منكرو النبوات و مناقشتهم
إن الإنسان لا يستطيع أن يكتفي بعقله وضميره بكل شيء مما ينبغي له أن يعرفه مما يتعلق بالله وصفاته ولا بد له من شرائع لتنظيم حياته الأولى وصلاح أمر المجتمع فيها وحياته الأخرى وما يكون فيها من نعيم مقيم أو عذاب اليم.
ومن هنا كانت حاجة العقل الإنساني إلى معين يستعين به في إدراك ما يعجز عن إدراكه من ذلك حاجة ماسة وضرورة ملحة.
ومع ذلك ذهب قوم من الناس إلى القول بعدم حاجة الإنسان إلى هدي النبوة ووحي الرسالة. زاعمين أن الإنسان يستطيع أن يقوم وحده وان يكتفي بعقله في تنظيم حياته وتلبية حاجاته.
والذاهبون لذلك فريقان:
فريق ينكر النبوات والرسالات السماوية لأنه ينكر الإله تعالى ولا يعترف بوجوده ومن البديهي أن من ينكر المرسل وينفي وجوده لا بد وان ينكر رسوله ولا يعترف بهدي ورسالته وقد عرف هؤلاء في التاريخ الملحين أو الماديين .
وقد وجد منهم جماعات في كل زمان ومكان. ومع ذلك لم يستطيعوا أن يؤثروا في الرأي العام الإنساني ، ولا أن يحرفوه عن فطرته فبقي الإنسان مؤمنا بالله مستنيراً برسالاته في دروب الحياة المظلمة.
ومناقشة هذا الفريق لا تكون في إثبات النبوات ومدى حاجة العقل الإنساني إلى هديها وإنما تكون في البرهنة على وجود المبدع الأول والخالق الأعظم لهذا الكون وما فيه. ومحل ذلك مبحث الإلهيات وليسس هنا.
الفريق الثاني : يعترف بوجود الله – عز وجل- ويؤمن به ولكنه ينكر النبوات والرسالات السماوية مكتفين بما تدركه عقولهم من خير أو شر فضيلة أو رذيلة زاعمين أن بعث الرسل مناف للحكمة فلا يقع من الحكيم تبارك وتعالى .
وعلى رأس هذا الفريق كثير من براهمة الهند والصائبة وبعض الفلاسفة وقد تأثر بفلسفتهم وقد تأثر بفلسفتهم بعض الزنادقة من المسلمين .استدل هؤلاء على وجهة نظرهم بجملة أدلة نورد أهمها ونبين تهافتها وبعدها عن الحق والصواب فيما يلي :
1) إن ما يأتي به الرسول لا يخلو أما أن يكون مما يعرفه العقل أو يعرفه.
فان جاء بما يعرفه العقل كان لا فائدة منه ولا حاجة لنا إليه ويكون في العقل غنى وكفاية . وان جاء بما لا يعرفه العقل كان حرياً به إلا يتلقى بالقبول لان المقبول هو الذي تدركه العقول .
وأجيب عنه : بان هذا الدليل واضح البطلان لان كل مطلع على الرسالات السماوية يعلم إنها قد اشتملت على ما يعرفه العقل وعلى ما لا يعرفه . فأما يعرفه العقل فكان لهذه الرسالات مهمة التأكيد عليه والإلزام به وفي ذلك دعم لمكانة العقل وتعبير عملي عن أهميته في بناء الحياة .وأما ما لا يعرفه العقل وهو الأكثر فان للرسالات السماوية دور إرشاد العقل إليه وتنبيهه إلى ما فيه النافع الصالح ووضع الحلول المناسبة لما يصادف الناس من مشاكل الحياة المتجددة وشؤونها المعقدة .
2 ) إن الرسول من جنس المرسل إليه, وتفضيل احد المتماثلين المتساويين على مثله ونوعه حيف ومحاباة وخروج عن العدل والحكمة, وذلك غير جائز على الحكيم العادل – سبحانه وتعالى- وأجيب عنه.
أ. بأن لله جلت حكمته أن يخص بفضله مكرمه من يشاء من خلقه كما إن له أن يسوي بين سائرهم. وهذا لا ينافي كونه – تعالى – عادلا حكيما.
ب. ويلزم من دليلكم .. أن يكون الله غير عادل, لأنه خص بعض خلقه بالعلم والذكاء وكمال الجسم والحواس, وخلق في بعض آخر الجهل والغباء والنقص في الجسم والحواس.
3) إن مما يبطل الرسالة هو إنا وجدنا المدعين لها يستدلون على صدقهم بمستحيلات عقلية مثل فلق البحر وخلق ناقة من صخرة وقلب العصا حية, وإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والمشي على الماء وإنطاق الذئب والعصا .. ونحو ذلك ولما كان مثل ذلك محال ممتنعا في العقل بطل ما يدعونهُ.
وأجيب عنه: بان امتناع هذه الأمور - في نظركم – لا يخلو:
إما أن يكون في قدرة الصانع عزة وجل أو في العادة.
فان قالوا: انه ممتنع في قدرة الصانع فقد ألحدوا وتركوا دينهم لان المفروض إنهم يؤمنون بالله ومن صفات هذا الإله القدرة (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) فاطر /44.
وان قالوا: بل ذلك ممتنع في العادة قيل لهم: وما المانع من أن ينقض الله تعالى العادات ويظهر المعجزات على أيدي رسله كبرهان ساطع ودليل قاطع على صدقهم وصحة دعواهم.