انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

التوحيد

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة جاسم هاتو فاخر الموسوي       20/11/2018 12:22:58
المحاضرة الثانية
مسائل علم أصول الدين
يبحث في علم أصول الدين عن ثلاثة مسائل أساسية، المسألة الأولى هي الله تعالى وتشتمل على بحوث في الذات الإلهية المتعالية وبحوث في الصفة الإلهية وبحوث في الفعل الإلهي وتُعرف هذه المسألة بـ (التوحيد)، والمسألة الثانية هي النبوة، والمسألة الثالثة المعاد، ويبحث هنا عن النبوة والغمامة الإلهية باعتبار أنهما الطريق إلى الله تعالى، ويبحث عن المعاد باعتبار عدله تعالى، وبالنتيجة فكلّ مسائل هذا العلم تتمحور حول الباري سبحانه.
المسألة الأولى: التوحيد
إنّ معرفة ذات الله تعالى واكتناهها أمر مستحيل بعد ثبوت بساطة ذاته المتعالية، وانتفاء الماهية عنه؛ إذ العقل إنّما يمكنه اكتناه الماهيات، وأمّا ما لا ماهية له فليس للعقل أن يعرف كنهه، فهو تعالى صرف الوجود، ومحض التقوم، وينبوع كلّ وجود، ومبدأ كل فيض وجود، وموجودية الماهيات إنّما تتصح بكونها فائضة عنه، فجلّ وجوده عن أنْ يتعلّق بماهية أصلاً.
ومن هنا فالعقل يعرف الله تعالى بصفاته تعالى وأسمائه؛ إذ أنّ جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة، فالصفات وسائط بين الذات وبين مخلوقاته،
وقد اُشير إلى هذا المعنى في الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت ^؛ كما في رواية ابن سنان، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: >فليس يحتاج أنْ يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء؛ لغيره، يدعوه بها؛ لأنّه إذا لم يُدعَ باسمه لم يعرف» [الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص113، ح2، باب حدوث الأسماء].
ونحن هنا لا نريد إلا إثبات أصل وجوده تعالى، لكن لماذا نبحث عن وجوده تعالى وهل يمكن إقامة البرهان عليه تعالى؟
أ ـ لماذا نبحث عن وجود الله سبحانه؟
إن البحث عن ما وراء المادة بحث لا صلة له بالحياة، وليس من الموضوعات التي تقع في إطار الحياة التي يحياها الإنسان في أدوار عمره المختلفة، من صباه إلى شبابه إلى كهولته وشيخوخته، والبحث عما وراء الطبيعة وأن هناك موجودات عليا مجردة عن المادة وأحكامها، كالملائكة والعقول والنفوس، وفوقها مبدعها ومبدع جميع العوالم: ماديها ومجردها، لا ينفع في الحياة ولو أثبت بألف دليل، فصرف الوقت حول هذه المباحث يعوق الشاب عن القيام بوظائفه اللازمة.
والإجابة عن هذا السؤال واضحة بعد الاطلاع على ما ذكرنا، فقد عرفت أن للدين دورا قويا وتأثيرا عظيما في تكامل العلوم كما أنه ضمان للأخلاق، وخير دعامة لها، بل ضمان لتنفيذ القوانين الصالحة، والحصن الحصين في متقلبات الأحوال.
فإذا كان له ذلك الشأن العظيم في حياتنا العلمية والأخلاقية والاجتماعية فطي الصفح عنه والاشتغال بغيره، خسارة عظيمة للإنسانية.
فما يتشدق به المادي من أن البحث عن الدين وما وراء الطبيعة لا صلة له بالحياة، مكذوب على الدين وكلام خال عن التحقيق. نعم، ما ذكرنا من دور الدين وتأثيره في الجوانب الحيوية من الإنسان، إنما هو من شؤون الدين الحقيقي الذي يواكب العلم والأخلاق ولا يخالفهما، وأما الأديان المختلفة المنسوبة إلى الوحي والسماء بكذب وزور فخارجة عن موضوع بحثنا.
ويمكن تلخيص الدليل على وجوب البحث عن وجود الله تعالى بالأمرين التاليين:
أولا: دفع الضرر المحتمل
إن هناك عاملا روحيا يحفزنا إلى البحث عن هذه الأمور الخارجة عن إطار المادة والماديات، وهو أن هناك مجموعة كبيرة من رجالات الاصلاح والأخلاق الذين فدوا أنفسهم في طريق إصلاح المجتمع وتهذيبه، وراحوا ضحية رقيه، توالوا على مدى القرون والأعصار ودعوا المجتمعات البشرية إلى الاعتقاد بالله سبحانه وصفاته الكمالية، ادعوا أن له تكاليف على عباده ووظائف وضعها عليهم، وأن الحياة لا تنقطع بالموت وليس الموت آخرها وآخر مقطع منها، وإنما هو جسر يعبر به الإنسان من دار إلى دار، ومن حياة ناقصة إلى حياة كاملة، وأن من قام بتكاليفه ووظائفه فله الجزاء الأوفى، وأما من خالف واستكبر فله النكاية الكبرى. هذا ما سمعته آذان أهل الدنيا من رجالات الوحي والإصلاح، ولم يكن هؤلاء متهمين بالكذب والاختلاق، بل كانت علائم الصدق لائحة من خلال حياتهم وأفعالهم وأذكارهم. عند ذاك يدفع العقل الإنسان المفكر إلى البحث عن صحة مقالتهم دفعا للضرر المحتمل أو المظنون الذي يورثه مقالة هؤلاء. وليس إخبار هؤلاء بأقل من إخبار إنسان عادي عن الضرر العاجل أو الآجل في الحياة الإنسانية، فترى الإنسان العاقل يهتم بإخباره ويتفحص عن وجوده حتى يستريح من الضرر المخبر عنه.
وهذا ما اعتمد عليه علماء الكلام في إثبات لزوم البحث عن معرفة الله سبحانه. فأوجبوا هذا البحث دفعا لذاك الضرر المحتمل أو المظنون.
ثانيا: شكر المنعم
لا شك إن الإنسان في حياته غارق في النعم، فهي تحيط به منذ نعومة أظفاره إلى أخريات حياته، وهذا الشئ مما لا يمكن لأحد إنكاره. ومن جانب آخر إن العقل يستقل بلزوم شكر المنعم، ولا يتحقق الشكر إلا بمعرفته.
وعلى هذين الأمرين يجب البحث عن المنعم الذي غمر الإنسان بالنعم وأضافها عليه، فالتعرف عليه من خلال البحث إجابة لهتاف العقل ودعوته إلى شكر المنعم المتفرع على معرفته.
هذان الوجهان (دفع الضرر المحتمل، ولزوم شكر المنعم عقلا) التي ألمعنا إليها بالإجمال تحفز الإنسان إلى البحث عن معرفة الله والاهتمام بها أكثر من اهتمامه بما هو دخيل على حياته المادية، وإنما يعرض من يعرض عن هذه المسائل لعلل روحية غير خافية على الباحث، إذ لا شك إن معرفة الله، والاعتقاد به لا ينفك عن الالتزام بقيود وحدود في الحياة ورعاية الأصول الأخلاقية والاجتماعية، والقيام بالوظائف الفردية، وكل ذلك ينافي الحرية المطلقة والإباحية التي يتوخاها الماديون والمنسلكون في عدادهم. فإنكار الدين والمبدأ ليس إنكارا لنفسه بل للفرار مما يترتب عليه من الضمانات والالتزامات، والقيود والحدود، وهي تخالف هوى الإنسان الإباحي الذي لا يرى أصلا في الحياة إلا اللذة.
ب ـ الطرق إلى معرفة الله تعالى
هناك كلمة قيمة لأهل المعرفة وهي: إن الطرق إلى معرفة الله بعدد أنفاس الخلائق بل فوقها بكثير وكثير، فإن لكل ظاهرة من الظواهر الطبيعية وجهين، يشبهان وجهي العملة الواحدة، أحدهما يحكي عن وجودها وحدودها وخصوصياتها وموقعها في الكون، والآخر يحكي عن اتصالها بعلتها وقوامها بها ونشوئها منها.
فهذه الظاهرة الطبيعية من الوجه الأول - تقع موضوع البحث في العلوم الطبيعية، فيأخذ كل باحث جهة خاصة من هذا الوجه حسب تخصصه وذوقه واطلاعه، فواحد يبحث عن التراب والمعادن وآخر عن النبات والأشجار، وثالث عن الحيوان إلى غير ذلك من الموضوعات، كما أنها من الوجه الثاني تقع طريقا لمعرفة الله سبحانه والتعرف عليه من ناحية آثاره.
إن الفرق الواضح بين تعرف المادي على الطبيعة وتعرف الإلهي عليها هو أن الأول ينظر إلى الطبيعة بما هي هي، ويقف عندها من دون أن يتخذها وسيلة لتعرف آخر، وهو التعرف على مبادئ وجودها وعلل تكونها، في حين أن الإلهي، مع أنه ينظر إلى الظواهر الطبيعية مثلما ينظر إليها المادي ويسعى إلى التعرف على كل ما يسودها من نظم وسنن، فإنه يتخذها وسيلة لتعرف عال وهو التعرف على الفاعل الذي قام بإيجادها وإجراء السنن فيها، فكان النظرة في الأولى نظرة إلى ظاهر الموجود، وفي الثانية نظرة إلى الظاهر متجاوزا منها إلى الباطن.
وبعبارة أوضح، إن المادي يقتصر في عالم المعرفة، على معرفة الشئ ويغفل عن معرفة أخرى، وهي معرفة مبدأ الشئ من طريق آثاره وآياته، فلو اكتفينا في معرفة الظواهر بالمعرفة الأولى حبسنا أنفسنا في زنزانات المادة، ولكن إذا نظرنا إلى الكون بنظرة وسيعة وأخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى وهي المعرفة الآيوية لوصلنا في ظل ذلك، إلى عالم أفسح مليء بالقدرة والعلم والكمال والجمال.
وعلى ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال والروعة ومع ما فيها من النظم والسنن آيات وجود بارئها ومكونها ومنشئها، وعند ذلك يتجلى للقارئ صدق ما قلنا من أن الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءا بالذرة وانتهاء إلى المجرة.
ولأجل ذلك نرى أن رجال الوحي ودعاة التوحيد يركزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة وروعتها فإنها أصدق شاهد على أن لها صانعا ومبدعا، وهذا مشهود لمن طالع القرآن وتدبر في آياته، فهو من خلال توجيه الإنسان إلى الطبيعة وإلى السماء والأرض وما فيها من كائنات، يريد هدايته إلى مبدئها، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب والمسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون}.
ج ـ هل يمكن إقامة البرهان على وجوده الله تعالى؟
يوجد بصدد الجواب عن هذا السؤال قولان:
1 ـ النفي : يرى أصحاب هذا القول عدم إمكان إقامة البرهان على وجوده الله تعالى، وقد أقاموا على قولهم عدّة أدلة:
أ ـ البداهة: فوجوده تعالى من الأمور البديهية المستغنية عن البرهان، وهناك بعض الآيات الكريمة المؤيدة لهذا الدليل، كقوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم/ 10]
ب ـ الفطرة: فوجوده تعالى من الأمور الفطرية التي جبل عليها الإنسان بل سائر الخلق، وهناك بعض الآيات الكريمة المؤيدة لهذا الدليل، كقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم/ 30]
وقد نصّت الروايات على أن معنى الفطرة في الآية هو التوحيد، فقد روى الشيخ الكليني في كتابه الكافي بسنده إلى هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: >قلت: فطرة الله التي فطر الناس عليها؟ قال: (التوحيد)< [الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص12 ـ 13، باب فطرة الخلق على التوحيد].
ج ـ الظهور: فوجوده تعالى ظاهر، وليس هناك وجوداً أظهر من وجوده تعالى حتى يستدل بهذا الوجود عليه سبحانه، وقد أيدّت بعض المتون المروية عن أئمة اهل البيت عليهم السلام هذا المعنى، فقد جاء في دعاء عرفة المأثور عن الإمام الحسين عليه السلام: >كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عين لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا< [بحار الانوار، العلامة المجلسي، ج95، ص226].
2 ـ الإثبات: يرى أصحاب هذا القول إمكان إقامة البرهان على وجوده الله تعالى، فما ذكره أصحاب القول الأول وإنْ كان كله صحيحاً لكن ذلك لا يمنع من إقامة البرهان العقلي على وجوده تعالى، وقد أيدت بعض الآيات الكريمة هذا القول كآيات التدبر وغيرها من الآيات الكريمة الداعية إلى التعقل وذم التبلد كقوله تعالى: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد/ 24]، وهذا القول هو أصح القولين.

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .