انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الجذور التاريخية للتقنيات

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ضياء عويد حربي العرنوسي       15/12/2014 20:21:07
الجذور التاريخية للتقنيات التربوية:
إن المنهج الإسلامي يستوعب كل تقنية كريمة من التقنيات التربوية وجدت أم ستوجد، طالما أنها تسهل عملية التعلم ، وتعمل على تنفيذ المنهج قال تعالى ?َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ? ]الحج: 78[.
ولقد اهتمت التربية الإسلامية بالتقنيات التربوية اهتماماً متميزاً من خلال مصدريها الأساسيين وهما القرآن الكريم والسنة النبوية ، ومن خلال هذين المصدرين برز اهتمام علماء المسلمين بهذا المجال التربوي المهم .
وإليك نبذه مختصر عنها في كل من القرآن الكريم والسنة النبوية ثم جهود علماء المسلمين وهي كالآتي:-
أولاً التقنيات التربوية في القرآن الكريم .
لا ريب في أن إنشاء جسر بين عالم المعاني والأفكار النظرية وعالم المدركات الحسية من الأمور الأساسية في عمليتي التعليم والتعلم، ومنهج استخدام التقنيات التربوية قديم ، استخدمه الله سبحانه وتعالى في تعليم أبناء آدم عليه السلام ويعرض القرآن الكريم مشهداً من مشاهد استخدام التقنيات التربوية في تعليم ابني آدم: قابيل وهابيل ،فعندما قتل قابيل هابيل، أرسل الله سبحانه وتعالى له غراباً ليعلمه كيف يواري سوءة أخيه قال تعالى ?فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ? ]المائدة: 30- 31[.
هذه الحادثة وقعت في مرحله الطفولة الإنسانية، إذ كان أول حادث قتل متعمد ، وكان الفاعل فيه لا يعرف طريقة دفن الموتى.
وفي القصة تمثيل لسوءة الجريمة في صورتها الحسية ، صورة جثة فارقتها الحياة وأصبحت لحماً يسري فيه العفن ، فهي سوءة لا تطيقها النفوس.
وشاءت حكمة الله أن تضع القاتل أمام عجزه ، فرغم أنه قاتل جبار؛ إلا أنه عاجز عن أن يوارى سوءة أخيه ، قال تعالى ?فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ? ]المائدة:31[.
لقد ذكر الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة أن الله تعالى بعث غرابين فاقتتلا ، وقتل أحدهما الآخر ثم حفر له بمنقاره ورجليه عندئذ تعلم قابيل ذلك من الغراب . وفي هذا دليل ثابت على أن هذا الموقف الذي تصوره الآية ،موقف تعليمي يعرف بالمحاكاة والمشاهدة، ومثال آخر في إبراز المعاني ، وإنشاء التصور الصحيح للمنهج الإسلامي في ضمير المسلم عن طريق الحقائق الكونية التي تطالع الأنظار والمدارك كل يوم ، نرى ذلك في الحوار الذي دار بين إبراهيم عليه السلام وملك من ملوك أيامه يجادله في الله قال تعالى?أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ? ]البقرة :258[
فالآية تمثل مشهداً لحوار إبراهيم –عليه السلام – وأحد الملوك ، والمشهد يعرض على الرسول ? وجماعة المسلمين من خلال التعبير القرآني العجيب ، إذ أن جدال هذا الملك لم يكن نكراناً لوجود الله أصلاً ، إنما هو نكراناً لوحدانيته ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، وكان الحال لدى قسم من الناس في الجاهلية، أنهم يعترفون بوجود الله ولكنهم يجعلون له أنداداً ينسبون إليها فاعلية وعملاً في حياتهم قال تعالى ?قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ? فالإحياء والاماتة ظاهرتان معروضتان لحس الإنسان وعقله في كل يوم وكل لحظة ، فرد الملك على إبراهيم عليه السلام قائلاً: أنا سيد هؤلاء القوم، وأنا المتصرف في شأنهم ، فأنا إذاَ الرب الذي يجب عليك أن تخضع له وتسلم بحاكميته: ?قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ? عندئذ عدل إبراهيم عليه السلام عن طريق العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله ?رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ? .... إلى طريقة التحدي، حتى يعرف الملك أن الرب ليس حاكم قوم ما، في ركن من أركان الأرض ،وإنما هو مصرف هذا الكون كله : قال إبراهيم: ?فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ? ... وهذه حقيقة كونية تطالع الأنظار والمدارك كل يوم من دون تخلف أو تأخر، وهو تحد يخاطب الفطرة ، ويتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل ?فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ? .
ولقد ورد في القرآن الكريم مشهداً آخر حي مرسوم بالكلمات يجد مشاعر رجل مر على قرية محطمة ، فجال في شعوره سؤال حائر : كيف تدب الحياة في الموات ؟ قال تعالى ?أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? ]البقرة : 259[.
يرتسم هذا المشهد للحس قوياً واضحاً موحياً ، إنه مشهد الموت والبلاء والخواء .. يرتسم بالوصف ?وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا? محطمة على قواعدها ، ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على قرية ، هذه المشاعر المتجسمة في تعبيره ?أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا? كيف تدب الحياة في هذه الأموات ؟ ?فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ? لم يقل له كيف ،إنما أراه في عالم الواقع كيف ،فالمشاعر قوية وعنيفة لدرجة أنها لا يجب أن تعالج بالبرهان العقلي … وإنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ بها الحس ويطمئن بها القلب من دون الكلام . ?قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ? ?قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ? وتبعاً لطبيعة التجربة ،وكونها تجربة حسية واقعية ،فلا بد أن تكون هناك آثار محسوسة تصور مرور ماَئة عام ، وهذه الآثار لم تكن إلا في طعام الرجل وشرابه ،فلم يكونا آَسنين متعفنين ?فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ? ?وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً?
لقد تعرت وتفسخت عظام الحمار ، ثم كانت الخارقة هي ضم هذه العظام ببعضها البعض، وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن، ليكون هذا التباين في المصائر، والجميع في مكان واحد، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد وليدرك الرجل كيف يحي هذه الله بعد موتها . (152، اليوسف، 26).
ثم تأتى تجربة إبراهيم عليه السلام مع ربه قال تعالى ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? ]البقرة:260[ .
لقد أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يختار أربعة عن الطير ،فيقربهن منه وينظر إليهن ليتأكد من أشكالهن وصفاتهن ومميزاتهن بحيث لا يخطئ في التعرف عليهن بعد ذلك ،وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة ، ثم يدعوهن، فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى ، وترتد إليهن الحياة ويعدن إليه ساعيات ففعل.
لقد رأى إبراهيم عليه السلام السر الإلهي يقع بين يديه، طيوراً فارقتها الحياة، وتفرقت أجزاؤها في أماكن متباعدة تدب فيها الحياة مرة أخرى ،وتعود إليه سعياً وهو سر نرى آثاره بعد تمامه كل يوم، ولكننا لا ندرك طبيعته ولا نعرف طريقته إنه أمر الله ، وهذا يوضح أهمية الملاحظة بوصفها قيمة تربوية، تمثيلية تجعل المرء يصدق يقيناً بصحة الحادثة التي تدركها حواسه.
وتثبت ضرورة استخدام الخبرات المباشرة كاستخدام الأشياء المتوفرة في إيصال المفاهيم المعقدة؛ لأن التقدم التقني قائم على الملاحظة ووسيلتها وبغيرها لا يكون تقدم ولا يتم تعلم فلو شرحنا للطالب نظرياً ساعات وساعات اعتماداً على السماع فقط ، من دون النظر ، فإنه لا يخبر اَله ولا يتعلم كيف يستخدمها الاستخدام الصحيح.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .