انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية التربية الاساسية
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 3
أستاذ المادة ضياء عويد حربي العرنوسي
15/12/2014 20:43:52
ولقد ورد في القرآن الكريم مشهداً آخر حي مرسوم بالكلمات يجد مشاعر رجل مر على قرية محطمة ، فجال في شعوره سؤال حائر : كيف تدب الحياة في الموات ؟ قال تعالى ?أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? ]البقرة : 259[. يرتسم هذا المشهد للحس قوياً واضحاً موحياً ، إنه مشهد الموت والبلاء والخواء .. يرتسم بالوصف ?وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا? محطمة على قواعدها ، ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على قرية ، هذه المشاعر المتجسمة في تعبيره ?أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا? كيف تدب الحياة في هذه الأموات ؟ ?فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ? لم يقل له كيف ،إنما أراه في عالم الواقع كيف ،فالمشاعر قوية وعنيفة لدرجة أنها لا يجب أن تعالج بالبرهان العقلي … وإنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ بها الحس ويطمئن بها القلب من دون الكلام . ?قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ? ?قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ? وتبعاً لطبيعة التجربة ،وكونها تجربة حسية واقعية ،فلا بد أن تكون هناك آثار محسوسة تصور مرور ماَئة عام ، وهذه الآثار لم تكن إلا في طعام الرجل وشرابه ،فلم يكونا آَسنين متعفنين ?فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ? ?وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً? لقد تعرت وتفسخت عظام الحمار ، ثم كانت الخارقة هي ضم هذه العظام ببعضها البعض، وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن، ليكون هذا التباين في المصائر، والجميع في مكان واحد، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد وليدرك الرجل كيف يحي هذه الله بعد موتها . (152، اليوسف، 26). ثم تأتى تجربة إبراهيم عليه السلام مع ربه قال تعالى ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? ]البقرة:260[ . لقد أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يختار أربعة عن الطير ،فيقربهن منه وينظر إليهن ليتأكد من أشكالهن وصفاتهن ومميزاتهن بحيث لا يخطئ في التعرف عليهن بعد ذلك ،وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة ، ثم يدعوهن، فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى ، وترتد إليهن الحياة ويعدن إليه ساعيات ففعل. لقد رأى إبراهيم عليه السلام السر الإلهي يقع بين يديه، طيوراً فارقتها الحياة، وتفرقت أجزاؤها في أماكن متباعدة تدب فيها الحياة مرة أخرى ،وتعود إليه سعياً وهو سر نرى آثاره بعد تمامه كل يوم، ولكننا لا ندرك طبيعته ولا نعرف طريقته إنه أمر الله ، وهذا يوضح أهمية الملاحظة بوصفها قيمة تربوية، تمثيلية تجعل المرء يصدق يقيناً بصحة الحادثة التي تدركها حواسه. وتثبت ضرورة استخدام الخبرات المباشرة كاستخدام الأشياء المتوفرة في إيصال المفاهيم المعقدة؛ لأن التقدم التقني قائم على الملاحظة ووسيلتها وبغيرها لا يكون تقدم ولا يتم تعلم فلو شرحنا للطالب نظرياً ساعات وساعات اعتماداً على السماع فقط ، من دون النظر ، فإنه لا يخبر اَله ولا يتعلم كيف يستخدمها الاستخدام الصحيح. وهناك آيات كثيرة تحث الإنسان على الملاحظة والتفكير فيما يحيط به من أشياء وكائنات حية بما في ذلك الإنسان نفسه ، ومثال ذلك قوله تعالى ?سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ? ]فصلت :53[، فهذه الآية الكريمة توضح أن صدق القرآن الكريم تعززه آيات أخرى في الآفاق وفي الأنفس ،يقول الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى أرشد عباده إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة ، فالسماوات والأرض والجبال و الأشجار من خلق الله ، وهي تدل على وجوده، لذا أمرالإنسان بالنظر فيها. والقرآن الكريم يحث الإنسان على السير في الأرض ودراسة أحوال الأمم واستخلاص النتائج ، فقد جاء الفعل (سيروا) في مواضع عدة في القرآن الكريم وأرتبط في خمسة منها بالنظر فيما حل بالأمم السابقة التي كذبت رسالات ربها ، وأشارت إحدى الآيات إلى ضرورة الربط بين السير والتفكير في بدء الخلق وهي قوله تعالى ?قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ? ]العنكبوت:20[. وأشارت آية واحدة ‘إلى الأمن الذي يرافق السير في الأرض وهي قوله تعالي ?وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِين? ]سبأ:18[. فالهدف من السير في هذه الآية الكريمة إدراك نعمة الأمن ليلاً ونهاراً، إذاً فالملاحظة لها قيمة تربوية لا تخفي على أحد؛ لأنها تجعل المرء يصدق يقيناً بصحة الحادثة التي تدركها حواسه ،وتتضح هذه القيمة في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام- مع قومه التي وردت في سورة الأنعام قال تعالى ?وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ? ]الأنعام:75-78[ . فهذه الآيات تبين أن الكواكب والقمر والشمس ،آفلة لا تبقى على حالها، والربط بين هذه المعرفة التي تأتي عن طريق الحواس ،وبين مسلمة أساسية مفادها أن كل آفل لا يعقل أن يكون إلهاً يقود كل ذي عقل إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى . لقد اختلف المفسرون في تفسير ما إذا كان إبراهيم عليه السلام ناظراً في الكون للوصول إلى الحقيقة أم مناظراً قومه مستخدماً هذا الأسلوب، والرأي الراجح هو ما وصل إليه أحد الباحثين إذ يقول (فإبراهيم عليه السلام كان مناظراً لقومه لم يكن ناظراً باحثاً عن ربه الذي يجب أن يتخذه رباً ومعبوداً) ، واستخدام إبراهيم عليه السلام لهذا الأسلوب في إقناع قومه دلالة واضحة على أهميته. وشبه الله سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، إذ قال ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء? ]إبراهيم:24[. تثبت هذه الآية أهمية التشبيه والتصوير الخيالي بوصفها أداة ، لتبسيط المفاهيم المجردة ، فكلمة الحق ثابتة لا تعصف بها رياح الباطل ،كمثل الشجرة الثابتة الجذور لا تقوى عليها رياح الأعاصير . يلاحظ مما تقدم أن القرآن الكريم قد استخدام الأمثال لتصوير المعاني المجردة وتقريبها إلى الأذهان ،لأنها تعد من أهم الأساليب التربوية التي تثير في النفس الحيوية ،وتشد المرء إلى الحدث وتوقظ انتباهه . وقد اهتم القرآن الكريم بحاستي السمع والبصر اهتماما كبيراً فقد ورد فيه الفعل سمع ومشتقاته (185) مائه وخمس وثمانين مرة ، والفعل بصر ومشتقاته (148) مائه وثمان وأربعين مرة ، وقد قرن المولى عز وجل في (15) خمس عشرة آية كريمة السمع والبصر والفؤاد وفي هذه الآيات جميعها تقدمت كلمة السمع على البصر وأن كلمة السميع هي من صفات الله جل جلاله ما وردت مقرونة بصفتي العليم أو البصير إلا وتقدمت. إن في ذلك دلالة إعجازية في هذا الإحكام الدقيق والبناء القوى، فكل حرف في مكانه ،وكل لفظ في موقعه وكل كلمة قد استقرت فلا تقديم و لا تأخير ؛ لأن هذا من كلام الله سبحانه وتعالى الذي لا يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكل شيء بقدر. ، قال تعالى ?قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ? ]الملك:23[. فنلاحظ من الآية كيف ربط الله بين السمع والبصر والفؤاد ، فالسمع وظيفة لعضو هو الأذن، والبصر وظيفة لعضو هو العين وفي اللسان العربي لا تعطف إلا الصفات بعضها على بعض أو الموصوفات بعضها على بعض، وبما أن السمع والبصر وظائف لأعضاء ثم عطف الفؤاد عليهما، فنستنتج منه أن الفؤاد وظيفة لعضو وليس بعضو؛ لأن الفؤاد هو الإدراك الناتج عن طريق الحواس مباشرة وعلى رأس هذه الحواس السمع والبصر، وهما المقدمات المادية للفكر الإنساني. لذا قال رب العزة والجلال عندما رمت أم موسى ولدها في اليم بيديها ورأت ذلك بأم عينيها قال تعالى ?وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً? ]القصص:10[، أي أن المقدمات الحسية عند أم موسى جعلتها غير قادرة على التفكير فأتبعها بقوله تعالى ?إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ? . وإن هناك إعجازاً في مراحل خلق السمع والبصر وإعجازاً وظيفياً تعليمياً يتعلق بحجم وظيفة كل من السمع والبصر في العلمية التربوية ، فمن جهة الوظيفة فإن حاسة السمع أهم من حاسة البصر في تنمية القدرات العقلية والشعورية عند الطفل أما الإعجاز التعليمي، الذي يتعلق بحجم الوظيفة التعليمية للسمع ، فإن أكثر العلماء والمربين ودراسات الباحثين وملاحظات ومشاهدات المتهمين تثبت أن نسبة التعلم المعتمدة على السمع أكثر من النسبة التي تعتمد على البصر فالدارس لحاستي السمع والبصر يجد أن استخدام حاسة السمع أكثر استعمالاً في عمليتي التعليم والتعلم على مر العصور ، حتى اختراع الطباعة إلى عهد قريب ،كانت الكلمة المسموعة هي المصدر المطلق في نقل المعارف والعلوم وهي التقنية الأولى بلا منازع في التواصل والتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب . وتنبع أهمية السمع من كونها إحدى الحواس الخمس الرئيسة التي تكتسب عن طريقها المعرفة بنسبة ما يقارب 13% وأثبتت ذلك دراسة خليفة والعايدي. وتعد حاسة السمع إحدى وسائل تلقى الرسل للوحي من السماء . قال تعالى ?وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى? [طه: 13]، والاستماع للحق علامة من علامات أهل الإيمان قال تعالى على لسان المؤمنين ?رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا? ]آل عمران:193[ وإن الاستماع للحق سبب من أسباب نجاة الإنسان في الدنيا والآخرة قال تعالى ?وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ? ]الأعراف:179[، إن السمع يمكن الإنسان من اكتساب معارف خبرها الآخرون ، لكن البصر أكثر تأثيراً لأنه يمكن الإنسان من إدراك المعرفة بصورة مباشرة ،وأن دراسة خليفة والعايدي أثبتت أهمية البصر في عملية التعليم والتعلم وأن نسبة اكتساب المعرفة عن طريق هذه الحاسة يصل إلى حوالي 75%. لذا فإن التقنيات البصرية أشد تأثيراً من التقنيات السمعية إذ إن الرسول ? استخدم الرسم مع الشرح والقراءة لتوضيح معاني القرآن الكريم ،فعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال:"خط لنا رسول الله ? خطاً ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال :وهذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ قوله تعالى : ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ?" .
الشكل (18) لتوضيح طريق الحق من الباطل وهذا يشير إلى ضرورة استخدام التقنيات التربوية المختلفة مثل الرسوم التخطيطية البيانية، من أجل توضيح المعاني وتقريبها إلى أذهان الطلبة. لقد امتازت ألفاظ القرآن الكريم وهي من عند الله (الرسالة) بالقوة والجزالة وفصاحة الألفاظ وبلاغة المعنى ، وسهولة الأسلوب ، وهذا ما شهد به الأعداء فهذا أبو الوليد عتبة بن ربيعة من عبد شمس يقول في القرآن بعد أن سمع منه آيات من سورة فصلت قال (والله لقد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر). (117، ابن كثير، 4/503) وإن القرآن الكريم جاء باللغة العربية فنظمها وركبها من حيث الحروف والكلمات والعبارات والمعاني بدرجة عالية تفوق أي نظم لها قد استخدمه العرب من قبل بدليل أن القرآن قد تحدى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن تركيباً ومعنى ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً قال تعالى ?قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً? ]الإسراء:88[. ومع ذلك فقد جاء القرآن الكريم منظماً بطريقة استطاع عقل الإنسان العربي أن يفهمها وهذا يشير إلى المستوى العالي لتفكيره المجرد؛ لأن هذا الترميز صاحبته روح نابضة خاطبت وجدانه وهزت أوتار مشاعره فتتناغم معها فاستجاب وأدى الأمانة التي أوكل بتوصيلها من دون أن يتباطأ بالقيام. ويتضح مما سبق أنه لم يرد في القرآن الكريم استخدام للتقنية المادية واستخدم في أكثر من موقع أسلوب المحاكاة، وضرب الأمثال وعرضها بأسلوب فاجأ العرب ، لم يعهدوه من قبل ، كل ذلك من أجل نقل الرسالة الإلهية وفهمها سلوكاً وعملاً، وهذا يعني أن القرآن الكريم قد استخدم مفهوم التقنيات التربوية المتمثل باستخدام العمليات والأساليب المبنية على مبادئ وأسس كيفية تعليم الإنسان وتعلمه، وكيف لا يكون كذلك والرسالة صدرت عن خالق هذا الإنسان الذي يعلم كل شيء ، وأن رسول الله ? (المرسل) اتبع الأسلوب القرآني في نظم رسالته بشكل يتناسب ومستوى تفكير (المستقبل) فاستخدم تقنيات وأساليب صاحبها جرس وروح تخاطب عواطف المتعلم ووجدانه وبذلك يكون القرآن الكريم أول من أرسى معايير التقنيات التربوية بصورة تربوية تماثل المفهوم المستخدم حالياً في الفكر التربوي الغربي . أما المستقبل للرسالة (العرب) فقد كانوا أهل الفصاحة والبيان ، فكانت لهم أسواق يتبارون فيها القصائد والخطب وكانوا أهل الذكاء والفطنة فلما نزل القرآن الكريم وتليت عليهم آياته تملكت هذه الآيات قلوبهم وأدركوا أنه مما لا يقدرون عليه من بليغ الكلام ، وهذا ما دفع أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق للخروج ليلاً يسمعوا من رسول الله ? آيات القرآن الكريم في بيته ومن دون أن يرى أحدهم الآخر،رغم تعاهدهم أكثر من مرة على عدم الرجوع. إن العرب الذين تلقوا القرآن الكريم ، وتذوقوا بحواسهم الفنية جماله الفني الأخاذ ، الذي يأسر القلوب أحسوا تأثيره المباشر في قلوبهم وأحسوا أثر سلطانه العجيب في نفوسهم. ويجد الباحث أن جزالة لغة القرآن الكريم ، وقوة ما يصدر عن النبي ? من قول أو فعل وفصاحة العرب وبلاغتهم وذكائهم ، يشير إلى وصول العقلية العربية إلى أعلى مستويات التجرد ،وهذا ما توصل إليه (إدجارديل Edjardale) بعد أكثر من ألف سنة من خلال تصنيفه للتقنيات التربوية على أساس الخبرة، إذ بين أن أكثر الخبرات قدرة على تغيير السلوك الإنساني وإكسابه المهارات والمعارف هي خبرة الرموز اللفظية المجردة التي تتمثل باللغة. ثانياً: التقنيات التربوية في السنة النبوية. تعد تقنية السماع من أهم تقنيات تلقى الصحابة للسنة النبوية ،نظراً لعدم تدوين السنة النبوية في عهده ? فقد كان الصحابة لا يدعون فرصة للجلوس مع الرسول ? إلا وانتفعوا بها لقد كانوا يتناوبون الجلوس مع الرسول ? للاستفادة من أقواله وأفعاله، وكان ? يحثهم على الاستماع للأحاديث وحفظها وتبليغها للآخرين إذ قال ? "نضر الله أمرءً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه" (، الترمذى، 5/33، وقال حديث حسن). وإن للبصر أهمية كبرى في حفظ السنة النبوية ،فعن طريق المشاهدة تعلم الصحابة أفعال الرسول ? وتقريراته، فقد كان المسلمون يشاهدون ما يقوم به الرسول ? من أفعال ثم يتأسون به. وكان الرسول ? يعرض الفكرة في صورة محسوسة بمقارنتها بأشياء مادية يجدها الإنسان في بيئته ، عن عبد الله بن د ينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ? " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ، فوقع الناس في شجر البوادي ، قال عبد الله ووقع في نفسي أنها النحلة فاستحيت ثم قالوا : حد ثنا ما هي يا رسول الله قال: النخلة" متفق عليه (، البخاري، 1/34) و(، مسلم، 4/2164). لقد مثل الرسول ? في الحديث السابق شخصية المؤمن الثابتة المطمئنة بالنخلة التي هي دائمة الاخضرار، ثابتة راسخة ونافعة باستمرار. (، النوري، 44). ويشبه الرسول ? المؤمن الذي يقرأ القرآن الكريم بالأترجة، فعن أبي موسى الأشعري- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ? "مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطمعها مر ،ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ريحها مر وطعمها مر" متفق عليه (البخاري، 5/207)، (، مسلم، 1/ 549). واستعان الرسول ? برسم خطوط إيضاحية على الأرض لتقريب مفهوم الأجل والأمل والأعراض التي تحيط بالإنسان. (47، الزنتاني، 478-479) والأمثلة على ذلك حديث عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه – قال: "خط لنا رسول الله ? خطاً مربعاً، ثم خط وسطه خطاً ثم خط حوله خطوطاً وخط خطاً خارجاً من الخط فقال: هذا الإنسان للخط الأوسط وهذا الآجل محيط به وهذه الأعراض للخطوط فإذا اخطأه واحد نهشه الآخر وهذا الأمل للخط الخارج" (الدارمي، 2/ 393).
شكل (19) يوضح تصوير الرسول ? لحياة الإنسان في الدنيا وما يحيط بها من مؤثرات وكان الرسول ? يستعين بالحركة مع الكلام ؛ لأن الحركة مع الكلام تعطي معنىً خاصاً ، وتجعله أكثر إثارة للاهتمام ، ومما أثر عن الرسول ? أنه قرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ليوضح الصورة المتخيلة( قلعة، 285)، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله ? مشيراً بإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام "بعثت أنا والساعة كهاتين" (البخاري، 4/1881) والمقصود بالساعة القيامة. ومن أهم الأساليب التي كان يستخدمها الرسول ? في تربية أصحابه الكرام- رضى الله عنهم – القدوة العملية الحسنة ، فقد ورد في صحيح البخاري "أن الصحابة سألوا سهل بن سعد : من أي شيء المنبر ..؟ فقال ما بقي بالناس أعلم مني؟ هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله? حين عمل ووضع فاستقبل القبلة ، وكبر وقام الناس خلفه ، فقرأ وركع وركع الناس خلفه ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض ثم عاد إلى المنبر ثم قرأ ثم ركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد على الأرض ، فهذا شأنه" (البخاري، 1/148)، وهذا ما يعرف في التربية الحديثة التعلم بالخبرة المباشرة كما برهن ? على أن حركات المدرس وسكناته وإشاراته أهم عامل في العملية التعليمية "فكان ? يعتدل في جلسته بعد أن يكون متكئاً ليدل بذلك على ضرورة الأمر وخطورته ، وكان ? إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه ، وكأنه منذر جيش" (مسلم، 2/592). وكان ? يعلم أصحابه بأسلوب عملي محسوس، فكان هدفه من ذلك أن يقتدى به في أفعاله ، وما أشد تأثير المدرس في الطلبة الذين يرون في مدرسهم المثل الأعلى والقدوة الحسنة ، فقد حرص جيل الصحابة –رضى الله عنهم – كل الحرص على التأسي بنبيهم ومربيهم ، إذ وجدوا فيه المثل الأعلى فتركت القدوة العملية أثرها الطيب في نفوسهم ، ومن الشواهد على ذلك ما روى عن ابن عمر "أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما-قبل الحجر الأسود وقال:إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله ? يقبلك" (131، مسلم، 2/925). ويبين لنا سيدنا محمد رسول الله ? أهمية البيئة بوصفها مصدراً أساسياً للتقنيات التربوية، وكيفية الاستفادة منها في التعلم وفي عملية اكتساب الطالب لما تقدمه من خبرات محسوسة يبقى أثرها راسخاً في الذهن ، فعن جابر –رضى الله عنه – "أن رسول الله ? داخلاً من بعض العالية – والناس كنفته، (أي عن جانبيه) فمر بجدي أسك ، (أي صغير الأذن) ميت ، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به ؟ قال : أتحبون أنه لكم قالوا والله لو كان حياً لكان عيباً فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت – فقال ? والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" (مسلم، 4/2272). لقد حقق رسول الله ? الهدف الذي أراده من دون أن يتكلف في شراء أو صنع تقنية، فقد استخدم العرب التقنيات بكثرة، وهذا يعود إلى امتلاك المدرس والطالب لأهم مهارات الاتصال وهي استعمال اللغة السليمة لنقل الرسالة ، فقد استخدم رسول الله ? الذي يمكن القول بأن دوره دور المرسل (المدرس) من الناحية التربوية ، فكان إذا تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ليس بهذٍ مسرع ، ولا منقطع تخلله الكتاب. (ابن القيم، 1/46). وأن المدرس (المرسل) أعطي جوامع الكلم ،وخصه الله ببدائع الحكم وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ? قال : "بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينما أنا نائم، رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض وضعت في يدي" (متفق عليه) (البخاري، 3/1087)، (مسلم، 1/371). وإن قسماً من الأعمال والمهارات الحركية يحتاج إلى تدريب عملي عليها لإتقانها بصورة متكاملة فلا يكفي فيها الشرح النظري ، لذا نجد أن الرسول ? يقوم بتوضيح قسم من الأعمال والشعائر توضيحاً عملياً ففي الحديث "صلوا كما رأيتموني أصلى" (ابن حبان، 4/541)، تثبيتاً لأهمية الصلاة ، ولفتاً لأنظار الصحابة للتركيز على القدوة العملية فيها ،ومن الجدير بالتأمل والملاحظة أن الرسول ? قد تلقاها بطريقة عملية، إذ أمه جبريل- عليه السلام- وصلى به الصلوات الخمس، ومما ورد في ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم ، عن بشير بن مسعود –رضى الله عنه – أنه سمع رسول الله? يقول: "نزل جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، يحسب بأصابعه خمس صلوات" (متفق عليه) (البخاري، 3/1178) و( مسلم، 1/425)، لقد استخدم ? التقنيات التربوية المختلفة، متبعاً أسلوب القرآن الكريم في مخاطبته العرب وإقناعهم بالرسالة على أسس علمية سليمة، واستخدم ? الممارسة العملية والتمثيل القصصي والحوار والموعظة والنصح والإرشاد، وقبل هذا وذاك لقد تحققت في رسول الله ? القدوة العملية بكامل شروطها وفي أبهى صورها ، لتكون منهجاً حياً متكامل الأركان لأمته إلى قيام الساعة ،إذ أنه ? راعى المستوى العقلي للطالب من حيث معدل النمو والنضج ومن حيث ذكائه واستعداداته وقدراته وملكاته العقلية. ويستنتج مما سبق أن من واجبات المدرس أن ينمي في طلبته ملاحظة الظواهر الكونية ، وأن يتخذ هذا سبيلاً للإيمان بالله سبحانه وتعالى وأن ينمي فيهم هذا الإيمان ، عن طريق ملاحظة الكائنات الحية المختلفة وإدراك ما بها من تباين وتشابه ، وأن يستخدم هذا الأسلوب في مراحل التعليم المختلفة. ثالثاً: اهتمام المربين العرب والمسلمين بالتقنيات التربوية. اهتم المربون العرب والمسلمون بالتقنيات التربوية ، بوصفها دعامة مهمة في توضيح الأفكار والمعارف، ومن خلال قراءة التأريخ يتبين وجود أمثله حية من جهود هؤلاء العلماء الذين أوضحوا أهمية التقنيات التربوية ومن أمثلة أولئك العلماء: 1- جابر بن حيان الطرسوسي وقيل الكوفي (ت 815م) (حاجى خليفة، ج2/1415) يعد من أشهر علماء الكيمياء ، استخدم مختبرات تربوية في إيضاح الكثير من المركبات لطلبته، مثل الماء والخلات ، واستخدم الدوارق الزجاجية، إذ أن المواد الحامضية لا تتفاعل معها ، وكان يستخدم جهازاً نحاسياً لعملية تقطير الماء وتكثيف الأبخرة. 2- أبو بكر الرازي (ت 932م). يعد أول رائد في مجال التجريب والملاحظة ، توصل إلى اختيار أفضل مكان لإقامة بناية مستشفي مدنية بغداد في العصر العباسي ، وذلك بوضع قطع من اللحم في أنحاء مختلفة من مناطق بغداد آنذاك ، وتم بموجب ذلك اختيار المكان الذي لا حظ فيه أطول مدة من الزمن لتلف وتعفن اللحم فيه. ولم يقتصر دوره على علم الطب بل خاض في علم الكيمياء ، إذ أنه اعتمد الأجهزة التي ابتكرها في إجراء تجاربه ، وشرح تركيبتها وطرائق استخدامها ووضع أساس المنهج العلمي في البحث وإجراء التجارب في كتابه (سر الأسرار) إذ قسم المواد الكيميائية إلى عضوية وغير عضوية ،ووضع أو ل مرجع وافي في التشريح ، وأول من بحث موضوع الإسعافات الأولية في كتابة (من لا يحضره الطبيب). 3- الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سيناء (ت1037م). استخدم في تدريسه للطب عدداً من التقنيات لتوضيح أعضاء جسم الإنسان وكيفية عمل الحواس لطلبة الطب، إذ استخدم صور عين شاة مذبوحة لتوضيح أجزاء العين وكيفية حدوث الإبصار في الإنسان ، واستفاد من فتح بطون الحيوانات الأليفة المذبوحة في توضيح الأحشاء الداخلية لتك الحيوانات وما يماثلها في جسم الإنسان ، واستخدم صوراً ومخططات لأعضاء جسم الإنسان ، قام بإعدادها هو بنفسه . 4- الحسن ابن الهيثم (ت 1039م). أكد أهمية التجريب حينما أراد أن يثبت أفكاره في (علم الضوء) فاستخدم طرقاً عملية مستعيناً بالبصريات والعدسات ، ومعتمداً على المشاهدة والتجريب والقياس ، إذ تعد من أرقي أنواع التقنيات التربوية في توصيل الأفكار بشكل جيد . وقد استخدم الطريقة العلمية المستندة إلى فرض الفروض والتجريب والمشاهدة في التوصل إلى النتائج المطلوبة ومن أشهر ما توصل إليه في هذا المجال هو نظرية الانكسار ، إذ كان يخرج طلبته إلى بركة ماء في نهاية الساقية ويغرس فيها قصبة ليوضح لهم بالمشاهدة الواقعية كيفية حدوث الانكسار داخل الماء ، فكانت تقنيته البسيطة أساساً لاكتشاف العدسات المكبرة والأجهزة البصرية مثل جهاز عرض الشفافيات وجهاز عرض الصور المعتمة والسينما التعليمية وأجهزة العرض الضوئية المختلفة . 5- أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (ت 1048م) وهو العالم العربي الفلكي الذي استخدم الخرائط الفلكية الدقيقة ووضح بالرسوم منازل القمر حول الأرض وكان يشرح ذلك لطلبته مستخدماً مع الرسوم والمخططات أدوات فلكية دقيقة ، مثل اَله قياس الزوايا (المزاواة) أو ما يسمى الآن (الثيودولايت) وكان يعتمد على مرصد في بغداد ، والذي كان على شكل برج بطابقين ، واستخدم القراطيس والخرائط والآلات الفلكية لحساب مسار الكواكب وحركة القمر. 6- الإمام محمد بن محمد بن محمد الطوسي الغزالى ، والمعروف بأبي حامد الغزالي (ت 1111م) أكد الإمام الغزالي على أهمية السماع في المرحلة الأولى من حياة الإنسان المسلم ،إذ يري أنها أول خطوة يخطوها من يدخل الإسلام ، ففي هذه المرحلة لا يطالب بالبحث والتنقيب ،وإنما يكفيه الاستماع والتصديق ، فالمصطفي ? اكتفي من قبائل العرب ووفودها بالتصديق والإقرار من غير دليل تعلم. وحث الغزالى المتعلم على الرحلة في طلب العلم ، ولذلك قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك . ونستخلص من إشارته إلى الرحلة في طلب العلم لإيمانه بأهمية حاسة البصر في التعليم مقتدياً بإشارة القرآن الكريم إلى هذا الجانب إذ يقول الله تعالى ?قُل سِيرُوا فِي الَأرضِ فَانظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ? ]النمل:69[. فالرحلة تحوى مشاهدة عجائب صنع الله سبحانه وتعالى وهذا يشير إلى أن الخبرة المباشرة من أهم التقنيات في اكتساب المعرفة الصحيحة واكتشاف ماهيتها؛ وبذلك يكون الإمام الغزالي قد سبق علماء التربية الغربيين في هذا المضمار ، إذ انه بيّن أهمية الحواس المتمثلة بالسمع والبصر واللمس في توضيح الفكرة وسهولة فهمها وبقائها مدة أطول في الذهن فيستطيع الطالب أن يسمي الشيء بعد أن يكون صورة ذهنية له أو أن ترى عيناه شيئا لم تره من قبل ولم تسمع به ، ثم يستطيع أن يتصوره فيطلب الغزالي من المدرس والأب أن يكونا أنموذجاً مثالياً للطالب . 7- أبو عبد الله الإدريسى الحموي (1166م). استخدم الرسوم والخرائط تقنيات إيضاحية لفهم المعرفة النظرية إذ وضع أول خريطة لأرض العالم ، ورسمها ليوضح مواقع البلدان ، بعد أن أتم مجسم الكرة الأرضية التي صنعها من الفضة الخالصة ، نقش عليها صورة الأقاليم السبعة بأقطارها وبلدانها وخلجاتها وبحارها وأنهارها، إذ كانت الأقاليم السبعة هي التقسيم الجغرافي في العصور الوسطى ، وقد سار عليه سائر الجغرافيين المسلمين ، ومن اقتدى بهم من الجغرافيين الغربيين. 8- ابن البيطار (ت 1248م). برز ابن البيطار في علم الحياة من خلال تأليفه لكتاب في علم النبات أوضح فيه ملاحظاته عن مختلف أنواع النبات ووصف أكثر من (1400) عقاراً من العقاقير النباتية والحيوانية وكان الكتاب مدعماً بالرسوم . 9- بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكتاني الحموي (ت 1335م) اهتم ابن جماعة بحاسة السمع وحث المدرس على رفع صوته في أثناء التعليم حتى يسمعه الحضور كافة ، وأثبت ضرورة اهتمام المتعلم بحسن الاستماع ووجود الانتباه ، وحث المدرس على الظهور أمام الطلبة بالمظهر الحسن ؛ لأنه أوقع في النفوس وفيه تعظيم للعلم. ودعا ابن جماعة المدرس أن يكون قدوة في أعماله؛ لأن أهداف التعليم منوطة بحسن اختيار المدرس؛ لأن المدرس من أكثر الناس تأثيراً في الطالب ، وصفاته أسرع انتقالاً إليه من صفات غيره، فإذا أحب الطالب المدرس، أصبحت أهداف المدرس أهدافه، وصار يسلك مسلكه. وقد بعث الرسول ? ليكون قدوة عملية للناس وليحقق المنهج الإسلامي. قال تعالى ?لَقَد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الِله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ? ]الممتحنة:6[. وقد أشار علماء النفس إلى أهمية التعلم عن طريق القدوة نظراً لما للقدوة من آثار إيجابية ، فهي تختصر الطريق على الطالب وتوفر للمدرس جهداً كبيراً ؛ لأن تطبيقه العملي دليل على صدق دعواه فالمدرس القدوة يلقي استجابة سريعة من طلبته ، لإقناعهم بما يدعو إليه من مبادئ السلوك ، فضلاً عن أن القدوة تساعد على التعلم بسرعة أكبر؛ لأن الطفل بطبيعته يميل إلى التقليد ويحب تقمص الشخصيات التي يعجب بها. أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أهمية التعلم عن طريق حاستي السمع والبصر ؛ لأنه أشد رسوخاً ، ويرى أن اكتساب اللغة يتم عن طريق السماع ، واستدل على ذلك إتقان العلماء الأعاجم لغة العرب مثل سيبويه، والزجاج ، والفارسي. وحث ابن خلدون على الرحلة في طلب العلم ، لأن تعلم أي علم أو صناعة بحاجة إلى مدرس حاذق ومشهور ، وقد لا يتواجد هذا المدرس في بلد الطالب ، فيجب على الطالب أن يشد الرحال إليه ويأخذ عنه سواء بالتلقين أو المحاكاة ، أثبت أهمية القدوة ؛ لأن التعلم إما أن يكون إلقاءً أو محاكاة أو تلقيناً. (57، شمس الدين، 73-74)، والقدوة مرتبطة بالتطبيق العملي، والتطبيق العملي يثبت المعلومات في ذهن الطالب ، نظراً لاشتراك أكثر من حاسة في هذه العملية، ومن المعلوم أن التعلم الذي يتم باشتراك حواس متعددة أبقى أثراً من التعلم الذي يكتسب عن طريق حاسة واحدة. ويرى ابن خلدون أن الأصل في أدراك ما تأتي به الحواس الخمس، وأن المدركات العقلية محدودة بمحدودية الحواس وقدرتها على تمرير المعلومات والمثل الذي يقدمه ابن خلدون دليل على ذلك هو أن الأعمى لا يدرك المرئيات والأصم لا يدرك المسموعات. وقد أولى ابن خلدون حاسة البصر عناية أكبر من حاسة السمع في بعض الأحوال ، إذ يرى أن نقل المعاينة أكثر استيعاباً من نقل الخبر المجرد . ويعد ابن خلدون أول من أوصي المدرسين بالاعتماد على الأمثلة الحية في شرحهم وتدريسهم لكي تساعد الطلبة على الإدراك والفهم الصحيحين. إن تأثير المدرسين على الطلبة كبير جداً، مما يستلزم أن يتصف هؤلاء المدرسون بصفات حسنة وسلوك قويم ، حتى يتأثر بهم الطلبة ، فالمدرس يجب أن يقرأ قراءة أنموذجية ليقلده الطلبة ، ويجود في صلاته ، لكي يتعلم الناس منه الصلاة الصحيحة . وقد تعلم الصحابة من الرسول ? أمور دينهم عن طريق القدوة ؛ لأن الرسول ? قدوة في حركاته وسكناته وكان المربون المسلمون قدوة عملية في أخلاقهم ومعاملاتهم وسلوكهم فتأثر بهم عدد كبير من الناس ، وصاروا دعاة إلى الله تعالى- بأفعالهم لا بمجرد أقوالهم. وقد استخدمت التقنيات التربوية في المدارس العربية الإسلامية إذ سجل التأريخ من ذلك ما روي عن ابن بطوطة في وصفه لما شاهده بالمدرسة المستنصرية ببغداد قال : (وجدت المذاهب الأربعة لكل مذهب إيوان في المسجد ، وموضع للتدريس ، وجلوس المدرس في قبة خشب صغيرة على كرسي ، وعن يمنيه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه). وهذا ما كان يعرف بالمملي أو المسمع ولعل هذا يقوم مقام المكبر الصوتي الذي يستخدم تقنية من تقنيات التربية الحديثة . الأسس النفسية والتربوية لإنتاج و استخدام التقنيات التربوية: إن الهدف الرئيس لتصميم و إنتاج أي تقنية تربوية ، هو تحقيق أهداف العملية التعليمية بدرجة عالية من الإتقان، وتحويل عملية التعليم إلى تعلم، لذا لابد للمدرس من معرفة عملية التعلم، كي يشتق من أسسها ومبادئها بعض التعميمات الإجرائية ، التي يمكن أن تساعده في تصميم التقنيات التربوية وإنتاجها ، وعلى الرغم من اتفاق معظم العلماء على تعريف التعلم بأنه تغيير في الأداء ، أو تعديل في السلوك نتيجة لعملية الممارسة ، فإنهم يختلفون بشأن تصور طبيعته ، وكيفية حدوثه . إن كل الفلسفات تحث على استعمال التقنيات التربوية في العملية التربوية بشكل أو بآخر ، على أساس أن التقنيات التربوية تزيد من فاعلية عملية التعليم والتعلم . إن نظرة فاحصة للطريقة التي تتبع ، وتستعمل فيها التقنيات التربوية في مؤسساتنا التربوية ، تشير إلى تأثرنا بنظرية الارتباط الإدراكي ، التي تعلق أهمية كبيرة على مخاطبة حواس الطالب بأكثر من طريقة ، لينطبع في عقله أكبر عدد من الصور والأحاسيس المرتبطة معاً، على أساس أن هذا يؤدي إلى نمو العقل ، وزيادة مخزونه من الصور والأحاسيس التي تكون ذخيرة من الخبرة القديمة، ترتبط معها الخبرات الجديدة التي تقدم للطالب . وفيما يأتي أهم الأسس النفسية المرتبطة بإنتاج واستخدام التقنيات التربوية والتي ترتبط بشكل أو بآخر بجميع النظريات النفسية. إن ما يحيط بالإنسان لا يعرفه ولا يدركه إلا بالمعاناة، بمعني أنه يدركه بالحواس ، ويتحسسه بالشعور ، ويميزه بالعقل ، وإن وجود الأشياء التي يدركها المرء يمكن أن يكون ممتنعاً لولا أنها أشياء لا تصبح موجودة إلا حين تفكر بها النفس : أي حين تستحضر النفس المعنى المقصود من أجل أن تفكر فيه ، وذلك يعني أن وجود الأفكار العامة يتوقف على النفس الفاعلة ، أو فاعلية النفس التي أراد لها خالقها أن تكون مدركة بدلالة العقل . إن الإنسان يدرك ما حوله بالحواس ، وهي منافذ العقل ، إذ يقوم العقل بترجمة ما تتناقله الحواس ليتم له الإدراك بواقعه ، وإلى جانب الإدراك الحسي عند الإنسان ، لديه الإدراك العقلي الذي يتيح له إدراك ومعرفة ما وراء الإحساس الاعتيادي ، ويلزمنا القرآن الكريم باستخدام السمع والبصر والعقل قال –تعالى ?أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور? ]الحج: 46[. إن ما يتناوله النص القرآني يؤكد على استعمال الحواس والمواهب للوصول إلى أحسن سبيل للعلم؛ لأن الإسلام يخاطب العقل ويحث على التمسك بالبرهان والدليل وينهى عن الظن والتخيل ، والخرافة، ولذا تظهر الأهمية الكاملة للحواس بوصفها وسائط لعملية التعلم والإدراك والتفكير فضلاً عن أهمية استخدام كل ما يعيه الإنسان ويدركه لفهم كل ما يستجد ، فيوظف تاريخه العلمي والعملي لفهم الظاهرة الجديدة. ومن تلك الأسس ما يأتي:- 1- النشاط الذاتي للطالب: لكي يحدث التعلم ، لابد أن يكون الطالب إيجابياً ونشطاً ، ويعني هذا الأساس أنه لا بد أن يراعى عند تصميم التقنية التربوية الجيدة، أن تتيح هذه التقنية للطلبة فرص النشاط الإيجابي في الموقف التعليمي . 2- الدافعية والتشويق: الدافعية هي ما يحض الفرد على القيام بنشاط سلوكي ما ، وتوجيه هذا النشاط نحو وجهة معينة ، إذ إن للدافعية أهمية كبيرة من الوجهة التربوية ، بوصفها هدفاً تربوياً في ذاتها، واستثارة دافعية الطلبة ، وتوجيهها ، وتوليد اهتمامات معينة لديهم ، تجعلهم يقبلون على ممارسة نشاطات معرفية، وعاطفية، وحركية ، خارج نطاق العمل المدرسي، في حياتهم المستقبلية، وهي من الأهداف المهمة التي ينشدها أي نظام تربوي ، وتظهر أهميتها من الوجهة التعليمية، بوصفها تقنية يمكن استخدامها في سبيل إنجاز أهداف تعليمية معينة على نحو فاعل، من خلال عدها أحد العوامل المحددة لقدرة الطالب على التحصيل والإنجاز؛ لأن الدافعية على علاقة بميول الطالب ،فتوجه انتباهه على قسم من الأنشطة من دون الأخرى ، وهي على علاقة باحتياجاته ، فتجعل قسماً من المثيرات معززات ، تؤثر في سلوكه، وتحثه على المثابرة، والعمل بشكل نشط وفاعل. 3- معرفة الطالب لنتائج استجاباته: إن معرفة الطالب بنتائج استجاباته أو محاولاته، من أهم العوامل لحدوث التعلم لديه ويشار إلى معرفة النتائج أحياناً بالتعزيز على اعتبار أنها تعمل على تدعيم الاستجابات الناجحة وتثبيتها ، ويشار إليها باسم التغذية الراجعة، على اعتبار أن نتائج السلوك الحالي تؤثر، بدورها في السلوك اللاحق . ويمكن تطبيق هذا الأساس على تصميم التقنيات التربوية وإنتاجها؛ لأن التقنيات التربوية توفر للطالب فرصاً للنشاط، مثل الإجابة عن سؤال، أو حل مسألة حسابية، أو فحص عينة، أو إجراء تجربة عملية، وفي كل هذه الحالات يجب أن تصمم التقنيات التربوية، بحيث تفيد الطالب، وتخبره عن صحة استجاباته، وهذا من شأنه إثارة دافعية الطالب، وتحفزه على مواصلة عملية التعلم، وإذا لم تضمن التقنية توفير ذلك للطالب، فعلى المدرس أن يوفرها بنفسه للطلبة. 4- استعدادات الطالب: يكون التعلم أكثر كفاية ، إذا كان لدى الطالب الاستعداد التام لذلك من جميع الجوانب ، ويتوقف هذا الاستعداد على نضج الطالب جسمياً وعقلياً وعلى خبراته السابقة . فعلى المدرس أن يراعي ذلك عند إنتاج التقنيات التربوية ويصممها بحيث تتناسب مع قدرات الطلبة، وخبراتهم السابقة ، وتتماشى مع ميولهم واحتياجاتهم، وإلا فإنها ستفقد فائدتها التعليمية، وقد يبالغ في تقدير قدرة الطلبة أو التقليل منها، ومن ثم فإن التقنيات التي يقومون بتصميمها قد تكون بالغة السهولة فتؤدي إلى استخفاف الطلبة بالدروس، أو بالغة الصعوبة فتعرقل عملية تعلمهم . 5- تنظيم محتوى المادة العلمية: إن تنظيم محتوى المادة التعليمية ، يسهل من تعلمها والاحتفاظ بها ، ولتحقيق التنظيم الفاعل على المدرس أن يبدأ بما هو مألوف من معلومات للطلبة، وبتلخيص ما وصلوا إليه من معلومات ، ثم يقدم لهم بعد ذلك الحقائق ، والمعلومات ، والعلاقات الجديدة إلى الحد المخطط له. وفي مجال تصميم التقنيات التربوية يجب على المدرس ترتيب المادة التعليمية في ثلاثة أقسام: المقدمة التي تجذب انتباه الطلبة، ثم صلب المادة التي يرغب مصمم التقنية (المدرس) في نقلها إلى الطلبة ، وأخيراً الخاتمة التي تلخص الأفكار التي قدمت . 6- وضوح معنى المادة التعليمية: وتعنى وضوح المادة التعليمية المقدمة للطالب، إذ إن وضوح معناها يسهل التعلم ، ويزيد مدة الاحتفاظ بها ، لذلك يجب على مصمم المادة التعليمية (المدرس) أن يراعي عند إنتاجه للتقنية ، وضوح التقنية نفسها، من خلال حجم مكوناتها، والألوان المستخدمة فيها، ومناسبتها لمستوى الطلبة، معرفياً ولغوياً ونفسياً . 7- التدريب والممارسة: يحدث التعلم الفاعل بتكرار المثيرات والاستجابات المرتبطة بها ، إلا أن التدريب والممارسة في حد ذاته ليس كافياً لحدوث التعلم، وإنما ينبغي أن يصاحبه توجيه وإرشاد من جانب المدرس ، ويعني أساس التدريب والممارسة أن التقنية التربوية يجب أن تصمم بحيث تكرر المعلومات أو الأفكار التي تنقلها بنفسها ، إذ إن هذا قد يكون مفيداً في تيسير عملية التعلم ويساعد في تعلم أشياء جديدة لم ينتبه عليها الطلبة في المرات الأولى . 8- الانتقال من المحسوس إلى المجرد: الحواس هي المنافذ التي يتعلم من خلالها الفرد، فالأشياء المحسوسة تتعلم ويتم تذكرها بشكل أسهل من الأشياء المجردة ، والتقنية الناجحة، هي تلك التي تصمم بحيث تحاول ترجمة الألفاظ والرموز للطلبة إلى صورة سمعية وبصرية ، بحيث يبدأ من الأشياء المحسوسة، وينتقل منها تدريجياً إلى الأشياء المجردة، فكل ما يدركه الطالب، أو يفكر فيه، أو يتعلمه لابد أن يكون قد وصل إليه عن طريق حاسة أو أكثر من حواسه، واعتماداً على هذا الأساس النفسي ، تستعمل التقنيات التربوية في عملية التعليم والتعلم ، بوصفها أقدر على مخاطبة العقل عن طريق الحواس من الأشياء المجردة والرمزية ، ونستطيع أن نستخدم كل حاسة بالطرق التي تتلاءم معها، ويمكننا كذلك أن نسخر أكثر من حاسة واحدة في الوقت نفسه ، ولعل برامج التلفاز، وأفلام الصور المتحركة الناطقة، والصور المختلفة، من ابرز الأمثلة على التقنيات التربوية التي تخدم هذا الغرض . 9- توسيع مجال الحواس: بما أن الحواس هي منافذ التعلم ، فكل تقنية تؤدى إلى توسيع مجال هذه الحواس ، تزيد ولا شك من مقدرتنا على التعلم ، وتتفق كثير من النظريات في علم النفس ، على أن هناك قسماً من العوائق كالسرعة الكبيرة ، أو البطيئة ، أو المسافات الطويلة جداً ، أو القصيرة جداً والحجوم الكبيرة جداً ، أو المتناهية في الصغر، والأزمنة الطويلة جداً أو القصيرة للغاية ، هذه العقبات وغيرها قد تقف في كثير من الأحيان أمام حواسنا فتمنعنا من التعلم ، فلكل حاسة من حواس الإنسان مجالٌ محددٌ تستطيع أن تعمل فيه ولا تتعداه. 10- التعزيز والمكافأة: أثبتت كثير من نظريات علم النفس أن التعزيز والمكافأة من أهم العوامل التي تعمل على تشويق الطالب وترسيخ فهمه للمادة التي هو بصدد تعلمها، وباستعمال التقنيات التربوية المناسبة مثل اللوحات الضوئية والحاسوب أو الفيديو المتفاعل ، وإعطاء التعزيز أو المكافأة المرغوب فيها ، وترتيبها بتوقيت معين ، بحيث تحفز الطالب على مواصلة تعلمه . 11- التجربة المباشرة الهادفة تزود الطالب بأفضل أنواع التعلم: تمد التقنيات التربوية الطالب بالتجارب المباشرة ، إذ تضعه في تفاعل مباشر مع الخبرات التعليمية ، التي يريد أن يتعلمها ، ومن هنا كان استخدام النماذج الحية ، والتجارب المخبرية ، والزيارات الميدانية ، والاشتراك في الجمعيات العامة ، وغير ذلك من التقنيات التي تمكن الطالب من القيام بالعمل الحقيقي بطريقة مباشرة وهادفة ، وبذلك تعمل مثل هذه التقنيات على إغناء خبرات الطالب وتساعده على بناء مفاهيم أفكاره وتكوينها كلما اتسعت تجربته وتفاعل مع محيطه.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|