ابن العميد
هو أبو الفضل محمد بن الحسين المعروف بابن العميد ، فارسي الأصل من مدينة قم ، نشأ في بيت أدب وكتابة ، ووزر لآل بويه، وكان تقلّده للوزارة سنة (328 هـ) ، ووزر أوّلا لركن الدولة ثمّ لابنه عضد الدولة ، وأقام في وزارته الى وفاته سنة (360 هـ) .
كان ابن العميد واسع الحفظ يلمّ بضروب الثقافة لعصره جميعها من فلسفة وعلوم طبيعية وهندسة وما الى ذلك حتّى سمّي بالجاحظ الثاني ، وقد مدحه المتنبي.
له مجموعة رسائل في النصح والعتاب وما اليهما ،كما له بعض الشعر الرقيق.
طريقته في الكتابة
هي طريقة الوشي والزخرف التي كانت شائعة في اقليمه ، وكانت عناصر فنّه الكتابي ترجع الى ما يأتي:
1- التزام السجع الكثير الفقرات : كان ابن العميد يحصل على الموسيقى بوساطة السجع والتقصير ، فيوازن بين العبارتين ،وإن طال زمن العبارتين المسجوعتين قصّره بإحداث المعادلات والموازنات بين ألفاظ العبارتين حتّى لاتخرج الأذن من ألفاظ العبارة الأولى إلاّ وتحسّ براحة صوتيّة إزاء كلّ كلمة من كلمات العبارة الثانية لأنّها تماثل قرينة لها في العبارة السابقة من الوجهة الصوتية تمام التماثل.
2- التصوير والتلوين والتنميق : وكان ابن العميد يحصل على التصوير والتلوين والتطريز بدمج وشي السجع في وشي البديع وضروب أساليب البيان ، فيحلي عباراته بألوان البديع من طباق وجناس وغيرهما ، ويصوّر بأساليب البيان من استعارة وكناية وغيرهما ، ومن قوله في ذلك : (( لاجرم أنّي وقفت بين ميل اليك وميل عليك ، أقدّم رجلا لصدّك ،وأؤخّر أخرى عن قصدك )).
3- عدم التقيّد بالسجع والتنميق تقيّدا مطلقا : يتعمّد ابن العميد السجع والزخرفة ، ولكنّه لايتقّيد بهما تقيّدا دائما ، وإن كانا شائعين في كتابته شيوعا عظيما ، وهو بذلك لايشبه سواد المتأنّقين الذين عاصروه أو أتوا بعده ، بل قد ترى في رسائله أحيانا ما يذكّرك باسلوب العهد السابق .
1- الميل الى الترادف والإطناب : إنّ الاسلوب المنمّق المسجّع الذي يعمد اليه ابن العميد في كثير من الأحيان يتطلّب من طبيعته الإطناب والترادف . وهذا مانجده في رسائل الكاتب ، فيقول مثلاً : (( قد يغرب العقل ثمّ يؤوب ،ويغرب اللبّ ثمّ يثوب ،ويذهب الحزم ثمّ يعود ،ويفسد العزم ثمّ يصلح )).
2- البراعة في استعمال حروف الجرّ وسائر الروابط الكلاميّة.
3- الاغراب في الاشارات التاريخية واللغوّية والعقلية ، إلّا ان إغرابه قليل بالنسبة الى ما نجده عند سواه من المترسّلين.
وهكذا كان نثر ابن العميد صلة وصل بين عهد السجع المتأنّق والعهد الذي سبقه.
تلاميذ ابن العميد
جرى على طريقة ابن العميد مع زيادة في السجع والتنميق طائفة من المترسّلين أشهرهم:
1- أبو بكر الخوارزميّ ( ت 383 هـ).
2- أبو اسحاق الصابيّ ( ت 384 هـ).
3- الصاحب بن عبّاد ( ت 385 هـ).
4- بديع الزمان الهمذانيّ ( ت 398 هـ).
المقامات
المَقامة بالفتح : المجلس ، والجماعة من الناس ، والمجلس في الأكثر تدور فيه أحاديث للمسامرة ، وقد كانت للعرب قبل الاسلام مجالس سمر يتحدّثون فيها بقصص الجن والحيوان ويتحدّثون بالمواعظ والأمثال .
وفي العصر الإسلامي نجد شخصا يقوم في هذا المجلس بين يدي خليفة أو غيره ويتحدّث واعظاً .
وتستخدم المقامة بمعنى المحاضرة ،وقد عقد ابن قتيبة ( ت 276 هـ) فصلافي كتابه ( عيون الأخبار) بعنوان ( مقامات الزهّاد عند الخلفاء والملوك) أورد فيها عشر مقامات ، وهي مواعظ يقف فيها الراوي أمام الخليفة لنصحه وارشاده.
نخلص ممّا تقدّم أن المقامات كانت تعنى – قبل أن تتخذ مدلولها الاصطلاحي – بأحاديث النصح والارشاد والوعظ والتقويم الخلقي.
وأصبحت المقامة فيما بعد مصطلحا أدبيّا تطلق على نوع من الكتابة الفنية على شكل أقصوصة منمّقة في ألفاظها واسلوبها ، فيها شيء من الحوار ، وتعتمد في الأكثر على راو واحد وبطل أديب متحايل ، يراد بها وصف حالة نفسيّة ، أو مفارقة أدبية ، أو مسألة دينية ، أو قضية علمية ، وتنطوي على لون من ألوان النقد ، أوالتهكّم والسخرية ، أو التصحيح والتقويم ، أو الثورة ، ويعدّ بديع الزمان الهمذاني أوّل من أعطى كلمة مقامة معناها الاصطلاحي بين الأدباء .
إلّا انّ الذين أرّخوا للأدب من المحدثين قد تضاربت أراؤهم في تعيين مبتدع المقامات فالرأي الأوّل يقول : إنّ الجاحظ ( ت 255 هـ) هو المنشئ الأوّل لها في رسالته ( التربيع والتدوير ) أو في رسالته (صناعات القوّاد) ، ورأي ثان يقول : إنّ أبا بكر محمد بن الحسن الأزدي ( ت 321 هـ) هو مبتكرها والسابق لها ، ورأي ثالث يقول : أنّ المبتكَر الأوّل لها هو أحمد بن فارس اللغوي ( ت 390 هـ) أستاذ بديع الزمان ،ورأي آخر يرى أنّ أبا حيّان التوحيدي (ت 414هـ) ابتدعها وأنشأها.
إلّا انّ بديع الزمان كان أديبا عالما ، مثقفا بثقافة كبيرة مستوعبا أكثر الكتابات التي أنشأها السابقون ، وفكرة المقامات بصيغتها وشكلها المعروف هو صاحبها ،ويعود له الفضل في إعطائها المعنى الاصطلاحي بين الفنون النثرية في الأدب العربي.
موضوع المقامات
ساءت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد القرن الثالث للهجرة ، ولا سيما بعد ضعف مركز الخليفة ، وسيطرة الأعاجم على شؤون الدولة ومرافقها العامّة، وتفشّي الظلم الى جانب الفقر والعوز ،وأصبح الكثيرون في المجتمع آنذاك منهم علماء وأدباء في ضيق وحرج حتّى اضطرّ بعضهم الى الاحتيال والتحامق والاستجداء. وقد صوّر بديع الزمان هذا الواقع المرير والوضع المزري خير تصوير باسلوب تطغى عليه روح الدعابة والمرح والفكاهة والإضحاك على لسان راو اسمه ( عيسى بن هشام ) ومحتال ذكي في صورة شحّاذ يدعى ( أبا الفتح الاسكندري).
والى جانب الموضوع الذي يصوّر المجتمع في فقره وبؤسه وحرمانه من الحرّية والعيش العزيز ، نجد موضوعات تأخذ طابعا ثقافيا من ذلك مقامات في النقد الأدبي ، مثل : العراقية ، والشعرية ، والقريضية،ومنها دينية وعظية في النصح والإرشاد واتباع الخلق القويم والطريق المستقيم ، مثل : الاهوازية، والوعظية ، ومنها وصفية تتناول العادات والطبائع والمآكل والمشارب والحيوانات والمدن.
وإذا أنعمنا النظر في مقامات الحريري نجد أيضا الكدية تلازم بطلها أبا زيد السروجي الذي يروي أخباره الحارث بن همام ، واذا كنا قد لاحظنا أن بديع الزمان عرض أبا الفتح الاسكندري واعظا وناصحا العباد الى ما فيه صلاحهم في مقامتين ، فإن الحريري ( ت 516هـ) عرض أبا زيد السروجي واعظا في عشر مقامات ، ولعلّ أطرف ما نراه في المقامة الثانية عشرة ، الأدعية التي يرجو فيها من الله أن يرحمه وينقذه من الباغين والطاغين والجائرين ، يقول فيها :
(( ..... ، وكفّ عنّي أكفّّ الظائمين ، وأخرجني من ظلمات الظالمين ، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أحرسني بعينك ، ودعوتك ، وأخصصني بأمنك ، ومنِّك ، وتولني باختيارك وخيرك، ولاتكلني الى كلاءة غيرك ، وهب لي عافية غير عافية ، وارزقني رفاهية غير واهية واكفني مخاشي اللأواء، واكنفني بغواشي اللآلاء ، ولا تظفر بي أظفار الأعداء ، إنك سميع الدعاء)).
لاتكلني الى كلاءة غيرك : لاتدعني الى حفظ غيرك ، غير عافية : غير دراسة ، اللأواء : الشدّة والضيق ، اكنفني : احفظني في كنفك ، الغواشي : ما يغطى به الشيء مثل غاشية السرج ، الآلاء : النعم.
إنّ الطابع الديني القائم على التوجيه والإرشاد وإصلاح النفوس من الشرور والآثام قد أصبح سمة بارزة عند الكثيرين الذين جاؤوا بعد الحريري ، مثل الإمام ( محمد بن عمر الزمخشري ) ( ت 538 هـ) ، و( أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ) ( ت 597 هـ) ، وتجدر الاشارة الى أنّ المقامات عند بعض الكتّاب تغيّرت طريقة التناول والعرض فيها عمّا وضعه السابقون ، ولاسيما بديع الزمان الهمذاني والحريري ، إذ تخلّصت من الرواية واكتفت بالحكاية ، وقد عبّر بعض من هذه المقامات عن الأحداث الكبيرة والويلات والمصائب التي أبتليت بها الأمّة العربية .
اسلوب المقامات
شاعت الصنعة في الكتابة العربية في القرن الرابع للهجرة شيوعاً كبيراً ، وتسرّب أثرها الى المقامات، حيث نجد بديع الزمان ، الذي يعدّ الرائد في انشائها ، يأخذ نصيباً كبيراً من الأساليب البلاغية المصنعة ، ويدخلها بذكاء وقدرة في مقاماته ، ولاسيما السجع والجناس والتصوير ، ونراه أحيانا يكثر من الألفاظ الغريبة على نحو ما جاء في المقامة النهيدية ، ويحشد فيها الشعر الذي يطول أحيانا كما في المقامة البشرية ، ويقتبس من القرآن الكريم ، والأمثال العربية المشهورة ، ويورد أطرافا من معارف كثيرة في اللغة العربية وآدابها , إنّه يأتي بذلك كلّه بإحكام وتناسق وانسجام وعرض مشرق لطيف يروق السامع ويستهويه .
واذا انتقلنا الى الحريري نجده أكثر ايغالا في استخدام فنون البديع وامعانا في تناول غريب اللغة ، ولاعجب حين قال عنه ( العماد الأصبهاني ) في كتابه ( خريدة القصر وجريدة العصر) : (( قد أعجز الفصحاء بصناعته ، وأبرّ على البلغاء ببراعته ،وبلغ السماء ببلاغته ، وأوجد حليّ الزمان العاطل بجودة صياغته وقد اشتهرت له المقامات شرقا وغربا ، وبعداً وقرباً )).
لقد أقرّ الحريري في مقدّمة مقاماته اسلوبه في كتابتها بقوله : (( تحتوي على جدّ القول وهزله ، ورقيق اللفظ وجزله ،وغرر البيان ودرره ، وملح الأدب ونوادره.الى ما وشحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات ، ورصّعته فيها من الأمثال العربية ، واللطائف الأدبية ، والأحاجي النحوية ، والفتاوى اللغوية ، والرسائل المبتكرة ، والخطب المحبّرة ، والمواعظ المبكية ،والأضاحيك الملهية )).
إنّ هذه الأمور ساقها الحريري في مقاماته بتمكّن واقتدار وباسلوب محكم رصين ، فيه حيويّة نافذة ، ومردّ هذه الحيويّة كما يرى الدكتور شوقي ضيف : (( الى هذا الثوب المتوهّج من السجع ، الذي لا نجد فيه نقصا ، فقد فصّله وقطّعه ووشّاه ذوق رفيع ، كان يعرف كيف يضع الكلمة بجوار الكلمة ، وكيف يشدّ اللفظة الى أختها وكأنه عازف قيثار )).
وجاء بعد الحريري كتّاب كثيرون ، دبّجحوا مقامات في موضوعات متنوعة دينية واجتماعية وأدبية ، وحالوا أن يظهروا فيها براعتهم الاسلوبية والبلاغية ، ولكنهم لم يلحقوا به ولا برائده بديع الزمان الهمذاني ، وبقوا في دائرة التقليد إلّا ما ندر منهم ،ولذلك لم تأخذ مقاماتهم الشهرة والانتشار في الأوساط الأدبية وبقيت مخطوطة ومطبوعة بعيدة عن أيدي الدارسين .
بديع الزمان الهمذاني
هو أحمد بن الحسين ولد سنة 358 هـ بهمذان ،ولذلك يقال له الهمذاني ، ولقّبه معاصروه باسم بديع الزمان إعجابا بأدبه ، وهو من أسرة عربية ، نزلت بهمذان ،وهي أسرة تغلبية مضرية ، فهو ليس فارسي الأصل ، بل هو عربي ، وعني به أبوه ، فأخذه بالعلم والتعلم منذ صغره ، وألحقه بحلقات العلماء ،ولا سيما حلقة أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي المشهور صاحب كتاب ( الجمل ).
وكان محبّا للرحلة ، فلم يكد يبلغ الثانية والعشرين من عمره ، حتى فارق موطنه الى الصاحب بن عبّاد سنة (380 هـ) ،ومدحه ببعض أشعاره ،وأعجب به الصاحب لبراعته الأدبية ، وأحضره مجالسه.
ويرحل عن الصاحب الى جرجان ، وينزل بأسرة معروفة بالثراء ، وتشجيع العلماء والأدباء ، ولايمكث في جرجان طويلا ، بل يتركها الى نيسابور عام ( 382 هـ ) ، وهناك يصطدم بأبي بكر الخوارزمي ، فانتهز الأدباء فيها فرصة نزول بديع الزمان ببلدتهم ، وعقدوا مناظرة بينه وبين الخوارزمي انتصروا فيها للبديع ، فعلا صيته ، وتألّق نجمه ، إذكان الخوارزمي يعدّ في الذروة من الكتّاب والشعراء لعصره ،وتصادف أن توفّي سريعا ، فخلا الجوّ للبديع ، وطارت شهرته ، وسرعان ما فارق نيسابور سنة (383 هـ) ، راحلا من بلد الى بلد في خراسان بينما الجوائز تغدق عليه ، فينزل سجستان ومنها الى (هراة) بأفغانستان ، ويتزّوج ابنة ثري من سراة ( هراة) يسمّى ( الخشنامي) ، ويرزق بأولاد ، ويقتني داراً وضياعاً، ويكتب الى أبيه رسالة يستدعيه فيها هو وأخوته وعمّه ممّا يدلّ على ما صار اليه من ثراء ، وأصبحت له مكانة كبيرة ، فكان الكبراء يقصدونه لطلب شفاعة عند أولي الأمر.
وللبديع رسائل كثيرة . وهي رسائل اخوانية تتناول المديح والاستعطاف والشكر والاعتذار والعزاء والاستمناح وطلب الشراب والهجاء ،ومنها ما هو موجّه الى الأمراء أو الوزراء أوكبار الموظفين .
وأهمّ ميزة في رسائله هي السجع ، وهو يعنى فيه بتقصير العبارات ،وله في ذلك قدرة عالية ، فلا يكاد يمسك بالقلم ويكتب ، حتّى تنثال عليه العبارات ، وهذا السجع أيضا موشّى بالجناس ، وبالذات الجناس الناقص ، وهو يشفعه بكثير من التشبيهات والاستعارات ، ومن خصائص رسائله أيضا أنّه يجنح كثيرا الى سرد بعض القصص والحكايات القصيرة ضربا للأمثال .
ورسائل البديع خفيفة ورشيقة ،وجعلته موهبته القصصية في رسائله يبتدع فنّا جديدا ،هو فن (المقامة)، وهي حكاية قصيرة تقوم على الحوار بين بطل مقاماته : أبي الفتح الاسكندري ،وراوية حكاياته وأقاصيصه : عيسى بن هشام ، والمعروف أنه أملى أربعين مقامة في أثناء مقامه بنيسابور ، وأضاف إليها خمسا عند نزوله بسجستان ، ثمّ أضاف إليها ستّا أخرى .
ولم يجعل الهمذاني مقاماته حكايات متنوعة الموضوعات ، بل جعلها تدور على موضوع واحد ،هو الكدية أو الشحاذة الأدبيّة ، وكأنّه استلهم فيها حديث الجاحظ عن المكدين في أوائل كتابه ( البخلاء ) وكذلك حديث البيهقي عنهم في كتابه ( المحاسن والمساوئ ) ،ويعرض الجاحظ والبيهقي لأساليبهم وحيلهم في استخلاص الطعام والأموال من الناس .
ويسمّي الهمذاني احد مقاماته ( المقامة الساسانية) نسبة الى هذه الطائفة من المكدين أو الأدباء الشحّاذين ، إذ كانوا يسمون بالساسانيين نسبة الى ساسان، وهو أمير فارسي هجر إمارته وهام على وجهه محترفا للكدية.
وتنقّل بديع الزمان بأبي الفتح الاسكندري بطل مقاماته في بلدان مختلفة ممّا دفعه الى أن يسمّي أكثر المقامات بأسماء البلدان التي ألمّ بها وأكثرها بلدان فارسية ، وفي أحيان قليلة تسمى بأسماء الحيوان مثل المقامة الأسدية نسبة الى الأسد، أوباسم الأكلة مثل المقامة المضيرية نسبة الى طعام المضيرة ،وهي لحم يطبخ باللبن المضير أي الحامض ، وهناك خمس مقامات خاصة بـ ( خلف بن أحمد) تخلو من الكدية ، فهي مديح خالص له ، أمّا بقيّة المقامات فهي تدور على الكدية أو الشحاذة الأدبية عن طريق ما ينصبه أبو الفتح من حيل وشباك لسلب أموال الناس ، وفي تضاعيف ذلك يعرض الهمذاني مجتمعه بكل ما فيه من مساجد وحمّامات ومطاعم وموائد وما يتّصل بها من الأواني في بيوت الأغنياء والفقراء .
وكانت للبديع موهبة قصصية رائعة ، غير أنّه لم يستغلّها في مقاماته بالمقدار الذي كان يظنّ ، إذ لم يضع في ذهنه صنع قصص وحكايات ، إنّما الذي وضعه وجعله نصب عينيه أن يتخذ من حوار المقامة القصير بين عيسى بن هشام وأبي الفتح وسيلة لحشد عبارات مسجوعة طريفة تتحفظها الناشئة ، وجاراه الحريري وغيره في صنع هذه الأقاصيص القصيرة البلاغية ،وعدّوها أروع صور النثر وأبلغه .
وتتمّيز المقامات للهمذاني بالسجع مثل الرسائل ، فضلاً عن ألوان البديع كالأخيلة والتصاوير والجناس،وكان سجعه رشيقا، لما يمتاز به من قصر ومن حسن انتخاب لألفاظه ،وقد يتخلّل بعض مقاماته الشعر ، كما قد يحشد فيها بعض الألفاظ الغريبة ، وهناك أيضا ميزات أخرى مثل الخفّة والعذوبة وروح الفكاهة المرحة المحببة لكل انسان .
وتوفي الهمذاني عام ( 398 هـ).