انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية التربية الاساسية
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة جاسم هاتو فاخر الموسوي
20/11/2018 12:19:17
المحاضرة الأولى مبادئ عامة يكتسب البحث عن العقائد أهمية قصوى؛ لارتباطه الوثيق بوجود الله تعالى توحيده، فإثبات وجوده تعالى وتوحيده هو الركيزة الأساسية للعقيدة الدينية، حيث درجت منهجية البحث التوحيدي في فكر المسلمين على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي: التوحيد في الذات، والصفات، والأفعال. وقد أولت الآيات الكريمة اهتماما خاصاً لمسألة صفات الله تعالى، بخلاف مسألة إثبات وجوده تعالى حيث لم يرد إلا في مواضع محدود من آيات الكتاب المجيد كقوله تعالى: {أَمْ خُلقوا منْ غَيْر شَيْء أمْ همُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ} [الطور/ 35 ـ 36]. ولعل السرّ وراء ذلك هو أنّ القرآن الكريم يتعامل مع وجود الله كأمر ثابت جُبل عليه الإنسان، مودع في فطرته، قال تعالى: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم/ 30]، وقد تضافرت فالأحاديث من طريق أئمة أهل البيت عليهم السلام في تفسير الفطرة بالتوحيد. فالإذعان بوجود ذات ينتهي إليها أمر كلّ شيء من لوازم الفطرة الإنسانية، ولا يحيد عنه إلا من انحرف عن إلهام فطرته، لشبهة عرضت له؛ كمن يضطر نفسه على الاعتياد بالسم، وطبيعته تحذره, بإلهامها، وهو يستحسن ما ابتلي به. ومن هنا اتفق الإلهيون على أصل ثبوت وجود الباري تعالى، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك، وسنركز دراستنا على أصول العقائد الدينية بحسب ما يسعه المقام، لكن سنمهد لذلك ببعض المبادئ العامة الضرورية: 1 ـ تعريف علم أصول الدين كثيرا ما تقع المنازعات في المسائل العلمية لأجل الإجمال في مفاهيم الألفاظ التي يستعملونها، فيضطرب حبل التفاهم، لعدم اتفاق المتنازعين على حدود معنى اللفظ، فيذهب كل فرد منهم إلى ما يختلج في خاطره من المعنى، وقد لا تكون لأحدهم صورة واضحة للمعنى مرسومة بالضبط في لوحة ذهنه، فيقنع - لتساهله أو لقصور مداركه - بالصورة المطموسة المضطربة، ويبني عليها منطقه المزيف، فمن الواجب على من أراد الاشتغال بالحقائق - لئلا يرتطم هو والمشتغل معه في المشاكل - أن يفرغ مفردات مقاصده في قالب سهل من التحديد والشرح، فيحفظ ما يدور في خلده من المعنى في آنية من الألفاظ وافية به لا تفيض عليها جوانبها، لينقله إلى ذهن السامع أو القارئ كما كان مخزونا في ذهنه بالضبط، وعلى هذا الأساس المتين يبنى التفكير السليم. ولأجل أن يتغلب الإنسان على قلمه ولسانه وتفكيره لابد له من معرفة غاية التعريف وأقسامه وشروطه وأصوله وقواعده، ليستطيع أن يحتفظ في ذهنه بالصور الواضحة للأشياء، وأن ينقلها إلى أفكار غيره صحيحة: أ ـ غاية التعريف ذكر علماء المنطق أنّ غاية التعريف أمران، الأول: بيان حقيقة ذات الشئ المعرَّف، وهذا يختص بالذوات الحقيقية الخارجية، والثاني: تمييز الأمر المعرَّف عن غيره، وهذا يختص بالأمور الاعتبارية. ومن هنا يتضح أنّ الغاية من تعريف علم أصول الدين هو تمييزه عن غيره من العلوم كعلم أصول الفقه وعلم الفقه وعلم الفلسفة وغيرها من العلوم الأخرى. ب ـ أقسام التعريف قد تطلب تصور معنى اللفظ تصورا إجماليا، فتسأل عنه سؤالا لغويا صرفا إذا لم تكن تدري لأي معنى من المعاني قد وضع، والجواب يقع بلفظ آخر يدل على ذلك المعنى، كما إذا سألت عن معنى لفظ (غضنفر) فيجاب: أسد، وعن معنى (سميدع) فيجاب: سيد... وهكذا، ويسمى مثل هذا الجواب (التعريف اللفظي) وشرح الاسم، وقواميس اللغات هي المتعهدة بالتعاريف اللفظية، وهذا التعريف لا ينفع إلا لمعرفة وضع اللفظ لمعناه، فلا يستحق اسم التعريف إلا من باب المجاز والتوسع، وإنما الغرض الأصلي من (التعريف) هو المعلوم التصوري الموصل إلى مجهول تصوري الواقع جوابا عن (ما) الشارحة أو الحقيقية، ويقسم إلى حد ورسم، وكل منهما إلى تام وناقص، فهذا هو التعريف الحقيقي، وعلم المنطق هو المتعهد بهذه التعاريف. لكن كثيرا ما نجد العلماء يستعينون على تعريف الشئ بذكر موضوعه وهذا ما نسميه (التعريف بالموضوع)، وأحيانا بذكر غايته وهذا ما نسميه (التعريف بالغاية)، وأحيانا بذكر منهجه وهذا ما نسميه (التعريف بالمنهج)، وهو أقرب إلى عقول المبتدئين في فهم الأشياء وتمييزها، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم التعريف إلى: أولا: التعريف بواسطة موضوع العلم، اعني الجهة الجامعة لمسائله. ثانيا: التعريف بواسطة غاية العلم، اعني ما يطلب ذلك العلم لأجله. ثالثا: التعريف بواسطة منهج العلم، اعني نوع الاستدلال الذي يثبت مسائل العلم. ولا شك أن أفضل تعريف منها هو التعريف بها جميعا أعني التعريف بالموضوع والغاية والمنهج؛ ولذا ينبغي أن نقف على موضوع علم أصول الدين وغايته ومنهجه، لأجل تعريفه. فما هو موضوع علم أصول الدين؟ وقد ذكروا في الجواب عدّة أقوال، أصحها أنّ موضوع علم أصول الدين هو الله تعالى أو العقائد الدينية باعتبار الجهة الجامعة بينها. وما هي غاية علم أصول الدين؟ وقد ذكروا في الجواب عدّة أمور، أهمها أنّ غاية علم أصول الدين هي تحقيق العقيدة الدينية وتثبيتها ورسوخها والدفاع عنها، والتربية، والإرشاد وغير ذلك. وما هو منهج علم أصول الدين؟ الصحيح في الجواب هو أنّ منج علم أصول الدين تحدده الغاية، فغاية عالِم أصول الدين هي التي تحدد نوع المنهج الاستدلالي الذي يتبعه في بيان العقيدة. وقد قسم علماء المنطق مناهج الاستدلال بحسب الصورة إلى: الاستدلال المباشر وغير المباشر، والأخير يقسم إلى القياس والاستقراء والتمثيل، ويقسم الاستقراء إلى تام وناقص، ويقسم الناقص إلى معلل وغير معلل، والاستقراء الناقص غير المعلل والتمثيل لا يفيدان اليقين. وقسموا مناهج الاستدلال بحسب المادة إلى: البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والمغالطة، ولا يفيد اليقين منها إلا البرهان. بيان تعريف علم أصول الدين يمكن من خلال ما تقدم تعريف علم أصول الدين بأنه عبارة عن العلم الباحث عن العقيدة الدينية لتحقيقها وتثبيتها ورسوخها والدفاع عنها، والتربية، والإرشاد، وذلك بواسطة مناهج الاستدلال المختلفة. وما دام التعريف يتمحور حول الدين فينبغي التنبيه بشكل إجمالي إلى المقصود من الدين وآثاره وعلاقته بالفطرة الإنسانية. ما هو الدين؟ الدين هو الشريعة، واعني من الشريعة مجموعة التعاليم الإلهية التي اوحاها الحق تعالى إلى نبيه المصطفى الخاتم صلى الله عليه واله وسلم، فهو عندنا الإسلام لا غير. أثر الدين في الحياة إن الدين لا يحاول إرجاع البشر إلى الجهل والتخلف بل هو ثورة فكرية تقود الإنسان إلى الكمال والترقي في جميع المجالات، وأهمها: أ - تقويم الأفكار والعقائد وتهذيبها عن الأوهام والخرافات لا يتمكن الإنسان المفكر من العيش بلا عقيدة، حتى أولئك الذين يضفون على منهجهم طابع الالحاد، ويرفعون عقيرتهم بشعار اللا دينية، لا يتمكنون من العيش بلا عقيدة في تفسير الكون والحياة. وإليك نظرية الدين لواقع الكون والحياة. إن الدين يفسر واقع الكون وجميع الأنظمة المادية بأنها إبداع موجود عال قام بخلق المادة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود، وقد أخضعه لنظام دقيق، فالجاعل غير المجعول، والمعطي غير الآخذ. كما أنه يفسر الحياة الإنسانية بأنها لم تظهر على صفحة الكون عبثا ولم يخلق الإنسان سدى، بل لتكونه في هذا الكوكب غاية عليا يصل إليها في ظل تعاليم الأنبياء والهداة المبعوثين من جانب الخالق إلى هداية مخلوقه. هذا هو تفسير الدين لواقع الكون سر الحياة، غير أن المادي يحاول تفسير الكون بشكل مغاير، وهو يقول: إن المادة الأولى قديمة بالذات وهي التي قامت فأعطت لنفسها نظما، وأنه لا غاية لها، ولا للإنسان القاطن فيها. وبعبارة أخرى، إن للكون في نظرية الإنسان الإلهي بداية ونهاية، فإن نشوءه من الله سبحانه، كما أن نهايته باسم المعاد إلى الله تعالى. غير أن الكون في نظرية الإنسان المادي فاقد للبداية والنهاية، بمعنى أنه لا يتمكن من ترسيم بدايته، وأنه كيف تحقق وتكون ووجد؟ بل كلما سألته يجيبك: ب " لا أدري ". كما أنه لا يتمكن من تفسير نهايته وغايته، ولو سألته عن ذلك لأجابك ب " لا أعلم ". فهذا العالم عند الفيلسوف المادي أشبه بكتاب مخطوط مخروم قد سقطت من أوله وآخره أوراق مما دخله في إطار الابهام، فلا يقف الإنسان على بدئه ولا على ختامه فالفيلسوف المادي جاهل ببدء العالم وختامه وليس له هنا جواب سوى " لا أدري ". وبعبارة ثالثة: لم تزل الأسئلة الثلاثة التالية عالقة بذهن الإنسان منذ أن عرف يمينه من يساره، وهي: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا خلق؟ وهذه الأسئلة الثلاثة يجيب عنها الفيلسوف الإلهي بأجوبة رصينة تتضح من خلال هذه الرسالة، وإجمالها أن البداية من الله، وأن نهاية المطاف هي الله سبحانه ( إنا لله وإنا إليه راجعون )، وإن الغاية هي التخلق بالقيم والمثل الأخلاقية والاتصاف بأسمائه وصفاته سبحانه. غير أن المادي يكل عند الإجابة عن هذه الأسئلة ولا يأتي بشئ مقنع. وعلى هذا الأساس قلنا إن للدين دورا في تصحيح الأفكار والعقائد. ومن خلال المقارنة بين الفكر الإلهي والمنهج المادي في الإجابة على الأسئلة الثلاثة يعلم الإنسان أن التكامل الفكري، إنما يتحقق في ظل الدين، لأنه يكشف آفاقا وسيعة أمام عقليته وتفكيره، في حين أن المادي يملأ الذهن بالجهل والإبهام، بل يقوده إلى الخرافات. إذ كيف يمكن للمادة أن تمنح نفسها نظما؟ وهل يمكن أن تتحد العلة والمعلول، والفاعل والمفعول، والجاعل والمجعول؟ ب - تنميه الأصول الأخلاقية إن العقائد الدينية تعد رصيدا للأصول الأخلاقية إذ التقيد بالقيم ورعايتها لا ينفك عن مصاعب وآلام يصعب على الإنسان تحملها إلا بعامل روحي يسهلها ويزيل صعوبتها له، وهذا كالتضحية في سبيل الحق والعدل ورعاية الأمانة ومساعدة المستضعفين. فهذه بعض الأصول الأخلاقية التي لا تنكر صحتها، غير أن تجسيدها في المجتمع يستتبع آلاما وصعوبات، كما يستتبع الحرمان من بعض اللذائذ، فما هو ضمان تحقق هذه الأصول؟ إن الاعتقاد بالله سبحانه وإن في إجراء كل أصل من الأصول الأخلاقية أجرا كبيرا يصل إليه الإنسان في الحياة الأخروية، خير عامل لتحبيذ الإنسان وتشويقه على إجرائها والتلبس بها في حياته الدنيوية، ولولا ذاك الاعتقاد ولأصبحت الأخلاق نصائح وعظات جافة لا ضمان لإجرائها. وفي هذا الصدد يقول ويل ديوارانت المؤرخ المعاصر: " لولا الدين لتجلت الأخلاق وكأنها أشبه بالمبادلات الاقتصادية، ولصارت الغاية منها الفوز بالنجاح الدنيوي، بحيث لو كان النجاح والفوز مضادا للقيم لتمايل عنها، لكون الغاية في جانب اللاقيم، وإنما هي العقيدة الدينية التي تترك الاحساس بالمسؤولية في روح الإنسان ". ج - تحسين العلاقات الاجتماعية إن العقيدة الدينية تساند الأصول الاجتماعية لأنها تصبح عند الإنسان المتدين تكاليف لازمة، ويكون الإنسان بنفسه مقودا إلى العمل والإجراء، غير أن تلك الأصول بين غير المتدينين لا تراعى إلا بالقوى المادية القاهرة، وعندئذ لا تتمتع الأصول الاجتماعية بأي ضمان تنفيذي وهذا مشهود لمن لاحظ حياة الأمم المادية غير الملتزمة بمبدأ أو معاد. د - إلغاء الفوارق العنصرية والقومية إن الدين يعتبر البشر كلهم مخلوقين لمبدأ واحد، فالكل بالنسبة إليه حسب الذات والجوهر كأسنان المشط، ولا يري أي معنى للتمييز والتفريق وترفيع بعض وتخفيض بعض آخر، كما لا يرى معنى لوجود أناس أتخمهم الشبع وآخرين أهلكهم الجوع والحرمان. فهذه هي المجالات الأربعة التي للدين فيها دور وتأثير واضح، أفيصح بعد الوقوف على هذه التأثيرات المعجبة أن نهمل البحث عنه، ونجعله في زاوية النسيان؟ غير أن هنا نكتة نلفت نظر القارئ إليها، وهي أنه ليست كل عقيدة تتسم باسم الدين قادرة على خلق هذه الآثار وإبداعها، وإنما تقدر عليها كل عقيدة دينية تقوم على أساس العقل، وتكون واصلة إلينا عن طريق الأنبياء الصادقين، ففي مثل تلك العقيدة نجد الحركة والحياة، وفي غير هذه الصورة يصبح الدين عقائد خرافية تتجلى بصورة الرهبانية والميول السلبية إلى غير ذلك من الآثار السيئة التي نلمسها في العقائد الدينية التي لا تمت إلى الوحي ورجال الدين الحقيقي بصلة. فالمفكر الغربي إذ يتهم الدين بأنه عامل التخلف والانحطاط، ومضاد للتقدم والرقي، فهو يهدف إلى أمثال هذه العقائد الدينية. وهناك نكتة أخرى وهي: إن الدين الحقيقي يلغي الفوارق السلبية التي لا تمت إلى أساس منطقي بصلة، وأما المميزات الإيجابية التي لا تنفك عن أفراد البشر فهي غير ملغاة أبدا، فكما أن أصابع اليد الواحدة تختلف كل واحدة منها عن الأخرى، كذلك أفراد البشر يتفاوتون من حيث العقل والفكر والحركة والنشاط. فالفوارق التي تنشأ من نفس طبيعة الإنسان غير قابلة للحذف والتغيير، وما يرفضه الدين ويحذفه عن مجال الحياة هو الامتيازات النابعة من القوة والسلطة. الدين والفطرة الإيمان بالمبدأ والتوجه إلى ما وراء الطبيعة من الأمور الفطرية التي عجنت خلقة الإنسان بها، كما عجنت بكثير من الميول والغرائز، وتنقسم بشكل عام إدراكات الإنسان إلى نوعين: الأول: الإدراكات التي هي وليدة العوامل الخارجة عن وجود الإنسان بحيث لولاها لما وقف الإنسان عليها بتاتا، مثل ما وقف عليه من قوانين الفيزياء والكيمياء والهندسة. الثاني: الإدراكات النابعة من داخل الإنسان وفطرته من دون أن يتدخل في الايحاء عامل خارجي. كمعرفة الإنسان بنفسه وإحساسه بالجوع والعطش، ورغبته في الزواج في سن معينة، والاشتياق إلى المال والمنصب في فترات من حياته. تلك المعارف - وإن شئت سميتها بالأحاسيس - تنبع من ذات الإنسان وأعماق وجوده. وعلماء النفس يدعون أن التوجه إلى المبدأ داخل تحت هذا النوع من العرفان. إن علماء النفس يعتقدون بأن للنفس الإنسانية أبعادا أربعة يكون كل بعد منها مبدأ لآثار خاصة. أ - روح الاستطلاع واستكشاف الحقائق، وهذا البعد من الروح الإنسانية خلاق للعلوم والمعارف، ولولاه لما تقدم الإنسان منذ أن وجد في هذا الكوكب، شبرا في العلوم واستكشاف الحقائق. ب - حب الخير، والنزوع إلى البر والمعروف، ولأجل ذلك يجد الإنسان في نفسه ميلا إلى الخير والصلاح، وانزجارا عن الشر والفساد. فالعدل والقسط مطلوب لكل إنسان في عامة الأجواء والظروف، والظلم والجور منفور له كذلك، إلى غير ذلك من الأفعال التي يصفها كل إنسان بالخير أو الشر، ويجد في أعماق ذاته ميلا إلى الأول وابتعادا عن الثاني، وهذا النوع من الاحساس مبدأ للقيم والأخلاق الإنسانية. ج - عشق الإنسان وعلاقته بالجمال في مجالات الطبيعة والصناعة فالمصنوعات الدقيقة والجميلة، واللوحات الفنية والتماثيل الرائعة تستمد روعتها وجمالها من هذا البعد. إن كل إنسان يجد في نفسه حبا أكيدا للحدائق الغناء المكتظة بالأزهار العطرة والأشجار الباسقة، كما يجد في نفسه ميلا إلى الصناعات اليدوية المستظرفة وحبا للإنسان الجميل المظهر، وكلها تنبع من هذه الروح التي عجن بها الإنسان، وهي في الوقت نفسه خلاقة للفنون في مجالات مختلفة. د - الشعور الديني الذي يتأجج لدى الشباب في سن البلوغ، فيدعو الإنسان إلى الاعتقاد بأن وراء هذا العالم عالما آخر يستمد هذا العالم وجوده منه، وأن الإنسان بكل خصوصياته متعلق بذلك العالم ويستمد منه. وهذا البعد الرابع الذي اكتشفه علماء النفس في العصر الأخير وأيدوه بالاختبارات المتنوعة مما ركز عليه الذكر الحكيم قبل قرون وأشار إليه في آياته المباركات، كقوله تعالى: {وأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها}، فعبارة "فطرة الله" تفسير للفظة الدين الواردة قبلها، وهي تدل بوضوح على أن الدين - بمعنى الاعتقاد بخالق العالم والإنسان، وأن مصير الإنسان بيده شئ خلق الإنسان عليه، وفطر به كما خلق وفطر على كثير من الميول والغرائز، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. 2 – قيمة المعرفة الدينية إن الخطوة الأولى لفهم الدين هي الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه، فالدين الواقعي لا يعتبر كل معرفة حقا قابلا للاستناد، بل يشترط فيها الشروط التالية: أ - المعرفة القطعية التي لا تنفك عن الجزم والإذعان ورفض المعرفة الظنية والوهمية والشكية، قال سبحانه: {ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}. ترى أن الآية ترفض كل معرفة خرجت عن إطار العلم القطعي، ولأجل ذلك يذم في كثير من الآيات اقتفاء سنن الآباء والأجداد، اقتفاء بلا دليل واضح، وبلا علم بصحته وإتقانه، يقول سبحانه: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}. والقرآن ينقل أخبار الكثير من المضللين حيث يعضون أناملهم من الندم يوم القيامة بقوله: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب، والعنهم لعنا كبيرا}. ب - تعتبر المعرفة إذا كانت نابعة من أدوات المعرفة الحسية والقلبية أو العقلية، يقول سبحانه: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}. فالسمع والأبصار رمز الأدوات الحسية، والأفئدة كناية عن العقل والإدراكات الصحيحة الفكرية، والإدراكات الخارجة عن إطار تلك الأدوات غير قابلة للاستناد. وإنما اعتمد من بين أدوات المعرفة على هذين (الحس والعقل) لأنهما أكثر صوابا وأعظم نتيجة وأما غيرهما من الأدوات التي يعتمد عليها مرضى القلوب فهي غير قابلة للاستناد، ولهذين الأمرين من أدوات المعرفة شعوب وفروع قد بينت في علم " نظرية المعرفة ". نعم هناك سؤال يطرح نفسه وهو إنه إذا كان اقتفاء الآباء والأجداد وتقليدهم أمرا مذموما فلماذا جوزه الإسلام في باب معرفة الأحكام الفرعية العملية؟ إذ يصح لكل مسلم أن يأخذ مذهبه في الفروع والأحكام من إمام الفقه وعالمه، أوليس ذلك تقليد لهم كتقليد الكفار لآبائهم؟ والإجابة على هذا السؤال واضحة، إذا أخذ الأحكام عن المجتهد البارع المتخصص في فنه، ليس من قبيل التقليد المذموم وهو الرجوع إلى الغير، وتقليده بلا دليل، لأن رجوع الجاهل إلى العالم واقتفائه أثره رجوع إليه مع الدليل، وعليه سيرة العقلاء في جميع المجالات، فالجاهل بالصنعة يرجع إلى عالمها، وجاهل الطب يرجع إلى خبيره، وهكذا دواليك، وهذا كله في الأمور الفرعية. وأما المسائل الأصولية، فهي مسائل جذورية، والأمر فيها يدور بين الإثبات المحض، كما هو الحال عند الإلهيين، والنفي المحض كما هو عند الماديين، فلا يصح التقليد فيها، إذ ليس هناك قدر مشترك حتى يؤخذ به ويرجع في الزائد عليه إلى المتخصص، فإن كلا من الإلهي والمادي يدعي كونه متخصصا في هذا العلم. فلأجل ما ذكرنا، يجب على الإنسان الغور في المسائل الأصولية من دون جعل فكر سندا وحجة. 3 ـ الأسماء الأخرى لعلم أصول الدين من الأسماء المشهورة والمتداولة كثيرا لعلم أصول الدين هو (علم الكلام)، وقد ذُكر في وجه هذه التسمية عدّة أقوال، أهمها: أن هذا العلم لم يكن مدوناً في بداية ظهوره وكانت مسائله تبين مشافهة؛ ولذا سُمي بعلم الكلام، والقول الآخر هو أنه سُمي بذلك من باب تسمية الشئ باسم جزئه؛ إذ أنّ أهم مسائله الخلافية هي مسألة كلام الله تعالى، حيث اختلف قدماء علماء المسلمين في كون كلامه تعالى أزليا قديما ام حادثاً إلى درجة أنّه زُج ببعض العلماء في السجن لسنوات بسبب قوله بقدم كلامه تعالى.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|