انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

اثر الحضارة العباسية والاختلاط بالأمم المجاورة وترجمت العلوم والمعارف في الشعر والشعراء

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       04/11/2017 19:57:35
المحاضرة الثانية .د.أ/ ثائر سمير الشمري
اثر الحضارة العباسية والاختلاط بالأمم المجاورة وترجمت العلوم والمعارف
في الشعر والشعراء
كانــت ّ الباديــة فــي هــذا العــصر لا تــزال تمــد الحاضــرة بكثيــر مــن الــشعراء ذوي الــسليقة
َ ?العربية السليمة من مثل أبي البيداء وابن الدمينة و ّ ّ ّ ّ ابن ميادة وأبي حية النميري ، وكان يقابلهم في
المدن شعراء لم ينشأوا في البادية ، ولكن ا ّ ّ لسليقة العربية تحولت إليهم وتمثلت في دخائلهم، حتـى
أصبحوا لا يقلون عن شعراء البادية فصاحة وبيا ً نـا ، وكـان ذلـك بفـضل علمـاء اللغـة ورواتهـا مثـل
)حماد الراوية ، وخلف الأحمر، والأصمعي ( ، فقد جمعوا لهم اللغـة والـشعر الجـاهلي والإسـلامي
ً ً ، ووضعوا لهم مقاييسها وضعا دقيقا ، وظلوا طوال العصر يبعثون فيهم الإيمان بأن الشعر القديم
هو القدوة المثلى ،
ولـم يعـرض هـؤلاء اللغويـون علـى شـعراء الحاضـرة نمـاذج الـشعر القـديم الـسهلة فحـسب ،
بــل كــان همهــم الأول أن يعرضــوا علــيهم نماذجــه العويـ ّـصة المليئــة بالحوشــي والألفــاظ الغريبــة ،
ومـضوا فجعلوهـا مـدار إملاءاتهـم ومحاضـراتهم ، وبـسبب هـذا التـسجيل والـشرح والتفـسير انقـادت
اللغة وسلست لمعاصريهم من الشعراء وغير الشعراء.
ً وكان يقف وراء المحافظة على القديم لغة وأدبا عوامل كثيرة منها :
- 1كــان أهــم مــاحفزهم علــى ذلــك القــرآن الكــريم والحــديث النبــوي الــشريف ، حتــى لا تــستغلق
دلالاتهمـا علـى أفهـام النـاس وأفهـام العلمـاء أنفـسهم ، وهـذا يحـدث عـن طريـق ذلـك الكـلام وتلـك
النماذج .
- 2والعامل الآخر هو عامل سياسي ، فان خلفاء بني العبـاس أظهـروا محافظـة شـديدة علـى لغـة
القرآن الكريم وبعثوا العلمـاء علـى مدارسـتها والتعمـق فيهـا وروايـة كـل مـا يتـصل بهـا مـن أنـساب
وأيام وأخبار وأشعار . وقـد جعلـوا مقـاييس وظـائفهم الكبيـرة التفـوق فيهـا فكـانوا لا يـستوزرون ولا
َ يستكتبون إلا من حذقها وبرع في أدائها، وأخذوا أبناءهم بتعلمها ، فأحضروا لهم كبـار اللغـويين
ً ليحفظوهم كثيرا من نماذجها الشعرية ّ وكي يقفوهم على صياغتها أو أساليبها ، وتأليف المفضل
الـضبي للمهـدي كتـاب ) المفـضليات ( ذائـع مـشهور . وبـذلك صـار فـي القـصر العباسـي ذوق
محــافظ كــان لــه أثــره فــي الــشعراء ، إذ كــانوا يمثلــون بــين أيــدي الخلفــاء مــادحين لهــم . وكــانوا
يقيـسون جـودتهم بهـذا الـذوق ، فكـان لابـد لهـم أن يتلاءمـوا معـه حتـى يظفـروا بمـا يبتغـون مـن
جوائز كبيرة .
ولقد أصبح اللغويون سدنة الـشعر فـي ّ هـذا العـصر وحراسـه ، فمـن نوهـوا بـه طـار اسـمه،
ومــن لوحــوا فــي وجهــه خمــل وغــدا نـسيا منــسيا ، وأخــذ الــشعراء يعرضــون علــيهم أشــعارهم قبــل
ِ انشادها في المحافل العظام . وعلى هذا النحو سيطر اللغويـون علـى سـوق الـشعر العباسـي، وقـد
مضوا يتمـسكون بالمثـل الـشعر ً ً ي القـديم تمـسكا شـديدا ، وكـان ابـن الأعرابـي يقـول: )) إنمـا أشـعار
هـؤلاء المحـدثين – مثـل أبـي نـواس وغيـره – ّ ّ ً مثـل الريحـان يـشم يومـا ويـذوى فيرمـى بـه ، وأشـعار
ّ ّ القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيبا(( .
ّ ولا شـك فـي أن اهـدار اللغـويين لـشعر العباسـيين بـسبب حداثتـه خطـأ فـي التقـويم – كمـا
يـرى الـدكتور شـوقي ضـيف – ونؤيـده فـي هـذا الـرأي ، إذ الجـودة الفنيـة لا تقـاس بالقـدم والحداثـة،
والشعر الجيد جيد في كل زمان ومكان .
وعلى هذا النحو كان الشاعر الع ?باسي يحول الى نفسه نمـاذج الـشعر القـديم بخصائـصها
كلها ، يعينه في ذلك اللغويون بما يعرضون عليه منها سمعه وتحت بصره .
وشـاركهم فـي ذلـك بعـض الـشعراء علـى نحومـاهو معـروف عـن أبـي تمـام ، ومجموعاتـه
الـشعرية التـي انتخبهـا بذوقـه مـن أشـعار القـدماء والمحـدثين ،وفـي مقـدمتها ديـوان الحماسـة ، ولـم
يكتـ ِ ف اللغويـون بمـا عرضـوا مـن القـصيد والرجـز ، فقـد وضـعوا للـشعراء أقيـسة للغـة فـي الاشـتقاق
والتصريف والنحو وموسيقى الشعر وعروضه .
ولا نبالغ اذا قلنا إن اللغـويين هيـؤوا للـشاعر العباسـي مـن العلـم بالـشعر القـديم مـا لـم يكـن
يتهيأ لأصحابه أنفسهم ، فقد جمعـوه لهـم وكـشف ً وا مادتـه مـن أطرافهـا جميعـا وأخـذت تونـق وتزدهـر
من جديد ، وهو ازدهار نفذ منه العبا ُِ َ سيون الى اسلوب لهم حديث عرف باسم اسلوب المولـدين ،
وهـو اسـلوب قـام علـى عتـاد مـ ّ ن القـديم وعـدة مـن الـذوق الحـضري الجديـد ، اسـلوب يحـافظ علـى
مـادة اللغـة ومقـدماتها التـصريفية والنحويـة ويلائـم بينهـا وبـين حيـاة العباسـيين المتحـضرة ، بحيـث
تنفى عنه ألفاظ العامة المبتذلة كما تنفى ّ ألفاظ البدو الحوشية ، وأشاعوا في هذا الأسلوب الألفاظ
المنت ً خبة مع العذوبة والرشاقة حينا ، والجزالة والرصانة حي ً نا آخر .
وبــشار َ فــي طليعــة مــن أرســوا هــذا الاســلوب المولــد الجديــد ، واســلوبه يمتــاز بالنــصاعة
والرصـانة والـصفاء والرونـق . وتـلاه جيـل مـن الـشعراء ّ َ توزعـوا بـين مـن يـؤثرون الجزالـة والفخامـة
وقوة البناء وضخامته مثل مسلم َ بن الوليد ، ومن يؤثرون الليونة والسهولة مثل أبي العتاهية الذي
َ ?عمـم ذلـك فـي الـشعر الرسـمي : شـعر المـديح ، والـشعر الشخـصي : شـعرالخمر والغـزل ، وشـعر
الزهـد والـوعظ ، وكـان معاصـره أبـو نـواس يحـتفظ بكـل مـا يمكـن مـن جزالـة فـي الـشعر الرسـمي ،
وفي بعض شعره الشخصي ، ً وكثيرا ما يعمد في الضرب الأخير الى السهولة المفرطة .
علـى أن الـشعراء سـرعان مـا انـصرفوا عـن طريـق أبـي العتاهيـة مـؤثرين طريـق بـشار ومـا
ّ انتهى اليه هذا الطريق عند مـسلم مـن المتانـة وقـوة البنـاء ورصـانته ، وخلفـه أبـو تمـام فـأوفى بهـذا
الاسـلوب الجـزل الرصـين علـى غايتـه مـن الفخامـة والروعـة . ّ ّ وبـذلك رد الأسـلوب المولـد الـى قـوة
السبك وضخامة البناء .
ّ ّ لقد ظل الشعراء يحافظون بكل قوة على الصياغة العربية في المفردات والتراكيب وقواعـد
الاعراب والتصريف ، وتأثر كثير من الشعراء في الثقافات الأجنبية من فارسية وهندية ويونانية ،
وكذلك تعمق كثير منهم الفلسفة اليونانية ، وقد بدا ذلك كله في أشعارهم من غير أن يخرجوا عن
أصول الشعر الموروثة .
وقــد ظــل الــشعر يمثــل العــصب فــي قلــب المجتمــع العباســي ، فكثــر الــنظم وازداد عــدد
الـش ً عراء زيـادة لا نكـاد نجـد لهـا نظيـرا فـي أي عـص ّ ر آخـر ، أمـا الأغـراض لهـذا الـشعر فقـد كانـت
هي نفـسها فـي العـصور التـي سـبقت هـذا العـصر ، أي ينظمـون فـي موضـوعات تقليديـة ، وبـذلك
أبقـوا للـشعر العربـي شخـصيته الموروثـة مـع ملاءمـتهم بـين تلـك الشخـصية وبـين حيـاتهم العقليـة
ّ الخصبة وأذواقهم المتحضرة المرهفة ، وبذلك كان التواصل الوثيق مع الأنموذج القديم .
ونقف الآن على الأغ ّ ّ راض التقليدية التي توسعوا فيها وجددوا في جوانب منها:
-التجديد في الأدب العباسي
-التجديد في الأغرض القديمة
المديح
المــديح غــرض قــديم ومــن أبــرز أغــراض الــشعر العربــي منــذ العــصر الجــاهلي ، حظــي
بعناية فائقة من الشعراء والمتلقين ، فصار نصيبه القسم الأوفر من النتاج الشعري .
ومعروف أن الشاعر الجاهلي والاسلامي كان يرسم في ممدوحـه المثاليـة الخلقيـة الرفيعـة
التي تقدرها الجماعة مثل الكرم والشجاعة والسماحة والعفة وحماية الجار والعـزم والمـروءة والبـأس
والعدل وغيرها من الـصفات، وفـي العـصر الاسـلامي أخـذ الـشعراء يـضيفون عليهـا صـفات مثاليـة
تنتمي الى مثالية الدين الاسلامي مثل التقوى والورع والتواضع والوقار وخفض الجناح .
وقد جسم الشعراء هذه الصفات في ً ً الممدوحين تجسيما قويا ، حتـى لتـصبح كأنهـا تماثيـل
قائمة نصب أعين النـاس كـي يحتـذوها ويحـوزوا لانفـسهم مجـامع الحمـد والثنـاء . وبـذلك أصـبحت
المدحـة تبـث فـي الأمـة التربيـة الخلقيـة القويمـة حـافزة لهـا علـى الفـضائل والمكـارم الرشـيدة . وقـد
مضى الشعراء في مديح الخلفـاء والـولاة يـضيفون الـى هـذه المثاليـة مثاليـة الحكـم ومـا ينبغـي عليـه
من الأخذ بدسـتور الـشريعة وتقـوى االله والعدالـة التـي لا تـصلح حيـاة الأمـة بـدونها ، مـن ذلـك قـول
مروان بن أبي حفصة في مطلع قصيدة للمهدي :
ُ ٌ أحيا أمير المؤمنين محمد ُُ َ ?سنن النبي : َ َ حرامها وحلالها
ولم يصور الشعراء مثاليتنا الخلقية العامة في مـدائحهم وكـذلك مثاليتنـا الـسياسية فحـسب،
ً بـل صـوروا أيـضا الأحـداث التـي وقعـت فـي عـصور الخلفـاء ، ولا سـيما الفـتن والثـورات الداخليـة
وحــروب أعــداء الدولــةمن الــروم والتــرك ، وبــذلك قامــت قــصيدة المــديح فــي هــذا العــصر مقــام
الصحافة الحديثة ، فهي تسجل الأحداث التي عاصرها الشاعر والأعمال الكبرى التي ينهض بها
الخلفاء ، مما يعطيها قيمة بعيدة ، إذ تصبح وثـ ّ ائق تاريخيـة ، وكـان أول مـن نفـذ الـى ذلـك الـسيد
ال ّ حميري ، فإنه حول أخبار الامام علي بن ابي طالب )عليه السلام( ومناقبه الى مدائح بديعة .
وربمــا كــان أهــم ماســجلته صــحف المــديح فــي هــذا العــصر صــور الأبطــال الــذين كــانوا
يقودون جيوش الأمة المظفرة ضـد أعـدائها مـن التـرك والبيـزنطيين ، فقـد أشـادت إشـادة رائعـة بكـل
معركــة خاضــوا غمارهــا وكــل حــصن اقتحمــوه ، وكــل شــاعر يتفــنن فــي رســم بطولــة القائــد الــذي
يمدحـ ً ـه رسـما يـشعل الحماسـة فـي نفـوس جنـوده ونفـوس الـشباب العربـي ، وكـان الرشـيد والمـأمون
والمعتــصم يقــودون بأنفــسهم الجيــوش التــي كانــت تمحــ ً ق البيــزنطيين محقــا ، فتغنــى الـــشعراء
بانتصاراتهم على نحـو مـاهو معـروف فـي بائيـة أبـي تمـام بفـتح المعتـصم لأنقـرة وحرقـه لعموريـة ،
وهي الى أن تكون ملحمة اقرب منها الى أن تكون قصيدة . وتكتظ كتب الأدب ودواوين الـشعراء
ً بتصويرهم لبسالة القواد جميعا . فهو تار ً يخ كتب شعرا ، وكان هؤلاء الأبطال ومن ورائهم الخلفـاء
يرصدون الجوائز الضخمة للشعراء كي يرسموا هذه البطولات .
ً وكانـت المدحـة قـديما تـشتمل علـى مقـدمات تـصف الأطـلال وعهـود الهـوى بهـا ومـا يلبـث
الـشاعر ً أن يـستطرد الـى وصـف الـصحراء ناعتـا مـا يركبـه مـن بعيـر أو فـرس ومـا يـراه فيهـا مـن
حيوان وحشي ، وقد ً ً يعرض لوصف مشهد الصيد ، وكثيرا ما يضمنها حكما توسع مدارك السامع
وتبصره بأطراف من سنن الحياة . ّ وذلك كله استبقاه الشاعر العباسي ، ولكـن مـع اضـافات كثيـرة
، حتــى يلائــم بينــه وبــين عــصره . ّ وهــي اضــافات تعبــر عــن الــذخائر العقليــة والخياليــة للــشاعر
العباسـي . وقـد نعجـب لاسـتبقاء هـؤلاء الـشعراء المتحـضرين لعناصـر الأطـلال ورحلـة الـصحراء
البدويــة ، غيــر أن ً هــم اتخــذوها رمــزا ، أمــا الأطــلال فلحــبه ّ ّ م الــداثر ، وأمــا رحلــة الــصحراء فلرحلــة
الانسان في الحياة ، وقد استثمروا ما كان يصحب الأطلال من حنين لذكريات حبهم ومعاهـده لا
يزال يترقرق في أشعارهم من مثل قول مسلم بن الوليد :
ّ َ ً هلا بكـيت ظـعائنا وحمولا َ ُ ترك الفؤاد فراقهم مخبـولا
ُ َ ُ فإذا زجرت القلب زاد وجيبه ? ُ َ واذا حبست الدمع زاد همولا
ً ّ واها لأيـام الصبـا وزمانه ُ ِ لو كان أمتع بالمقـام قليلا
وحــاول بعــض الــشعراء أن يتــرك الحــديث عـن الأطــلال المهجــورة الــى قــصور الحاضــرة
ٍ المأنوسـة ، وحينئـذ كـان لا يـسترسل فـي وصـف حنينـه ، علـى شـاكلة قـول ) ّ أشـجع الـسلمي( فـي
استهلال إحدى قصائده :
ٌ ٌّ ٌ قصر عليه تحية وسلام ْ َ ّ ُ نشرت عليه جمالها الأيام
وعلى نحو ما استبقوا الأطـلال ومـا يتـصل بهـا مـن حنـين يبعـث بنفوسـهم ، اسـتبقوا رحلـة
الصحراء، وتفننوا في وصف وعوثة طرقها ورياحها الحارة ً التي تكاد تتوقد توقدا .
ّ وتحــول الــشاعر العباســي فــي أحيــان كثيــرة مــن وصــف الــصحراء ومــسالكها وســمومها
وحيوانها الى وصف الرياض في الحاضرة ومناظرها البهيجة في الربيع ، مثـل قـول أبـي تمـام فـي
مدح المعتصم بقصيدة استهلها بقوله:
ّ ِ َ ْ َ َُ رقت حواشي الدهر فهي تمرمر وغدا الثر ِ ُّ ى في حليه يتكسر
تمرمر : تموج لينا ونعومة ، الثرى : ّ التراب ، ويريد به النبات ، يتكسر : يتثنى .
وقد مضى يتحدث في اسهاب ع ً ن جمال الطبيعة في الربيع وكأنه يتخذ منه رمزا لعـصر
المعتصم . ً واتخذوا احيانا مـن وصـف الـسفن ورحلتهـا فـي الأنهـار صـورة مقابلـة لرحلـة البعيـر فـي
الصحراء ، مثل قول بشار في احدى مدائحه للمهدي :
َ ٍ ٍ وعذراء لا تجري بلحـم ولا دم ِ ِ ِ ِ ?قليلة شكوى الأين ملجمـة الدبـر
َ َ ُ ّ َ َ ْ ْ إذا ظعنت فيها الفلول تشخصت ُ ٍ ُ َ ْ ِ بفرسانها لا في وعوث ولا وعـر
ُ ُ ّ َ ِ ّ تلاعب تيـار البحـور وربمـا َ َ ِ رأيت نفوس القوم ِ َ من جريها تجري
الأين : الإعياء، الفلول: الجماعات، وعوث: جمع وعث وهو المكان الشاق والصعب .
وجعلتهم موجة المجون الحادة في ّ ّ ً العصر يصفون فـي مقـدمات مـدائحهم الخمـر أحيانـا ،
ّ واستهل ذلك بشار ، وتوسع فيه مسلم ُ وأبو نواس وأبو العتاهية سعة شـديدة ، وعنـوا علـى نحـو مـا
ُِ َ ّ عني الشاعر القديم ببث الحكم فـي قـصائدهم ، وكـان قـد تـرجم كثيـر مـن الحكـم الفارسـية والهنديـة
واليونانية ، فأفادوا من ذلك كله ونثروه في ً ّ تضاعيف مدائحهم ، مـضيفين إليـه كثيـرا مـن تـأملاتهم
في الحياة والطباع ، من مثل قول أبي تمام في فضل المحسود ونقص الحسود :
? ُ َ ٍ واذا أراد االله نشـر فضيـلـة ُِ ْ َ َ ُ ِ طويت أتاح لهـا لسـان حسود
ُ ِ ْ لولا اشتعال النار فيما جاورت َ ُ ُ ُ َْ ِ ِ ُ ِ ما كان يعرف طيب عرف العود
العرف : الرائحة والشذا .
وهو كثير الحكـم فـي مدائحـه ، وقـد ّ ً صـب فيهـا كثيـرا مـن شـكوى الـزمن وخطوبـه ، بحيـث
ّ يعد مقدمة قوية لابن الرومي والمتنبي ، وهو يمزج شكواه بمغالبة عاتية للدهر ونوازله.
وعلـى هـذا النحـو ازدهـرت المدحـة علـى لـسان الـشاعر العباسـي ، لا بمـا رسـم فيهـا مـن
مثا ّ ليتنـا الخلقيـة ، وسـجل مـن الأحـداث ، وصـور م ًـن البطـولات العربيـة فحـسب ، بـل ايـضا بمـا
ّ تمثـل مـن العناصـر القديمـة وأذاع فيهـا مـن ملكاتـه وم ّـا أضـافه اليهـا مـن عناصـر جديـدة اسـتمدها
مـن بيئتـه الحـضارية ومـن نفـسيته وملكاتـه العقليـة . ودفعـتهم دقـتهم الذهنيـة الـى أن يلائمـوا بـين
مـدائحهم وممـدوحيهم ، فـإذا مـدحوا الخلفـاء نوهـوا بتقـو ّ ّ ّ اهم وعـدلهم فـي الرعيـة ، واذا مـدحوا القـواد
أطـالوا فـي وصـف شـجاعتهم ، واذا مـدحوا الـوزر ّ اء تحـدثوا عـن حـسن سياسـتهم ، وكـذلك صـنعوا
بالفقهاء والقضاة والمغنـين ، فلكـل أوصـافه ا ّ لتـي تخـصه ، وهـي أوصـاف طلبـوا فيهـا فـي مـدائحهم
ّ كلها الفكر الدقيق والتعبير الرشيق .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .