انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

بحث بعنوان الرثاء عند شعراء الحلة

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة رائدة مهدي جابر العامري       6/4/2011 5:03:08 PM

 

 

 

الرثـــــاء

 

عند شعراء الحلة

 

 

إعداد الباحثان

 

 

أ.د. اسعد محمد علي النجار                               م. رائدة مهدي جابر

 

 

 

 

 

المقدمة

 

       لم يدرس الشعر الحلي دراسة علمية تحليلية بل يمكن القول ان هذا الشعر ظل حبيس كراريس متفرقة هنا وهناك ، ويأتي هذا البحث ليكشف اللثام عن غرض رئيس من أغراض الشعر الحلي وهو الرثاء وهي دراسة رائدة على ما نعتقد، وكان هدفنا من هذه الدراسة بيان أصالة الرثاء في الشعر الحلي وإظهاره للعيان كي يطلع الدارسون على أقسامه ودلالاته .

 

       وقد اقتضت طبيعة البحث ان يقسم على مقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة اما المقدمة فقد بينا فيها سبب اختيار عنوان البحث ، واما التمهيد فقد عرضنا فيه مفهوم الرثاء لغة واصطلاحاً وكذلك أظهرنا فيه مسيرة الرثاء في الشعر العربي ليقف القارئ على صلة الرثاء في الشعر الحلي بجذوره الأصيلة ، وتناول المبحث الاول اقسام الرثاء في الشعر الحلي وكانت على خمسة اقسام وهي الرثاء الديني والرثاء السياسي والرثاء الأسري ورثاء العلماء مع ذكر نماذج من الشعر الحلي لكل قسم ، وتناول المبحث الثاني دلالات الرثاء في الشعر الحلي وكانت على التوالي التذكير بنهاية الإنسان ، والتحلي بالصبر والسير على خطى الأجداد .

 

       وتنوعت مصادر البحث بحسب مباحثه فكانت جولة بين مصادر عنيت بالشعر الحلي ومراجع حديثة تناولت هذا الشعر ما بين مخطوطة ومطبوعة .

 

وبعد نأمل ان نكون موفقين في عرض هذا البحث خدمة للشعر العربي عامة والشعر الحلي خاصة. والله من وراء القصد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التمهيد

 

الرثاء في الشعر

 

       عرف الشعراء العرب الرثاء منذ عصر ما قبل الإسلام والى يومنا هذا ، وكان من إغراضه الرئيسة وقلما تجد شاعراً لم ينظم فيه ، لانه صورة صادقة لعمق العلاقات الاجتماعية ومرآة تنعكس عليها العاطفة المشبوبة تجاه المرثي.

 

       والرثاء في اللغة مشتق من الفعل ( رثى ) يقال رثى الميت رثياً ورثاء ورثاية ومرثاة ومرثية بمعنى بكاه بعد موته وعدد محاسنه ، ورثى له بمعنى رحمه ورق له ، والرثاية: النوّاحة(1) .

 

       والرثاء في الاصطلاح: هو تأبين الميت وذكر محاسنه وفضائل أخلاقه وتصوير ما يترك فقده من اثر في القلوب من اسى وحسرة وفزع.

 

       ويرتكز الرثاء على العاطفة بل يمكن القول انه اصفى انواع الشعر العاطفي واكثرها اتساقاً مع النفس الانسانية ، لانه يستمد مادته من القلب ويعبر عن الشعور يجد فيه الشاعر متنفساً عما يكنه قلبه من الام واشجان يؤطرها بأراء سامية عميقة ، وكلما كانت العلاقة بالمرثي متينة جاءت القصائد اكثر قوة واصدق عاطفة ، ولم ينظم شعراء العربية الاوائل قصائد خاصة بالرثاء بل تكاد الموضوعات تشترك في القصيدة على وفق نظام خاص سارت عليه القصائد العربية وكثيراً ما يقترن شعر الحماسة بشعر الرثاء لان الشاعر كان يقصد الثأر من رثائه ، ومن اقدم نماذج الرثاء في الشعر العربي قول امرئ القيس يرثى اخته وقد بدأ قصيدته بوصف المطر ليستسقي كما يقول اخته التي اصبحت بعيدة عنه بحيث لا يصل بينهما الا القريض(2):

 

اعني على برق اراه وميض
ويهدأ تارتٍ سناه وتارة
الى ان يقول:

 

فأضحى يسح الماء عن كل فيقة
فأسقي به اختي ضعيفة اذنأت

 

 

يضيئ حبيباً في شماريخ بيض
ينوء كعتاب الكسير المهيض

 

يحوز الضباب في صفاصف بيض
واذ بعد المزار غير القريض

 

       وتستمر صورة الرثاء بهذه الطريقة طيلة عصر ما قبل الاسلام الى ان هذا الغرض قد تطور في العصر الاسلامي ، واخذ يحمل معاني القرآن الكريم وروحه وظهرت مفردات جديدة مستمرة من روح العقيدة الاسلامية من ذلك الفاظ الشهادة والجهاد والجنة والنار وما الى ذلك من مفردات دخلت الشعر الاسلامي بصورته الجديدة ، وتعد الخنساء من ابرز شعراء الرثاء في هذا العصر ، وبخاصة رثاؤها لاخيها صخر ، تقول(3) :

 

يا عين جودي بالدموع الغزار
من كان يوماً باكياً سيداً
وليبكه كل اخي كربة

 

 

وابكى على الروع حامي الذمار
فليبكه بالعبرات الحرار
ضاقت عليه ساحة المستجار

 

       وهي قصيدة تتفجر نوحاً وقد اسودت الدنيا بعين الخنساء وانطفأ نورها وخمد لألاؤها فلم تجد غير البؤس والشقاء.

 

       وظل الرثاء يسير على هذا المنوال في العصور اللاحقة ، وكان الشعراء يستنبطون المعاني النادرة كما في قول مسلم بن الوليد في رثاء شخص(4) :

 

ارادوا ليخفوا قبره عن عدوه

 

 

فطيب تراب القبر دل على القبر

 

       وكان الشعراء يتفنون في وصف احزانهم وتصوير بكائهم فهم يصطلون بنار الفراق المحرقة ويبكون في دموع غزار ، يقول العتبي في رثاء ابنه الذي مات في ريعان شبابه(5) :

 

الا ليت امي لم تلدني ويلتني
وكنت به اكنى فاصبحت كلما

 

 

سبقتك اذ كنا الى غاية نجزي
كنيت به فاضت دموي على نحري

 

       وظهرت انواع جديدة في الرثاء لم تكن معروفة من قبل ، من ذلك رثاء المدن التي تنزل بها كوارث النهب والحرق، كما حصل في بغداد ايام الفتنة بين الامين والمأمون حيث ضربت بالمنجنيق فاندلعت فيها النيران واحترقت بعض احيائها، فرثاها احدهم بقوله(6):

 

الا بك لاحراق وهدم منازل
فان لم تكن بغداد  احسن بنظراً

 

 

وقتل وانهاب اللهى والذخائر
وملهى راته عين لاه وناظر

 

       ومن الانواع الجديدة في الرثاء ، مراثي الحيونات، من ذلك رثاء ابن العلاف الضرير النهرواني لهر كان يأنس به ، قال(7):

 

يا هّر فارقتنا ولم تعد
وكيف ننفك عن هواك وقد

 

 

وكنت منا بمنزل الولد
كنت لنا عدة من العدد

 

       وكانت قصائد الرثاء عبر العصور المختلفة تتميز بدقة التفكير وبعد الخيال، وكثيراً ما يفزع الشعراء الى العزاء بالامم التي مضت والقرون التي انقرضت ، فالموت يلحق جميع الخلائق، ولا مفر منه ، يقول ابن مناذر في احدى مرثياته(8):

 

كل حي لا قى الحمام فمودي
لاتهاب المنون شيئاً ولا تر
يفعل الله ما يشاء فيمض

 

 

ما لحي مؤمل من خلود
عن والد ولا مولود
ما لفعل الا له من ردور

 

       وهي معان مستمدة من روح القرآن الكريم، قال تعالى:
((
كل نفس ذائقة الموت ))(9) وقوله سبحانه وتعالى
((
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ))(10).

 

       وتكتنف قصائد الرثاء ابيات الحكمة الجليلة والدعوة الى الزهد بما في هذه الدنيا والزجر عن التعلق بمتاعها الزائل، يقول عبد الله بن المبارك(11):

 

حلاوة دنياك مسمومة

 

 

فما تأكل الشهد الا بسم

 

ويقول محمود الوراق(12):

 

قدر الله كائن
قد مضى فيك علمه

 

 

حين يُقضي وروده
وانتهى ما يريده

 

       فالرثاء كان ولا يزال يقوم على سمو الالفاظ ورفعة المعاني، وذكر فضائل الاخلاق وحسن السيرة ، ويدعو الى التمسك بالاعمال الصالحة ونبذ الشرور وعبادة الله الواحد القهار ، فالدنيا ليست بدار ابدية وعلى المرء ان يعمل لاخرته ، وهكذا يعبر الشعراء في مراثيهم عن مكنونات انفسهم وما يعانونه من ويلات ونكبات فيرسمون ذلك بريشة جميلة على صورة ابيات تفيض دموعاً وتمتلئ حزناً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الاول

 

اقسام الرثاء في الشعر الحلي

 

       عرفت الحلة الشعر بمختلف فنونه واغراضه منذ تمصيرها سنة(495هـ) والى يومنا هذا فقد شهدت سماؤها عدداً كبيراً من الشعراء المبدعين، وعاش على ارضها وشرب ماءها شعراء وادباء عرفوا بجودة السبك ومتانة الاسلوب وسبب ذلك تشجيع امراء بني مزيد الذين مصروا هذه المدينة للشعر والادب  وللعلماء والفقهاء ، علاوة على طيب تربتها ولطافة هوائها وعذوبة مائها ، يقول محمد علي اليعقوبي (( وجدت الشعر الرقيق الندي والادب البارع الذي يأخذ بالافئدة والمسامع ، وجدته يسايرني انى سرت ويحل معي اينما حللت، وجدته يمشي معي في الشوارع والازقة وفي الاسواق والحوانيت ))(13).

 

       ويعد الرثاء من الاغراض الرئيسة في الشعر الحلي، تبارى فيه الشعراء واتوا على معانية بطرق مبدعة ، وقد ساروا في ذلك على منهج شعراء العربية القدامى ، ومهما يكون من امر فان الرثاء في الشعر الحلي يقسم على عدة اقسام ، وهي:

 

أ‌.      الرثاء الديني:

 

نظم شعراء الحلة غرر قصائدهم في رثاء الرسول الاكرم محمد (ص) واهل بيته الاطهار (ع) وصحبه الكرام (رض)، عددوا فيها محاسن سيرتهم وفضائل اخلاقهم التي يجب ان يقتدي الناس بها، يقول صفي الدين الحلي (ت752هـ) في رثاء الرسول (ص)(14):

 

عليك سلام الله يا خير مرسل
عليك سلام الله يا خير شافع
عليك سلام الله  يا من تشرفت
 

 

 

الى امة لولاه دام غرورها
اذا النار ضم الكافرين حصيرها
به الانس طراً واستتم سرورها

 

       فصفي الدين يتغنى بسمو خلق الرسول (ص) الذي انقذ العرب من جاهليتهم وشركهم ونقلهم الى صفوف الايمان ، بل ان الانس جميعهم يتشرفون بنبوته فهو الهادي الذي يشفع للعباد يوم القيامة يوم يدخل الكافرون نار جهنم، نجد ان المسلمين لم يستمروا على منهجه وانحرفوا عن جادة الصواب فكانت الكوارث وكانت النكبات ، وهنا يشكو صفي الدين الحلي هذه الحالة ويقدم شكواه الى الرسول (ص)(15):

 

اليك رسول الله  اشكوا جرائماً
كبائر لو تبلى الجبال بحملها

 

 

يوازي الجبال الراسيات صغيرها
لدكت ونادى بالبثور ثبيرها

 

ويكرر تلك الشكوى في مواضع متعددة من قصائده، راجياً الشفاعة يوم القيامة لانه يسير على خطى العقيدة السليمة وغارق في حب الرسول وآله ، قال(16):

 

يا خاتم الرسل الكرام وفاتح الـ
اشكو اليك ذنوب نفس هفوها
فاشفع لعبد شأنه عصيانه
فلك الشفاعة في محبيكم اذا

 

 

ـنعم الجسام ومن له الاحسان
طبع عليه ركب الانسان
ان العبيد يشينها العصيان
نصب الصراط وعلق الميزان

 

وينظم شعراء الحلة في رثاء ال البيت (ع) ولهم في ذلك قصائد غرر يرثون فيها الامام الحسين (ع) وصحبه الاطهار وما لا قوه من ظلم واذى في كربلاء حيث جرت واقعة الطف ويمكن القول انك لا تجد شاعرا حليا الا وله رثاء في الحسين واهله لان ذكرى تلك المصيبة عاشت في وجدان الشاعر الحلي وظلت حية في قلبه وعقله فهذا ابن نما الحلي (ت 680 هـ ) يرى ان مقتل الامام الحسين (ع) ظلما هدم اركان الاسلام بل يعد رزية دفعت العيون الى البكاء(17):

 

رزية عمت الدنيا وساكنها
لم يبق من مرسل فيها ولا ملك
واسخطوا المصطفى الهادي بمقله

 

 

فالدمع من اعين الباكين هتان
الاعرته رزيات واشجان
فقلبه من رسيس الوجد ملآن

 

ويرى الشيخ مغامس بن داغر(ت 850 هـ ) ان الامام الحسين(ع) قتل مظلوما دون ناصر ولا معين ولم يرعوا فيه انه حبيب الرسول(ص) وان الرسول حبيب الله يقول(18):

 

بابي الحبيب الى النبي محمد
لهفي عليه ودرعه مسلوبة

 

 

ومحمد عند الاله حبيب
لهفي عليه ورحله منهوب

 

ويتعجب ابن العرندس (ت 840 هـ ) مما جرى في كربلاء من مأساة يندى لها جبين الانسانية اذ كيف يقتل الامام الحسين(ع) ظمآنا وابوه يقف على الحوض غدا يسقي المؤمنين وامه فاطمة الزهراء(ع) كان مهرها نهر الفرات يقول(19):

 

ايقتل طمآنا حسين بكربلا
ووالده الساقي على الحوض في

 

 

وفي كل عضو من انامله بحر
غد وفاطمة ماء الفرات لها مهر

 

لقد سّخر شعراء الحلة شعرهم لرثاء ال الرسول(ص) وذكر خصاله الحميدة مادحين تقواهم وورعهم وفي رثائهم قصائد تستنزف الدموع وتذيب القلب حسرات من ذلك رثاء الشيخ حمزة البصير(ت1279هـ) لفاطمة الزهراء(ع)(20)

 

فيا لخطب تبكي السماء له
كانني مذ قضى النبي ارى
سيدتي يا ابنة النبي ومن

 

 

دما وجرح هيهات يندمل
على بنيه قد ضاقت السبل
حبك عند الباري هو العمل

 

ومهما يكن من امر فان الرثاء الديني غرض واضح في الشعر الحلي وسمة بارزة من سماته فقد كانت عقيدتهم ان تلك القصائد تشفع لهم يوم القيامة وتوسع لهم لحودهم وتنير ظلمة قبورهم فهي نابعة من قلب مؤمن ولسان صادق وعقل واع.

 

ب) الرثاء السياسي:

 

       ونعني به تلك القصائد التي رثا فيها شعراء الحلة الأمراء والوزراء والمتنفذين في الحكم ، وهم في رثائهم ذاك يذكرون ما قدمه المرثي في دنياه من اعمال حسنة وما يتمتع به من خصال حميدة وصفات فاضلة.

 

يقول ابو الوفاء راجح الاسدي(ت627هـ) في رثاء ولي عهد الدولة العباسية ابي الحسن علي بن الناصر لدين لله(21) :

 

اكذا يكر الدهر:  اطواد الهدى
يوماً تزاحمت الملائكة العلى
فسقى ابا حسن ثراك صنائع

 

 

ويرد بالنكبات شاردة الردى
فيه فعزت عن علي احمدا
لك ليس تبرح غاديات عوّدا

 

       ورثى صفي الدين الحلي السلطان الملك المنصور بقصيدة جميلة عدد فيها محاسن المنصور ووصف فقده بصورة رائعة حين قال ان الارض غيبته حين عجزت عن تقبيل اقدامه .

 

       قال(22):

 

مضى الملك المنصور من دست ملكه
مليك افاض العدل في كل معشر
وما غيبته الارض الا لأنها

 

 

ولم يغن عنه البأس والعزم والحزم
فليس له الا لأمواله ظلم
لاقدامه ما كان يمكنها اللثم

 

       في رثائه للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، يرى صفي الدين ان الحزن قد تساوى في صدور الناس ، وان الامال قد توفيت من بعده ، يقول(23):

 

توفيت الامال بعد محمد
وزالت حصاة الحلم عن مستقرها
وساوى قلوب الناس في الحزن رزؤه

 

 

واصبح في شغل عن السفر السفر
واصبح كالخنساء في قلبه صخر
كان صدور الناس في حزنها صدر

 

       ويرثي الشيخ صالح الكواز (ت1290هـ) شهداء وقعة نجيب باشا سنة 1258هـ يوم زحف والي بغداد بجيش جرار الى مدينة كربلاء بقمع مجموعة من الأهالي شقوا عصا الطاعة وامتنعوا عن الخضوع للحكم التركي ودفع الضرائب له، ويرى الكواز ان الحلم قد تلف وان الصبر قد نفد وان الارض ترتجف وغبار المعركة قد علا يقول(24):

 

احلما ودين الله اوشك يتلف
وحتى متى سيف الاله معلل
فلا عيب فيهم غير مطل عدوهم
واوفى عباد الله الا بحالة

 

 

وصبرا وداعي الشرك يدعو ويهتف
بضرب طلا اعدائه ومسوف
اذا استقرضوا منه الدما وتسلفوا
اذا وعدو البيض الغمود فلم يفوا

 

ويقول السيد جعفر الحلي(ت1315هـ) راثيا اغا حسن وكيل الدولة الكرمنشاهي ذاكرا خصاله الحسنة واخلاقه الرفيعة(25):

 

يا قبر ذي النسك محمد حسن
فقد حجبت للسماح انملا
مهذب شاع جميل ذكره

 

 

حيث ترى روضتك السحائب
كانت وليس عن نداها حاجب
في الناس سارت وله مناقب

 

ويرثي في موضوع اخر امين اغا ابن نظام الدولة حيث حول موته الايام الى مأتم بعد ان كانت به أعيادا طالبا من حاملي نعشه التأني لان الامين كان يتهادى في سيره يقول(26):

 

هتف النعي فارجف الاطوادا
خفت لصرخته الحلوم وربما
ميت به الايام عدن مآتما
لا تعجلوا يا حامليه فانما
اتمهدون له التراب وقبل ذا

 

 

واحال واضحة النهار سوادا
كانت بكل ملمة اطوادا
ولربما كانت به اعيادا
كان الامين اذا مش يتهادى
لعلاه قد كان الحرير مهادا

 

ومهما يكن من امر فان الرثاء السياسي قليل في الشعر الحلي لان الشعراء الحليين عرفوا بابتعادهم عن رجال السياسة واصحاب السلطات لانهم يريدون الاجر والثواب في رثائهم لرسول (ص) واهل بيته الاطهار(ع) وللعلماء والشعراء فهل يحصلون على هذا الاجر ان مدحوا خليفة او حاكما او واليا لذلك ترى ان القصائد التي قيلت في رثاء اهل السياسة قليلة.

 

3. الرثاء الاخواني:

 

       تميزت الحلة بمتانة علاقات ابنائها الاجتماعية وتعاونهم في السراء والضراء والمشاركة في الافراح ، لذا نجد القصائد الاخوانية في الرثاء كثيرة جداً تحمل المعاني النبيلة والدلالات السامية، وهي تخفف الالام والاحزان عن ذوي الفقيد ، وتعزز اواصر المودة بين الاسر الحلية ، وتدفعهم نحو طريق الوفأ والاخلاص .

 

ومن نماذج هذا النوع من الرثاء ، رثاء الشيخ صالح الكواز(ت1290هـ) للحاج مهدي كبة وهو من الوجهاء والمحسنين الذين تحلوا باخلاق وصفات حسنة، يقول(27):

 

الا طرق الاسماع ما قد اصمها
مصاب به خص الكرام من الورى
مضى من ينسي الضيف اهليه بالقرا
مض واصل الارحام بعد انقطاعها

 

 

وكلم احشاء تكابد كلمها
ولم يعد باقي العالمين فعمها
وينسي اليتامى ساعة الشكل يتمها
اذا قطعت اهل المروة رحمها

 

ويصف الشيخ عباس العذاري(1318هـ) في مرثية للسيد ميرزا جعفر القزويني بأن فقده ادمى العيون لانه كان ملجأ وملاذ المحتاجين ، يقول(28):

 

يا راحلاً والعلم حزناً له
رزؤك قد اقذى جفون الهدى
انك قد كنت لنا ملجأ

 

 

اجرى مع الدمع الحشا ادمعا
مضنية بعدك لن تهجعا
ندفع فيك الحادث الا فضعا

 

اما الحاج حسن القيم (ت1319هـ) فانه يصف فقد السيد علي البغدادي بأنه فقد للتقى ورزية لا تحتمل وعزاء الشاعر بأن المرثي قد جاور امير المؤمنين (ع) ، ويقول(29) :

 

تخطى الردى في فيلق منه جرار
ابا احمد جاورت في ذلك الحمى
لقد حملوا بالامس نعشك والتقى

 

 

اليه فاخلى اجمة الاسد الضاري
اخا المصطفى غوث الندا حامي الجار
فيا لك نعشا والتقى معه ساري

 

ويصف السيد جعفر الحلي القبر الذي ضم المرثي ميرزا محمد بأنه ضم النجابة والعفاف ويزف البشرى لمن حمل نعشه لانهم حملوا زميلا قضى دنياه بالعبادة والاعتكاف يقول(30):

 

لنفخ الصور اسرافيل وافى
محمد ،لأفقدنا منك وجها
فيا طوبى لقبر انت فيه
حواك وانت بحر ليت شعري

 

 

ام الناعي اراد بنا انخسافا
نرى بسناه للظلم انكشافا
فقد ضم النجابة والعفافا
ابحر غاض ام قمر تجافى

 

ويشبه السيد حسين القزويني(ت1325هـ) وفاة السيد ميرزا جعفر بالنبات الذي فقد الماء فأضحى هشيما يقول(31):

 

فقد ناك فقدان النبات لوبله
وارخصت دمعا كنت اغليت
فديتك لو ان الصفيح مبلغ

 

 

فاضحى هشيما بالرياح موزعا
قدره عليك عزيز ان تراه تدفعا
شكاية عان كنت لليث اسمعا

 

ويصف الشاعر فرهود المعروف(ت1411هـ) الحاج حسان مرجان وهو من وجهاء الحلة ومحسنيها بانه خلق كريما ومات كريما فمآثره الخالدة تدل على نعمائه يقول(32):

 

فديتك من ماجد اروع
وما انت مما يرى ميتا    
وتلك مآثرك الخالدات

 

 

بملء النواضر والمسمع
وذكرك في الافق الاوسع
تدل على المنعم المشبع

 

ويقول السيد رحيم العميدي(ت1407هـ) في رثاء الحاج عبد الرزاق مرجان وهو من الذين تحلوا بصفات المحسنين وتخلقوا بأخلاق المتقين(33):

 

ايها الراحل الكريم وقفنا
ووقفنا اليوم في موتك تكـ
لم تمت انت عاطر الذكر باق

 

 

لك مذ كنت في الحياة رجاءا
ـريما لصنع الجميل فينا وفاءا
وكثير من يذهبون هباءا

 

ويصف الشاعر صبري عبد الرزاق(ت1412هـ) الشيخ يوسف كركوش بانه مفكر عبقري زانت كتبه الفصاحة وزان يراعه شرف الكلمة اذ هو لم يستسلم للرزايا ولم يرضخ للطغاة يقول(34):

 

وداعا يا ابا مضر وداعا
بحق كنت فكرا عبقريا
وكنت منزها من كل عيب

 

 

لقد ادميت اعيننا التياعا
به زنت الفصاحة والبراعا
وذكرك طيب في الناس شاعا

 

ويرى الشيخ عبد الحسين الحلي (ت 1385 هـ) ان وفاة السيد احمد ربيع تعد خطبا مبيماً ومصابا سيبقى ماثلا لكل عاقل لبيب يقول(35):

 

صبرا ابا وهاب فيما دهي
ذاك مصاب لم يزل ماثلا
قل فارق الدنيا واهوالها

 

 

من فادح قاس وخطب مبيم
بكل ذي لب وعقل سليم
وجاور الله الغفور الرحيم

 

4. الرثاء الأسري:

 

       وهو نوع من الرثاء يعنى بالأموات من ابناء اسرة الشاعر كان يفقد اباً او اخاً او زوجة او أي شخص من افراد اسرته ، وقد شاع هذا النوع لدى الشعراء الحليين ، وتميز الرثاء الاسري بصدق العاطفة التي يكنها الشاعر تجاه الفقيد ، لذا تتمثل في ابياته الفرقة ولوعة المصاب والم الحادث .

 

       يصف الشاعر حسين القزويني(ت1325هـ) وفاة اخيه جعفر بانها فاجعة تروع الاسماع وتدمع الابصار وانه سيبقى باكياً يرتدي ثوباً من الوجد، يقول(36):

 

سابكيك مهما لاح في الافق بارق
واستشعر الحزن الطويل وارتدي
وارخصت دمعاً كنت اغليه قدره

 

 

وناح حمام بالاراك ورجعا
من الوجد ثوباً يترك الوجه اسفعا
عليك عزيز ان تراه تدفعا

 

       ويرثي السيد حسين بن السيد حيدر الحلي (ت13339هـ) والده بقصيدة حزينة باكية تتقطر ابياتها دماً، ويقول(37):

 

فيه روحي انطوت الا فاستردا
كنت صعب القياد من قبل هذا
لم اخل انني اواريك ميتاً

 

 

لي روحي او فاقبرا جثماني
فخذيني اليك سلس العنان
ببناني فليت شلت بناني

 

    ويصف السيد حسين بن السيد سلمان (ت1236هـ) وفاة والده بانها خطب اليم اصاب قلبه المفجوع فقد كان بهجة الناظر وجلا العين وزهر الربيع، يقول(38):

 

كم احبس الزفرات بين ضلوعي
بخل الزمان بكم عليّ وصدني
كنتم جلا عيني وبهجة ناظري

 

 

فتنم بالسر المصون دموعي
بخطوبه حتى عن التوديع
ونسيم مصطافي وزهر ربيعي
 

 

       ويقول السيد سليمان الصغير(ت1247هـ) في رثاء عمه الحسين بن سليمان الملقب بالحكيم(39):

 

أي القلوب عليك لا تتصدع
يا بدرنا ما كنت احسب ان ارى
قسماً بقبر فيه غيب شخصه

 

 

أي النفوس عليك لا تتقطع
يغشاك من ترب الصفايح برقع
اني لغير فراقه لا اجزع

 

       ويرثي السيد حيدر الحلي(ت1304هـ) عمه السيد مهدي بن داود الحلي بأبيات رائعة يقول فيها(40):

 

فكأنما اضلاع هاشم لم يكن
لم تقض شكل عميدها بمحرم

 

 

ابداً لها عهد بقلب جديد
الا واردفها بثكل عميد

 

       ويرثي ميرزا صالح القزويني (ت1304هـ) اخاه جعفر بقصائد كلها نفثات وحسرات وشجون وعبرات، نذكر منها هذه الابيات(41):

 

فيا لاكف هالت الترب قوفه
سبقت ابن امي للردى وتركتني
سأبكيك حتى ما امل من البكا

 

 

رجعن ولم تفزع بنانا واصبعا
اخا حسرات تكمد القلب موجعا
حياتي او القى بجنبك مضجعا

 

       ويصف صالح الكواز ولده الذي وافاه الأجل وهو صغير بانه بدر ثوى يقول(42):

 

ليهن كاني مشهد الشمس انه
وكان قديما مشهد الشمس وحدها

 

 

ثوى بدر انسي عندها يثرى القبر
فعاد حديثاً مشهد الشمس والبدر

 

       ويصف السيد جعفر الحلي فقد والده بانه قرحة ادمت قلبه قبل عينه وانما مصاب اليم جزع بسببه من الحياة، ويقول(43):

 

تركتك بين اطباق الصفيح
وهلت ثرى الضريح عليك عمداً
كفاني انني مذ غبت عني

 

 

وعفتك راجعاً من غير روح
فليت علي هلت ثرى الضريح
دعوت الله بالموت المريح

 

       ان الرثاء الاسري نوع من الشعر الحزين يتجلى فيه الالم والاسى بكل وضوح فيهز وجدان المتلقي رنينه المثير الذي يشبه النواح والعويل، وتستشف منه اللهفة الحارة والحزن العميق وكأنها صرخات قلب مقطع وانات صدر موجع مكلوم.

 

 

 

5. رثاء العلماء:

 

       للعلماء منزلة كبيرة ومكانة عالية فهم مصابيح الهدى وانوار التقى، بهم تصلح الامة وبهم تتحدى العقبات ، وهم ملاذ الناس في السراء والضراء، وفقدهم يعني اطفاء شعلة وهاجة تنير الدرب واخماد ضوء به تفتح المغاليق ، ولان الشعراء طبقة مثقفة ، تضع الامور في نصابها الصحيح وفي موازينها المستحقة ، ولانهم كانوا يتحسسون عظم المصاب وشدة ألمه ، نراهم يتبارون في رثاء العلماء اذا ما داهمهم الموت ونزلت به المنية ، وشعراء الحلة كانوا على صلة وثيقة بعلمائها يحضرون مجالسهم ويستنيرون بآرائهم ويسيرون على هداهم ، لذلك نجد قصائد الرثاء كثيرة بحق العلماء المتوفين ، بل يمكن القول انه لا يوجد عالم انتقل الى جوار ربه الا وتسابق الشعراء في رثائه والشواهد على ذلك كثيرة نذكر منها.

 

       يقول الشيخ هادي النحوي (ت1235هـ) في رثاء العلامة السيد مرتضى الطباطبائي(44):

 

واهاً لدهر سددا
ورمى الورى برزية
تبت يد الدهر الخوان

 

 

سهماً اصاب به الهدى
ترك الهدى فيها سدى
كمثل ماتبت يدا

 

       ويصف السيد حسين بن السيد سليمان الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء بانه بدر عراه الخسف وهو الذي كانت لديه جميع الناس عاكفة عيالا(45):

 

ايدري الدهر أي علا ازالا
فقدنا جعفراً والعلم حتى
لقد ذهب الذي كانت لديه
فيا بدراً عراه الخسف كما

 

 

واي دعام دين قد امالا
كأن العلم كان له خيالا
جميع الناس عاكفةعيالا
هدى السارين واستوفى الكمالا

 

       ويرى صالح الكواز (ت1290هـ) ان موت العلامة الشيخ مهدي كاشف الغطاء يعني انه سيجلس على ارائك حول العرش والسرر وان غرر الاملاك قد بكته لاالبشر ، يقول(46):

 

ابو الامين ولي الله قد نصبت
ونائحات دعت فيه فحق بأن
ان تبكه مقل الاملاك تبك فتى

 

 

له الارائك حول العرش والسرر
تجيبها غرر الاملاك لا البشر
بمثله انبياء الله تفتخر

 

ويصف صالح الكواز فقد العلامة الشيخ مرتضى الانصاري صرخة انطلقت من اقصى المشارق فاجابها اقصى المغارب فالفقيد كان امينا مؤتمنا كافل الايتام وهادي الناس الى طريق الصواب فمتى تلد الدنيا مثيله يقول(47):

 

اذا صرخت اقصى المشارق ثاكل
متى تلد الدنيا نظيرك مالكا
الا من يعزي ال بيت محمد

 

 

تجاوبها ثكلى باقصى المغارب
لها تاركا في وصلها غير راغب
بمؤتمن ما خان نهلة شارب

 

ويرى السيد جعفر الحلي في وفاة الشيخ احمد المشهدي بانها عاصفة تذري وشجرات تقتلع وان الفقيد طائر وقع من وكره فانصدعت به بيضه الالام(48):

 

اهكذا بركات الارض ترتفع
اهكذا سابخات المجد نسلبها
الميل يعلم فيه حين سيتره

 

 

وطائر اليمن من اوكاره يقع
اهكذا بيضة الاسلام تنصدع
بانه ماله للنوم مضطجع

 

ويقول الشاعر نفسه في رثاء العلامة الشيخ عبد الله نعمة العاملي بان الدهر قد شتت جمع الشمل وان الفقيد كان بصيرا بما خفي من امر سميعا لداعي الايمان تسمع الناس منه اللفظ العذب البديع والمعاني النبيلة(49):

 

خل عينيك تهملان الدموعا
كيف يرجى منك السلو اذا ما
شهد الدين انه كان قدما
بخفي الامور كان بصيرا

 

 

فالاحباء ازمعوا توديعا
شتت الدهر شملك المجموعا
لثناياه حاميا وطلوعا
ولداعي الايمان كان سميعا

 

 

 

 

           

 

       

 

            

 

المبحث الثاني

 

دلالة الرثاء في الشعر الحلي

 

قصائد الرثاء وان كانت في مدح رجل فارق الحياة وانتقل الى دنيا اخرى الا انها تعطي دلالات متعددة للاحياء فانها تفيد التنبيه والوعظ وان الشعراء كانوا يرون فيها منتفسا للكشف عن دواخل نفوسهم وما يعانونه من برم وضيق بحال الدنيا وسلوك الناس فهم يستخلصون العبر لهم وللاخرين لانهم وعوا فلسفة الوجود وسبر غور معانيه وايقنوا في قرارة انفسهم ان الموت ملاقي الجميع وانه لاخلودفي الحياة الدنيا وعلى الجميع ان يتقوا ربهم ويعملوا صالحا ليحصلوا على مقصد صدق في جنات الخلود.

 

ومهما يكن من امر فان الرثاء في الشعر تدور دلالاته حول افكار ثلاث ظل الشعراء يحومون حول معانيها وهي:

 

1_التذكير بنهاية الانسان:

 

كل انسان فان وكل مخلوق يدركه الموت والموت بدلالته العامة يعني نهاية الاشياء وكل نهاية ترعب الانسان وتخيفه وهو بهذه الدلالة يحمل صورة ملؤها التشاؤم والبرم ونظرة ملؤها القنوط واليأس غير ان العقيدة الاسلامية هذبت هذه الصورة وسارت بها الى طريق الرفعة والسمو فالموت في منظور الاسلام بداية لمرحلة جديدة وحياة اخرى اذ هناك نوعان من الحياة واحدة دينوية وثانية اخروية اما الاولى فزائلة تحيطها الالام والامال وهي جسر موصل للحياة الثانية في الاولى عمل وفي الثانية حساب فعلى المرء ان يستغل حياته الاولى في العمل الصالح والقول الطيب ليحجز له مكانا مع الصالحين حين يقوم الحساب ومهما حاول الانسان ان يبعد عنه شبح الموت اتيه قال تعالى (( يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ))(50) وقد استثمر شعراء الحلة قصائد الرثاء ليقولوا للمتلقين ان من مات قد سبقنا ونحن في اثره لاحقون وان الانسان مهما طال عمره فهو ميت لا محالة  يقول الكواز(51):

 

وقضى الهلاك على النفوس وانما

 

 

بقيت ليبقى الحزن في الاحشاء

 

ويقول محمد علي  النجار(52) :

 

لا يفر الانسان من قبضة الموت
     

 

 

ولو كان اشجع الشجعان

 

       وما دام الموت يحصد الناس حصداً ولا يبقى منهم احداً، فعليهم ان يعملوا الاعمال الصالحة وان يسيروا في طرق الهداية والتقوى ، كي تخلد ذكراه ويخلد عمله. يقول محمد الملا(ت1374هـ)(53):

 

ذهب الردى منه بنفس مكرم
يبكيك مجدك الذي هو لم يزل

 

 

ومنزه عن ريبه درباء
لك في الصلاة مزهراً ودعاء

 

       وهذا صالح الكواز يعدد مناقب مهدي صالح كبه، ويقصد من وراء ذلك اقتداء الاخرين بأخلاقه، فيراه انه محطم البخل بجوده وقراه، يصل الارحام، حتى ان عبيره انتقل الى الارض التي دفن فيها ، يقول(54):

 

مظى مطعم الغرثى بداجية الشتا
مضى من اباد البخل في سيف جوده
مضى واصل الارحام بعد انقطاعها

 

 

فكيف اذاقته المنية طعمها
وللجود اسياف ابى المجد ثلمها
اذا قطعت اهل المروة رحمها

 

       ويرى حمادي نوح (ت1325هـ) ان من يتحلى بحلو الصفات وسمو الاخلاق يكون كالفاكهة التي تحمل عبيرها وشذاها(55):

 

اشم من كل شهم منكم ارجاً
مثل الفواكه كل فيه لذته

 

 

به تفرد منكم اطيب ذفر
الماء ماء ولما يستو الثمر

 

       فالإعمال الصالحة تخلد صاحبها بعد مماته وهي شفيعه له في الدار الاخرة ، لذلك نرى الشعراء الحليين يعزفون على وتر الخلد ليشجعوا الناس على اعمال الخير ، يقول قاسم الخطيب(56):

 

تفنى الدهور ويبقى ذكر منشئها

 

 

احدوثه بفم التاريخ للباني

 

       ويرى السيد جعفر الحلي ان الكرم الذي يحمله الانسان في دنياه ويزيل به شبح الفقر عن المعوزين يكون في القبر رحمة تسقي تربته ، ويقول في رثاء العلامة ابي القاسم الكربلائي(57):

 

عيناك قد خلقت لنا مبسوطة
من قاس فيك سواك فهو مجادل
فسقت ضريح ابيك ديمة رحمة

 

 

كيمين حاتم لا تمل عطاها
اذ قاس بالطود الاشم هباءها
حلت عليه يد الاله وكاءها

 

2- التحلي بالصبر

 

       يعد الصبر من الصفات الحميدة التي اشاد بها القرآن الكريم واوصى المؤمنين بأن يتحلوا بها، فقال تعالى (( وبشر الصابرين ))(58)، فالصبر يصنع المعجزات ويفتح الطريق الى النجاح والنجاة ، لذلك دعا شعراء الحلة الناس الى التحلي بهذه الصفة الجميلة التي هي من صفات المؤمنين والمتقين، فهذا الشيخ محسن العذاري (ت1314هـ) يعزي اولاد السيد مهدي القزويني بوفاة والدهم ويوصيه بالصبر الذي لم يجده ، يقول(59):

 

فصبراً ابا الهادي وعزت مقالتي

 

 

لك اليوم صبراً حيث لم يجدني صبري

 

ويعيش الشيخ هادي النحوي في صراع مع نفسه فعقله يوصي بالصبر على الاسى بفقد العلامة السيد مهدي بحر العلوم وقلبه لا يطاوعه فيأخذ الحزن منه مأخذا يقول(60):

 

يقولون لي صبرا جميلا ولم اخل
تصارع صبري والاسى في جوانحي

 

 

عليه جميل الصبر يحمل بالحر
فكان الاسى اقسى جنودا من الصبر

 

ويعزف صالح الكواز على وتر الصبر لتخفيف الم المصاب فهو الدواء الشافي عند الملمات يقول(61):

 

فصبرا جبال الحلم صبرا وان يكن

 

 

مصابكم دك الجبال واكمها

 

ويرى في موضع اخر ان التحلي بالصبر والتاني كفيلان بتحمل المصائب والمحن يقول(62):

 

احلما ودين الله اوشك يتلف   
اقول لنفسي عندما ضاق رحبها
رويدا كاني بالاماني صدقنني

 

 

وصبرا وداعي الشرك يدعو ويهتف
وكادت على سبل المهالك تشرف
بانجاز وعد للهدى ليس يخلف

 

ويرسل السيد جعفر الحلي وصية للمسلمين بان يتحلوا بالصبر فهم ان تحلوا به يحصلون على الاجر وقد اوصى به اجدادنا الاوائل وهو يقول(63) :

 

صبرا وان جل خطب قد منيت به
فذاهب الموت لم يرجعه ذو جزع
لكنما الصبر صر والشفاء به

 

 

فالصبر قد سنه اباؤك الصيد
والصبر صاحبه بالاجر موعود
وقد يذم دواء وهو محمود

 

ويقول ان الصبر من سمات المؤمنين الذين يتسلحون به امام الملمات يقول(64):

 

اه ابا الهادي فرز
منه الجبال تدكدكت  
فاصبر على الجلي فا

 

 

ؤك ما اجل واكبرا
والخافقات تضجرا
نت احق في ان تصبرا

 

ويرى الدكتور محمد مهدي البصير ان الخطوب تهون بالصبر يقول(65):

 

صبرا نزيل السجن انك ناهض
واصبر فكم غمزت قناتك من يد
  

 

 

لتعز شعبك والخطوب تهون
فاذا بها صماء وهي تلين

 

ويرى قاسم خليل ان الصبر فوز وان الحزن غير مجد يقول(66):

 

فصبرا وفي الصبر الجميل مفازة   
فلا تجزعن يوما لوقع مصيبة
  

 

 

فما الحزن يجدي كي يعود خليل
فليس الى رد القضاء سبيل

 

ويرى فرهود المعروف المعنى نفسه فالصبر طريق يوصل للنجاة والنجاح يقول:

 

تصبر وان كان الصبور معذبا
فعاقبة الصبر الجميل مسرة

 

 

وان الفتى في الصبر ناقف حنظل
ولابد يوما غيمة السوء تنجلي

 

    

 

3- السير على خطى الاجداد:

 

حث الشاعر الحلي في رثائه الناس الى التحلي بصفات الاباء والاجداد ونبذ كل ما يشين سمعتهم ويسيء الى مكانتهم فعلى المرء ان يكثر من حسناته ليتضاعف اجره يقول الشفهيني (من شعراء القرن الثامن الهجري)(67):

 

واذا انقضى عمر الفتى فرطا
ما العمر الاما به كثرت   

 

 

في كسب معصية فلا عمر
حسناته وتضاعف الاجر

 

فان السير على خطى الاجداد يعني انهم لم يموتوا بل انتقلت اخلاقهم وسيرتهم الى ابنائهم واحفادهم يقول محمد داود الحلي (ت1225هـ)(68):

 

فلا يشتفي الاعداء فيما اصابنا
اذا ما مضى منا شريف لربه

 

 

فلم يبق فيها عالم وجهول
فقد أخلفته فتية وكهول

 

فالحسب يزهو بابنائه والنسب يعلو بإعمالهم ويبقى شجرة يافعة تنشر ظلالها على ابنائها يقول السيد حسين بن السيد سليمان(69):

 

بني الحسب الوضاء ياخير عترة
ورثتم من الاباء ما قد ورثتم

 

 

تمت بها العليا الى خاتم الرسل
وكيف يفوت الفرع ما كان في الاصل

 

فإحياء ذكر الاموات يتم بالتحلي بأخلاقهم والقيام بإعمال تعيدهم لذاكرة الناس ويترحمون على ايامهم الخوالي يقول صالح الكواز(70):

 

نشدتك الله في البقيا عليه فقد  
التابعين له في كل منقبة

 

 

اودى لوجدك في احشائك الضرر
بيضاء عنها جميع الخلق قد قصروا

 

       فالاعمال الصالحة التي يقوم فيها الابناء تعيد للناس اعمال الاباء والاجداد الذين افلحت تربيتهم في انجاب مثل هؤلاء البخباء ، يقول السيد جعفر الحلي(71):

 

هذا ابو يوسف شبه لوالده
يقر كل لسان في رياسته
ولا يضر جحود البعض رتبته

 

 

الله من والد ندب وما ولدا
 فان تجد منكراً فاعرف به الحسدا

فقبل هذا نبي الله قد جحدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمـــــــة

 

 


درس البحث موضوع الرثاء في الشعر الحلي وقد توصل الى النتائج الاتية :

 

1.  ان الرثاء في الشعر الحلي جزء من موروث الشعر العربي عبر عصوره المختلفة ، ولا يفترق عنه لغوياً او دلالياً ، بل هو امتداد لشعر الاجداد.

 

2.    كتب الشعراء الحليون قصائد مستقلة في الرثاء.

 

3.  افاد الشعراء الحليون في عرض رثائهم من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والامثال والشعر العربي وخطب العرب.

 

4.  يرى البحث ان الرثاء في الشعر الحلي لم يكن على صورة واحدة بل كان على خمسة اقسام وهي الرثاء الديني والرثاء السياسي والرثاء الاخواني والرثاء الاسري ورثاء العلماء وهو تقسيم قلما تجده في الشعر العربي، واعني ان تجد قصائد تخلص لنوع واحد من الرثاء المذكور.

 

5.  حمل الرثاء في الشعر الحلي دلالات ثلاث اراد الشعراء من ورائها ايصال رسالة امنوا بها واعتقدوا انها الطريق الاسلم للنجاة في الحياة الدنيا والتخلص من الام فقد عزيز او قريب.

 

 

وبعد يرجو الباحثان ان يكونا قد اسهما في عرض الرثاء في الشعر الحلي عرضاً نافعاً ومفيداً ليكون فاتحة لإعمال اخرى تعنى بهذا الشعر الذي ظل في غياب المكتبات الشخصية والعامة دون تحليل او وصف.

 

 

 

 

 

والله الموفق.

 

 

الهــوامش

 



(1) ينظر العين مادة ( رثى) ، ولسان العرب مادة ( رثى ) والمعجم الوسيط 329.

 

(2) المفضليات 76 .

 

(3) ديوان الخنساء 146 .

 

(4) ديوان مسلم بن الوليد 320

 

(5) الحماسة بشرح المرزوقي 1071 ، وينظر زهر الاداب 3/212 .

 

(6) ينظر مروج الذهب 3/313 .

 

(7) ينظر طبقات الشعراء لابن المعتز  359، وتاريخ بغداد 7/379، ونكت الهميان 139.

 

(8) ينظر طبقات الشعراء لابن معتز 122.

 

(9) العنكبوت 57 .

 

(10) الرحمن 27 .

 

(11) ينظر تذكرة الحفاظ 1/354، والتهذيب ابن حجر 5/384 ، والنجوم الزاهرة 2/103.

 

(12) ينظر البيان والتبيين 3/197-2004، العقدر الفريد 1/128 ، و 2/285 عيون الاخبار 3/53 .

 

(13) مقدمة البابليات .

 

(14) ديوانه 80 .

 

(15) المصدر نفسه 81 .

 

(16) المصدر نفسه 85 .

 

(17) البابليات 1 / 75 .

 

(18) المصدر نفسه 1/135.

 

(19) المصدر نفسه 1/247

 

(20) المصدر نفسه 2/110.

 

(21) المصدر نفسه 1/51.

 

(22) ديوانه 287.

 

(23) ديوانه 319.

 

(24) ديوانه81 .

 

(25) ديوانه 80.

 

(26) ديوانه 177.

 

(27) ديوانه 93 .

 

(28) البابليات 3/47.

 

(29) نفسه 3/59.

 

(30) ديوانه 349.

 

(31) البابليات 3/19.

 

(32) فرهود المعروف حياته وشعره 98 وينظر صفحات مرجانية 2/45.

 

(33) صفحات مرجانية 1/105.

 

(34) ديوانه 112، ينظر صفحات مرجانية 3/287 موسوعة اعلام الحلة 131.

 

(35) تكملة شعراء الحلة 2/270.

 

(36) البابليات 3/123.

 

(37) نفسه 3/39.

 

(38) نفسه 2/44 .

 

(39) نفسه 2/49.

 

(40) نفسه 2/77.

 

(41) نفسه 2/143 .

 

(42) ديوانه 110 .

 

(43) ديوانه160 .

 

(44) البابليات 2/27 .

 

(45) البابليات 2/36 .

 

(46) ديوانه 104 .

 

(47) ديوانه 86 .

 

(48) ديوانه 313

 

(49) ديوانه 310 .

 

(50) النساء 78 .

 

(51) ديوانه 17 .

 

(52) محمد علي النجار ، حياته وشعره 51.

 

(53) ديوانه 28 .

 

(54) الشاعر الكبير الشيخ حمادي في ذكراه المئوية 33 .

 

(55) صفحات مرجانية 2/75 .

 

(56) ديوانه 156.

 

(57) البقرة 155 .

 

(58) البابليات 2/59 .

 

(59) نفسه 2/30 .

 

(60) ديوانه 95.

 

(61) ديوانه 84.

 

(62) ديوانه218.

 

(63) ديوانه 226.

 

(64) المجموعة الشعرية الكاملة 69.

 

(65) صفحات مرجانية 6/56.

 

(66) فرهود المعروف حياته وشعره 128.

 

(67) البابليات 1/99.

 

(68) نفسه 2/18 .

 

(69) نفسه 2/33 .

 

(70) ديوانه 105.

 

(71) ديوانه 213.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .