انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الهجاء

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       04/11/2017 20:02:51
المحاضرة الثالثة .د.أ/ ثائر سمير الشمري
الهجاء
? واذا تركنـا المـديح الـى الهجـاء وجـدنا معـالم التطـور فيـه أعمـق وأوسـع منهـا فـي المـديح
الخالص ، إذ كان يتصل بحياة الشعب وال ّ ّ ّ ً ّ عامه اتصالا لعله أدق من اتـصال المـديح ، وهـي حيـاة
ّ لم يعد أساسها القبليـة كمـا كـان الـشأن فـي ا ُ لعـصر الأمـوي ، ومـن أجـل ذلـك ضـعف فـن النقـائض
لقيامه عل ّ ً يها إلا أسرابا قليلة كانـت تظهـر مـن حـين الـى حـين . ولكـن إذا كـان هـذا الفـن ضـعف ،
فـإن الهجـاء لـم يـضعف بـسبب التنـافس الـشديد بـين ا ّ لـشعراء، وقـد عمـت فيـه روح جديـدة إذ أخـذوا
ً يريـشونه سـهاما مـصمية . ويخيـل الـى الإنـسان أن أصـحابه لـم يتركـوا مثلبـة خلقيـة أو نفـسية فـي
شـ ّ ّ خص إلا صـوروها ، وكأنمـا يريـدون أن يطهـروا المج ّ ّ ً تمـع منهـا ، ولـم يتورعـوا أحيانـا عـن هجـاء
الخلفاء والوزراء ، كلما رأوهم ينحرفون عن ال ّ جـادة علـى نحـو مـا هـو مـشهور عنـد دعبـل بـن علـي
الخزاعي ، وبذلك يصبح الهجاء الـصحيفة التربويـة المقابلـة للمـديح . وقـد تبـارى الـشعراء فـي رسـم
معانيـه، تـارة يخـزون وخـز الإبـر ، وتـارة يطعنـون طع ّ ّ ً نـات قاتلـة ، مـن ذلـك قـول أبـي تمـام مـصورا
غيـر ? شـخص لا فـي موضـع الغيـرة مـن نـسائه ، وانمـ ّ ّ ا فـي الغيـرة علـى طعامـه ، حتـى لكـأن كـسر
رغيفه كسر عظم من عظامه ، يقول :
ّ ّ صدق أليَ ُ ْ ً ته إن قال مجتهـدا ِ ْ ِ ِ َ َ ?لا والرغيف ، فذاك البر من قسمه
َ َ َ ّ ٌ قد كان يعجبني لو أن غيرته ِ ِ َ َُ ِ ْ على جراذقه كانـت على حرمـه
ْ ُ ْ ََْ َ ُ ْ ِ ِ ِ ِ إن رمت قتلته فافتك بخبزته َ ّ َ ِ ِ ِ ْ فإن مـوقعها مـن لحمه ودمـه
ّ أليته : قسمه وحلفه : الجراذق : جمع جرذق وهو الرغيف .
واعتمد الهجاء معـاني الاسـتخفاف والته ّ ـوين والتحقيـر والتـصغير ، وقـد اسـتمد منهـا حمـاد
عجرد ً كثيرا حين استطار الهجاء بينه وبين بشار من مثل قوله :
ُ ِْ ِ ُ َ وأعمى يشبه القـرد َ ِ َ ُ إذا ما عمي القرد
ٌ َُ ْ ً دنيء لم يرح يومـا ٍ َ ُْ الى مجد ولم يغـد
ُْ ولم يحضر مع ُ ّ الحضا ِ ٍ َُْ ر في خير ولم يبد
ُ َ َ ْ ?ولـم يخش لـه ذم ْ ُ َ َ ْ ُ ولم يرج له حمـد
ّ ً ويقـال إن بـشارا حـين سـمع هـذه الأبيـات بكـ ّ ى مـن شـدة إيلامهـا لنفـسه ، فقـال لـه قائـل :
ّ أتبكــي مــن هجــاء حمــاد ؟ فقــال : واالله مــا أبكــي مــن هجائــه ، ولكــن أبكــي لأنــه يرانــي ولا أراه ،
فيصفني ولا أصفه .
ّ ويكثر في هجاء بشار وغيره هتك الأعراض ، وربما كان لشيوع المجون والفحش أثر في
ذلك . وتشيع في كثير من قطع الهجاء روح السخرية المريرة ، وقـد تـشيع روح الفكاهـة المـضحكة
، علـى نحـو مـا يلقانـا فـي هجـاء أبـي العتاهيـة لعبـد االله بـن معـن وقـد جعـل منـه فتـاة تتـزين لتلفـت
إليها الرجال .
ومعروف أن ابـن الرومـي هـو أكبـر ش ً ـعراء الهجـاء فـي العـصر وأكثـرهم سـهاما لمهجويـه،
وكان يعرف كيف يصب عليهم ا ّ لتصغير والحقارة والضعة ، كقوله المشهور في وصف بخيل :
ُ?يقتر عيسى على نفسه ٍ ِ وليس بباق ولا خالد
ُ ِِ فلـو يستطيع لتقتيره ّ َ تنفس من مْ ٍ ِ ِ نخر واحد
وكانت لابن الرومي حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحـو مـا يـصنع
أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية .
ولـم يكـد يتـرك الـشعراء خليفـة ولا وزيـرا ولا قاض ً ً ً ً ّ ـيا ولا عالمـا ولا مغنيـا إلا كـالوا لـه الهجـاء
ً ّ كـيلا ، وأداهـم تنافـسهم الـى أن يتبـادلوا الهجـاء . وأقـرأ فـي أي ديـوان مـن دواويـن العـصر فـستجد
ً دائما هجاء كثيرا على نحو ما يلقانا ف ً ً ً ي ديوان البحتري مثلا ، وقد اشتهر بهجائه بعض ممدوحيه
حين يقلب لهم الدهر ظهر المجن ، مثل أحمد بن الخصيب ممدوحه ، فإنـه حـين نكبـه المـستعين
ّ أنشده قصيدة يحثه فيها على مصادرة أمواله وسفك دمه ، وظل يسلقه بلسانه طويلاً.
ولـه قـصائد كثيـرة يمجـد فيهـا المـستعين وعهـد ّ ّ ّ ه ، حتـى إذا خلـع وولـي التـرك بعـده المعتـز
ً أصـلاه نـارا حاميـة مـن هجائـه فـي ثنايـا مديحـه للخليفـة الجديـد . ً ولـم يكـن البحتـري حاذقـا فـي هـذا
ّ الفن ، غير أنه كان هناك كثيرون يتقنونه ّ ّ ً ، مثل علي بن بسام ، وكان يتعـرض فـي هجائـه كثيـرا
ّ للخلفاء والوزراء ، وقلما سلم أحد من لسانه .
الرثاء
و ّ الرثـاء فـن شـعري قـديم يعبـر عـن اللوعـة والحـسرة عنـد الـشاعر علـى مـن يفقـده ، ونـشط
الشعراء العباسيون فيه نش ً ً اطا واسعا ، إذ لم يمت خليفـة ولا وزيـر ولا قائـد مـشه ّ ّ ً ور إلا وأبنـوه تأبينـا
رائعـاً ّ ّ ، وقـد صـوروا فـي القـواد بطـولاتهم ومحنـة الأّ مـة والجيـوش فـي وفـاتهم ، وكيـف مـلأ مـوتهم
القلـوب ً حـسرة وفزعـا . ًّ وحقـا رثـاؤهم لهـم يفـيض بـالحزن واللوعـة ، ولكنـه مـع ذلـك يكـتظ بالحماسـة
ّ والقـوة وتمجيـد بطـو ً لتهم تمجيـدا يـضرم الحميـة فـي نفـوس الـشباب . ّ وكـان يحـدث أن يخـر بطـل
صـريعاً ٍ فـي بعـض الميـادين ، حينئـذ يـنظم فيـه الـش ّ عراء مراثـي حماسـية تـؤجج لهيـب الحفيظـة فـي
القلـوب و ّ تـدفع الـى الاستـشهاد تحـت ظـلال الرمـاح ذبً ّـا عـن حرمـات الـوطن ، ومـن خيـر مـا يمثـل
ذلــك مراثــي أبــي تمــام فــي محمــد بــن حميــد الطوســي الطـ ّـائي ، فإنــه أوقــع ببابــك وجنــوده لعهــد
ً ً المأمون وقائع ملأته هو وعسكره فزعا ورعبـا ، ُِ َ وعنـدما قتـل فـي آخـر وقعـة لـه معهـم حزنـت الأمـة
ً حزنا عميقً ّ ا لموته ، وانبرى أبو تمام يرث ّ ّ يه مراثي رائعة تصور جلده في القتال وصبره حتى الموت
، على نحو ما يلقانا ّ ّ ً ً في مرثيته العينية التي استهلها استهلالا بديعا بقوله :
َ ْ ? ?أصم بك الناعي وان كان أسمعا َ ََْ وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
ً وكان الشاعر القديم كثيرا مـا يفـزع الـى العـزاء بـالأمم الـسالفة والقـرون الخاليـة وأن المـوت
كـ ّ ً ّ ـأس دائـر يتجـرع غصـصه النـاس جميعـا ، فـردد ذلـك الـشاعر العباسـي فـي مراثيـه وأخـذ يـضيف
ا ّ ليه من فكره الخصب تأملات في حقائق الموت وسنن الوجود .
وشـاع فــي هــذا العــصر بكــا ً ء الرفقــاء والأصـدقاء ، بكــاء يفجــر الحــزن فــي الــنفس ، لمــا
يـصّور مـن شـقاء الأصـدقاء بمـوت رفـاقهم وكيـف يـصطلون بنـار الفـراق المحرقـة ، مـن مثـل قـول
بشار في ندب أحد أصدقائه من الزنادقة :
ْ َ ّ ِ ِ ?اشرب على تلف الأحبة إننا ُُ ُ ّ ِ َ ُ ?جـزر المنية ظاعنين وخفضا
ِ ِ ويلـي عليه وويلتي من بينه ُ ? ?كان المحب وكنت حبا فانقضى
َ ُ ُ ُ قد ذقت أُلفته وذقت فراقـه ُ ً َ َْ َ َ فوجدته ذا عسلا وذا جمر الغضا
جزر : جمع جزور وهو البعير الذبيح ، ظاعنين : سائرين ، خفـضا : جمـع خـافض وهـو المقـيم،
الغضا : من شجر البادية .
وكـان اخـوتهم وأبنـاؤهم يموتـون تحـت أعيـنهم فتـدور بهـم الأرض ويبكـون بـدموع غـزار ،
ّ ّ وينفسون عن أنفسهم بأبيـات تـصور الحـزن المقـيم فـي قلـوبهم لا يبـرح ، مـن مثـل قـول العتبـي فـي
ابن له اختطفه الموت بعد أبناء آخرين ، وقد مات في ريعان شبابه :
َِ ِِْ َ ِ ?وقاسمني دهري بني بشطره ّ َ ِْ َ َ َ َ ُُ ?فلما تقضى شطره عاث في شطري
ّ وعلى نحو ما تفجعوا على أبنائهم وأ ّ ّ ً ِّ خوتهم تفجعوا علـى زوجـاتهم تفجعـا كلـه عطـف وبـر
ورحمــة ، ولابـ ّ ـن الزيــات مــراث مختلفــة لزوجتــه ، توضــح مــن بعــض الوجــوه ثــراء الفكــر العباســي
بالخواطر وقدرته على تحليلها وتمثيل أحزانه وحزن طفله الذي افتقد عطف الأم وحنانها مـن مثـل
قوله :
َ َ َ َ ?أَلا من رأى الطفـل المفارق أم ُ ه َُ َ ََ ُ َ َِ ِ بعيد الكرى عينـاه تبتـدران
ِ ّ ? ?رأى كل أم وابنهـا غيـر أمـه َ ِ ِ ِ يبيتان تحـت الليـل ينتجيان
ً ُ ِ ُ?وبات وحيدا في الفـراش تجنـه ُ ٍ ِ بلابل قلـب دائـم الخفقـان
َْ ّ فلا تلحياني إن بكيـت فـإنمـا ِ أداوي بهذا الدمع ما تريـان
َِْ ُ َ وهبني عزمت الصبر عنها لأنني َِ ٌ ََ ِ ِ ِ جليد فمن بالصبر لابن ثمان
الكرى : النوم ، تبتدران: ّ تسحان وتهملان بالدموع ، تجنه : تلفه وتـشتمل عليـه ، لا تلحيـاني : لا
تلوماني .
ّ وظلـت المـآتم قائمـة علـى شـهداء الـشيعة فـي العـصر والعـصور الـسابقة منـذ أن أستـشهد
الامام علي )عليه السلام( ، فهم ي ً ً نوحون عليهم نواحا حارا ، ودموعهم لا ترقأ ولا تجف .
وظهرت ضروب كثيرة في الرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر ، مـن ذلـك رثـاء المـدن
حـين تنـزل بهـا كـوارث النهـب والحـرق ، وكـان الجـيش الـذي أحـاط ببغـداد قبـل مقتـل الأمـين رماهـا
بالمجانيق فاندلعت فيها النيران واحترقت بعض ّ الأحياء ، وعم فيهـا نهـب الأمـوال وقتـل الأبريـاء ،
مما جعل الكثير من الشعراء يبكونها وقد غمرهم الحزن والأسى ، من مثل قول بعضهم :
ْ ِ ٍ َِْ ِ ِ أَلا ابك لإحراق وهدم منازل َْ ? ِ ٍ ِِ ?وقتل وانهاب اللهى والذخائر
? ّ ِ ِ وابراز ربات الخدور حواسراً َ ْ َ َ ُ ْ ٍ خرجن بلا خمر ولا ب ِ ِ مآزر
ُ كأن لم تكن بغداد أحسن منظراً ً ُ ٍ ِ ِ وملهى رأته عين لاه وناظر
ومن ضروب الرثاء الجديدة مراث ّ ي الطير الصادح من مثل القمري والحيوانات المستأنـسة
، ومـن المراثـي الجديـدة الموضـوع مرثيـة محمـد بـن يـسير لبـستان لـه عاثـت فيـه شـاة أفلتـت لأحـد
جيرانه ، ودخلت البيت، فعاثت ببعض صحفه وقراطيسه ، وفيها يندب روعة هذا البستان قبل أن
ً تعبث به ضارعا ا ّ َْ لى ربه بالشكوى من هذه الشاة وأن ينزل بها عقاب أليم .

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .