأول: إن هناك موجودا خارجا عن إطار المادة عالما قادرا واجدا للكمال والجمال، قام بإيجاد المادة وتصويرها بأدق السنن، وتنظيمها بقوانين وضوابط دقيقة، فهو بفضل علمه الوسيع وقدرته اللا متناهية، أوجد العالم وأجرى فيه القوانين، وأضفى عليه السنن التي لم يزل العلم من بدء ظهوره إلى الآن جاهدا في كشفها، ومستغرقا في تدوينها، وهذا المؤثر الجميل ذو العلم والقدرة هو الله سبحانه.
الثاني: إن المادة الصماء العمياء القديمة التي لم تزل موجودة، وليست مسبوقة بالعدم، قامت بنفسها بإجراء القوانين الدقيقة، وأضفت على نفسها السنن القويمة في ظل انفعالات غير متناهية حدثت في داخلها وانتهت على مر القرون والأجيال إلى هذا النظام العظيم الذي أدهش العقول وأبهر العيون.
إذا عرضنا هاتين النظريتين على المقدمة الرابعة لبرهان النظم، وهي قادرة على تمييز الصحيح من الزائف منهما، فلا شك أنها ستدعم أولاهما وتبطل ثانيتهما لما عرفت من أن الخصوصيات الكامنة في وجود المعلو والأثر، تعرب عن الخصوصيات السائدة على المؤثر والعلة، فالسنن والنظم نكشف عن المحاسبة والدقة، وهي تلازم العلم والشعور في العلة، فكيف تكون المادة العمياء الصماء الفاقدة لأي شعور هي التي أوجدت هذه السنن والنظم؟
وعلى ضوء ذلك فالسنن والنظم، التي لم يتوفق العلم إلا لكشف أقل القليل منها، تثبت النظرية الأولى وهي احتضان العلة واكتنافها للشعور والعلم وما يناسبهما، وتبطل النظرية الثانية وهي قيام المادة الصماء العمياء بإضفاء السنن على نفسها بلا محاسبة ودقة بتخيل أن انفعالات كثيرة، حادثة في صميم المادة، انتهت إلى ذاك النظام المبهر تحت عنوان " الصدفة " أو غيرها من الصراعات الداخلية التي تلوكها ألسنة الماركسيين.
وعلى ذلك فكل علم من العلوم الكونية، التي تبحث عن المادة وخصوصياتها وتكشف عن سننها وقوانينها، كعملة واحدة لها وجهان، فمن جانب يعرف المادة بخصوصياتها، ومن جانب آخر يعرف موجدها وصانعها. فالعالم الطبيعي ينظر إلى واحد من الوجهين كما أن العارف ينظر إلى الجهة الأخرى والعالم الرباني ينظر إلى كلتا الجهتين ويجعل الأولى ذريعة للثانية. وبهذا نستنتج إن العلوم الطبيعية كلها في رحاب إثبات المقدمة الرابعة لبرهان النظم، وأن اكتمال العلوم يعين ذلك البرهان بأوضح الوجوه وأدق الطرق، وأن الاعتقاد بالصانع العالم القادر يصاحب العلم في جميع العصور والأزمان.
البرهان الثاني: برهان الإمكان
إن توضيح برهان الإمكان يتوقف على بيان أمور:
الأمر الأول: تقسيم المعقول إلى الواجب والممكن والممتنع
إن كل معقول في الذهن إذا نسبنا إليه الوجود والتحقق، فإما أن يصح اتصافه به لذاته أولا. الثاني هو ممتنع الوجود كاجتماع النقيضين. والأول: إما أن يقتضي وجوب اتصافه به لذاته أو لا. والأول هو واجب الوجود لذاته. والثاني، هو ممكن الوجود لذاته، أعني به ما تكون نسبة كل من الوجود والعدم إليه متساوية.
وبعبارة أخرى: إذا تصورنا شيئا، فإما أن يكون على وجه لا يقبل الوجود الخارجي عند العقل أو يقبله. والأول هو الممتنع بالذات كاجتماع النقيضين وارتفاعها، واجتماع الضدين، ووجود المعلول بلا علة. والثاني، إما أن يستدعي من صميم ذاته ضرورة وجوده ولزوم تحققه في الخارج، فهذا هو الواجب لذاته. وإما أن يكون متساوي النسبة إلى الوجود والعدم فلا يستدعي أحدهما أبدا، ولأجل ذلك قد يكون موجودا وقد يكون معدوما، وهو الممكن لذاته، كأفراد الإنسان وغيره. وهذا التقسيم، دائر بين الايجاب والسلب ولا شق رابع له، ولا يمكن أن يتصور معقول لا يكون داخلا تحت هذه الأقسام الثلاثة.
الأمر الثاني: وجود الممكن رهن علته
إن الواجب لذاته بما أنه يقتضي الوجود من صميم ذاته، لا يتوقف وجوده على وجود علة توجده لاستغنائه عنها. كما أن الممتنع حيث يستدعي من صميم ذاته عدم وجوده فلا يحتاج في الاتصاف بالعدم إلى علة. ولأجل ذلك قالوا إن واجب الوجود في وجوده، وممتنع الوجود في عدمه، مستغنيان عن العلة، لأن مناط الحاجة إلى العلة هو الفقر والفاقة، والواجب، واجب الوجود لذاته. والممتنع، ممتنع الوجود لذاته. وما هو كذلك لا حاجة له في الاتصاف بأحدهما إلى علة. فالأول يملك الوجود لذاته، والثاني يتصف بالعدم من صميم الذات.
وأما الممكن فبما أن مثله إلى الوجود والعدم كمثل مركز الدائرة إلى محيطها لا ترجيح لواحد منهما على الآخر، فهو في كل من الاتصافين يحتاج إلى علة تخرجه من حالة التساوي وتجره إما إلى جانب الوجود أو جانب
العدم. نعم، يجب أن تكون علة الوجود أمرا متحققا في الخارج، وأما علة العدم فيكفي فيها عدم العلة. مثلا: إن طرد الجهل عن الإنسان الأمي وإحلال العلم مكانه، يتوقف على مبادئ وجودية، وأما بقاؤه على الجهل وعدم العلم فيكفي فيه عدم تلك المبادئ.
الأمر الثالث: في بيان الدور والتسلسل وبطلانهما
الدور عبارة عن كون الشئ موجدا لشئ ثان، وفي الوقت نفسه يكون الشئ الثاني موجدا لذاك الشئ الأول. وهذا باطل لأن مقتضى كون الأول علة للثاني، تقدمه عليه وتأخر الثاني عنه: ومقتضى كون الثاني علة للأول تقدم الثاني عليه. فينتج كون الشئ الواحد، في حالة واحدة، وبالنسبة إلى شئ واحد، متقدما وغير متقدم، ومتأخرا وغير متأخر. وهذا هو الجمع بين النقيضين، وبطلانه كارتفاعهما من الضروريات البديهية. فينتج أن الدور وما يستلزمه محال.
ولتوضيح الحال نمثل بمثال: إذا اتفق صديقان على إمضاء وثيقة واشترط كل واحد منهما لإمضائها، إمضاء الآخر، فتكون النتيجة توقف إمضاء كل على إمضاء الآخر. وعند ذلك لن تكون تلك الورقة ممضاة إلى يوم القيامة، لما ذكرنا من المحذور.
وهاك مثالا آخر: لو أراد رجلان التعاون على حمل متاع، غير أن كلا يشترط في إقدامه على حمله إقدام الآخر. فلن يحمل المتاع إلى مكانه أبدا.
وأما التسلسل فهو عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة، مترتبة غير متناهية، ويكون الكل متسما بوصف الإمكان بأن يتوقف (أ) على (ب)، والثاني على (ج)، والثالث على رابع، وهكذا دواليك تتسلسل العلل والمعاليل من دون أن تنتهي إلى نقطة.
وباختصار: حقيقة التسلسل لا تخرج عن حدود ترتب علل ومعاليل، تكون متناهية من جانب أعني آخرها وغير متناهية من جانب آخر، أعني أولها. وعلى ذلك، يتسم الجزء الأخير بوصف المعلولية فقط بخلاف سائر الأجزاء، فإن كلا منها مع كونه معلولا لما فوقه، علة لما دونه، فالمعلولية وصف مشترك بين الجميع، سائدة على السلسلة وعلى أجزائها كلها بخلاف العلية فهي غير صادقة على الجزء الأخير، فهذا واقع التسلسل.
وأما بيان بطلانه فحاصله: أن المعلولية كما هي وصف عام لكل جزء من أجزاء السلسلة، وصف لنفس السلسلة أيضا. وكما أن كل واحدة من الحلقات معلولة، فهكذا مجموعها الذي نعبر عنه بسلسلة المعاليل المترتبة، أيضا معلول. فعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه: إذا كانت السلسلة الهائلة معلولة، فما هي العلة التي أخرجتها من كتم العدم إلى عالم الوجود، ومن الظلمة إلى عالم النور؟ مع أن حاجة المعلول إلى العلة أمر بديهي. وقانون العلية من القوانين الثابتة لا ينكره إلا الغبي أو المجادل في الأمور البديهية، هذا من جانب. ومن جانب آخر إن السلسلة لم تقف ولن تقف عند حد حتى يكون أول السلسلة علة غير معلول، بل هي تسير وتمتد بلا توقف عند نقطة خاصة. وعلى هذين الأمرين تتسم السلسلة بسمة المعلولية من دون أن يكون فيها شئ يتسم بسمة العلية فقط. وعندئذ يعود السؤال: ما هي العلة المحققة لهذه السلسلة المعلولة، المخرجة لها عن كتم العدم إلى حيز الوجود؟
ولك إجراء هذا البيان في كل واحدة من حلقات السلسلة، كما أجري في نفس السلسلة بعينها وتقول: إذا كان كل واحد من أجزاء السلسلة معلولا ومتسما بسمة المعلولية، فيطرح هذا السؤال نفسه: ما هي العلة التي أخرجت كل واحدة من هذه الأجزاء الهائلة الموصوفة بوصف المعلولية، من حيز العدم إلى عالم الوجود.
وإذا كانت المعلولية آية الفقر وعلامة الحاجة إلى العلة، فما تلك العلة التي نفضت غبار الفقر عن وجه هذه الحلقات وألبستها لباس الوجود والتحقق وصيرتها غنية بالغير؟
إن معلولية الأجزاء التي لا تنفك عن معلولية السلسلة آية التعلق بالعلة، وعلامة التدلي بالغير، وسمة القيام به. فما هي تلك العلة التي تتعلق بها الأجزاء؟ وما ذاك الغير الذي تتعلق به السلسلة؟ وأنت إذا سألت كل حلقة عن حالها لأجابتك بلسانها التكويني بأنها مفتقرة في وجودها، متعلقة في جميع شؤونها بالعلة التي أوجدتها. فإذا كان هذا حال كل واحدة من هذه الحلقات، كان هذا أيضا حال السلسلة برمتها. وعندئذ نخرج بهذه النتيجة: إن كل واحدة من أجزاء السلسلة معلولة، والمركب من المعاليل (السلسلة) أيضا معلول. والمعلول لا ينفك عن العلة، والمفروض أنه ليس هنا شئ يكون علة ولا يكون معلولا وإلا يلزم انقطاع السلسلة وتوقفها عن نقطة خاصة قائمة بنفسها أعني ما يكون علة ولا يكون معلولا، وهذا خلف.
وإذا أردت أن تستعين في تقريب الحقائق العقلية بالأمثلة الملموسة فهاك مثالين على ذلك:
الأول: إن كل واحدة من هذه المعاليل - التي نشير إليها بالإشارة العقلية وإن لم نقدر على الإشارة إليها عن طريق الحس لكونها غير متناهية - بحكم فقرها الذاتي، بمنزلة الصفر. فاجتماع هذه المعاليل بمنزلة اجتماع الأصفار. ومن المعلوم أن الصفر بإضافة صفر، بإضافة صفر، صفر مهما تسلسل، ولا ينتج عددا صحيحا. فلأجل ذلك يحكم العقل بأنه يجب أن يكون إلى جانب هذه الأصفار عددا صحيحا قائما بالنفس حتى يكون مصححا لقراءتها، ولولاه لما كان للأصفار المجتمعة الهائلة أي دور في المحاسبة، فلا يقرأ الصفر مهما أضيفت إليه الأصفار.
الثاني: إن القضايا المشروطة إذا كانت غير متناهية وغير متوقفة على قضية مطلقة، لا تخرج إلى عالم الوجود. مثلا إذا كان قيام زيد مشروطا بقيام عمرو، قيامه مشروطا بقيام بكر، وهكذا دواليك إلى غير النهاية، فلن يتحقق القيام عندئذ من أي واحد منهم أبدا - كما إذا شرط الأول إمضاءه للورقة بإمضاء الثاني، والثاني بإمضاء ثالث وهكذا، فلن تمضى تلك الورقة إلى الأبد - إلا إذا انتهت تلك القضايا إلى قضية مطلقة بأن يكون هناك من يقوم أو يمضي الورقة من دون أن يكون فعله مشروطا بشئ. فهذه المعاليل المتسلسلة - بما أن وجود كل منها مشروط بوجود علة تتقدمه تكون قضايا مشروطة متسلسلة غير متناهية فلا تخرج إلى عالم الوجود ما لم تصل إلى قضية مطلقة، أي إلى موجود يكون علة محضة ولا يكون وجوده مشروطا بوجود علة أخرى، وعندئذ يكون ما فرضناه متسلسلا غير متسلسل، وما فرضناه غير متناه متناهيا. فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أن فرض علل ومعاليل غير متناهية، فرض محال لاستلزامه وجود المعلول بلا علة. فيكون الصحيح خلافه أي انقطاع السلسلة، إذ لا واسطة بين الايجاب والسلب.
إلى هنا تمت المقدمات التي لها دور في توضيح برهان الإمكان وإليك نفس البرهان.
تقرير برهان الإمكان
لا شك إن صفحة الوجود مليئة بالموجودات الإمكانية بدليل أنها توجد وتنعدم، وتحدث وتفنى، ويطرأ عليها التبدل والتغير، إلى غير ذلك من الحالات التي هي آيات الإمكان وسمات الافتقار. وهذه الموجودات الإمكانية، الواقعة في أفق الحس إما موجودات بلا علة أو لها علة. وعلى الثاني فالعلة إما ممكنة أو واجبة. ثم العلة الممكنة إما أن تكون متحققة بمعاليلها (أي الموجودات الإمكانية)، أو بممكن آخر.
فعلى الأول - أي كونها موجودات بلا علة - يلزم نقض قانون العلية والمعلولية وأن كل ممكن يحتاج إلى مؤثر. ومثل هذا لو قلنا بأن علتها نفسها، مضافا إلى أن فيه مفسدة الدور.
وعلى الثاني - أي كونها متحققة بعلة ممكنة والعلة الممكنة متحققة بهذه الموجودات الإمكانية - يلزم الدور المحال.
وعلى الثالث - أي تحققها بممكن آخر وهذا الممكن الآخر متحقق بممكن آخر وهكذا - يلزم التسلسل الذي أبطلناه.
وعلى الرابع - أي كون العلة واجبة - يثبت المطلوب.
فاتضح أنه لا يصح تفسير النظام الكوني إلا بالقول بانتهاء الممكنات إلى الواجب لذاته القائم بنفسه، فهذه الصورة هي الصورة التي يصححها العقل ويعدها خالية عن الإشكال. وأما الصور الباقية فكلها تستلزم المحال، والمستلزم للمحال محال.
فالقول بكونها متحققة بلا علة أو كون علتها نفسها، يدفعه قانون العلية الذي هو معترف به عند الجميع، كما أن القول بكون بعضها متحققا ببعضها الآخر، وذاك البعض الآخر متحقق بالبعض الأول يستلزم الدور. والقول بأن كل ممكن متحقق بممكن ثان والثاني بثالث وهكذا يستلزم التسلسل. فلم يبق إلا القول بانتهاء الممكنات إلى الواجب بالذات، القائم بنفسه، المفيض للوجود على غيره.

البرهان الثالث: برهان حدوث المادة
إن الأصول العلمية أثبتت نفاذ الطاقات الموجودة في الكون باستمرار، وتوجهها إلى درجة تنطفئ معها شعلة الحياة وتنتهي بسببه فعالياتها ونشاطاتها. وهذا (نفاد الطاقات وانتهاؤها) يدل على أن وصف الوجود والتحقق للمادة ليس أمرا ذاتيا لها، إذ لو كان الوجود والتحقق أمرا ذاتيا لها، لزم أن لا يفارقها أزلا وأبدا، فنفادها وزوال هذا الوصف عنها خير دليل على أن الوجود أمر عرضي للمادة، غير نابع من صميم ذاتها. ويلزم من ذلك أن يكون لوجودها بداية، لأن لازم عدم البداية كون هذا الوصف أمرا ذاتيا لها كما هو شأن كل ذاتي، ولو كان ذاتيا لها لوجب أن لا يكون لها نهاية، مع أن العلم أثبت لها هذه النهاية.
وبعبارة أخرى: إن الوجود للمادة المتحولة إلى الطاقة ليس أمرا ذاتيا لها، وإلا لوجب أن لا يفارقها أبدا وأن لا تسير المادة إلى الفناء وانعدام الحياة والفعالية، والحال أن العلوم الطبيعية اعترفت بأن المادة سينتهي سلطانها وتفنى قوتها وطاقاتها وتموت وتبرد. فالمفارقة في جانب النهاية دليل على عدم كون الوجود ذاتيا للمادة، وكونه غير ذاتي يلازم أن يكون لها بداية، وهذا هو ما نقصده من حدوث المادة.
حدوث العالَم في القران والحديث
إن في الكتاب الكريم نصوصا على حدوث الكون أرضا وسماء وما بينهما وما فيهما، والآيات في هذا الشأن كثيرة نشير إلى القليل، كقوله سبحانه: (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ)، وقوله سبحانه: (لله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن..). فصرح في الآية الأولى بخلق كل شئ. وفي الآية الثانية بخلق السماء والأرض، ولكن صرح في الآيتين التاليتين بخلق كل دابة ونفس الإنسان، قال سبحانه: (والله خلق كل دابة)، وقال سبحانه: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا)، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أشارت جملة من الروايات المروية عن أئمة اهل البيت عليهم السلام لحدوث العالم، قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له: "الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته"، وقال عليه السلام أيضا: "الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد الذي لا من شئ كان، ولا من شئ خلق ما كان"، وقال (عليه السلام): "لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولا من أوائل كانت قبله أبدية، بل خلق ما خلقه وأتقن خلقه، وصور ما صور فأحسن صورته"، وقال (عليه السلام): "لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو أبداه ويحدث فيه ما هو أحدثه".

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .