انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الرسائل وابن القفع والجاحظ

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       6/4/2011 2:51:06 PM

ابن المقفّع

 

 فارس الأصل ، اسمه روزبه بن داذويه ، كان أبوه من قرية ايرانية تسمّى (جور ) ، ترك البصرة، وظلّ على دينه مجوسيّا مانويّا ، غير أنه استعرب سريعاً ، لاختلاطه بمواليه آل الأهتم التميميين ، ولم يلبث أن عمل في دواوين الخراج للحجاج، وظهرت عليه خيانة في أموال الدولة ، فضربه الحجاج حتى تفقعت يده ( أي يبست) فسمّي ( المقفّع ) ، ولم يسلم ، بل مات على دينه ، وعليه نشأ ابنه الذي ولد سنة ( 106 هـ) ، ويظهر أنّه عني عناية شديدة بتأديبه ، حتّى اتقن اللغتين الفارسية والعربية ، ومضى يتكسّب بصناعة أبيه، فعمل في دواوين العراق آخر زمن بني أميّة ، إذ كتب لعمر بن هبيرة  والي العراق لهشام بن عبد الملك ، وكتب لابنه يزيد في ولايته العراق لمروان بن محمد ، ولابنه الثاني داود في ولايته على كرمان بايران ، وأفاد منهما أمولا كثيرة . ولما قامت الدولة العباسية كتب لسليمان بن علي عمّ المنصور وواليه على البصرة، ولأخيه عيسى بن علي والي الأهواز ، وعلى يديه أعلن اسلامه وتكنّى بأبي محمد ، وقتله المنصور سنة (145 هـ) على الزندقة ، ويقال بل قتله لأنه أسرف وبالغ في كتابة الأمان لعمّ المنصور عبد الله بن علي حينما ثار عليه .

 

ولابن المقفّع مجموعة آثار منها كتاب كليلة ودمة ، والأدب الكبير والأدب الصغير ، ورسالة الصحابة.

 

وكتاب كليلة ودمنة كتاب يحتوي على مجموعة من القصص الأخلاقية وضعت على ألسنة البهائم والطير ،وحوت من مكارم الأخلاق والحكم خيراً كثيراً ، وقد سمّي الكتاب باسم أخوين من بنات آوى ، هما كليلة ودمنة ، وسنكتفي بهذه القصّة من هذا الكتاب :

 

(( زعموا أنّ حمامتين ذكرا وأنثى ملآ عشّهما من الحنطة والشعير . فقال الذكر للأنثى : إنّا إذا وجدنا في الصحاري ما نعيش به فلسنا نأكل ممّاما هاهنا شيئا . فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحاري شيء رجعنا الى ما في عشّنا فأكلناه . فرضيت الأنثى بذلك وقالت له : نعمّارأيت . وكان ذلك الحبّ نديّا حين وضعتاه في عشّهما . فانطلق الذكر فغاب ، فلمّا جاء الصّيف يبس الحبّ وتضمّر ، فلمّا رجع الذكر رأى الحبّ ناقصا فقال لها : أليس كنّا جمعنا رأينا على ألا نأكل منه شيئا فلِمَ أكلته ؟ الخ ... )) .

 

الجاحظ

 

هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي ، لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه ، ولد في البصرة حوالي سنة (160 هـ) ، وتوفّي أبوه وهو صغير ، وفي مدينته تعلّم مبادئ القراءة والكتابة ، ثمّ أخذ يتردّد على حلقات العلم التي تعقد في المساجد ، ويختلف الى سوق المربد ، يتلقى الفصاحة من شفاه العرب ، وكان مفرطا في القراءة ، يكتري دكاكين الورّاقين ، ويعتكف فيها ، ليسقف على ما يأتي إليها من كتب ، ويستوعب معارفها .

 

والى جانب طلب العلم والمعرفة كان يلتمس اسباب العيش عن طريق العمل . وحينما زار بغداد أعجب به المأمون ،وولاه رئاسة ديوان الرسائل ، ولكن الجاحظ لم يبق فيها أكثر من ثلاثة أيّام ، وانصرف الى التأليف ، وتبلغ مؤلفاته مئات الكتب والرسائل ،واعتنق مذهب الاعتزال ، وكان صديقاً مخلصا للوزير محمد بن عبد الملك الزيّات الذي قتل على الزندقة في زمن المتوكل ، وأدركه الموت سنة (255 هـ) ، وقيل وقعت عليه كتبه وهو شيخ ضعيف قد جاوز التسعين فقضت عليه .

 

وكان الجاحظ يمتلك شخصية قويّة وارادة فذّة ، وكان متفائلا يبدو عليه السرور ، بسيطا ، متواضعا ، حريصا على مواعيده وأوقاته ، وفيّا لأصدقائه ، صادقا في أقواله ، محبّا للنظام ، وغير ذلك من الصفات الحسنة.

 

من خصائص اسلوبه في الكتابة الموسوعيّة ، والواقعيّة ، واكثاره من النوادر والفكاهات ، والاستطراد، وكان يعتني بالصياغة والألفاظ ، وكذلك بروز صفة التلوين الصوتي أو الموسيقي في اسلوبه .

 

وفيما يلي قصّة من قصصه في كتاب ( الحيوان ) بعنوان ( القاضي والذباب) يقول :

 

(( ....... ، فلم يجد بدًّا من أن يذبّ عن عينيه بيده ، ففعل ، وعيون القوم إليه ترمقه . فتنحّى عنه بقدر ما ردّ يده وسكنت حركته ، ثم عاد الى موضعه ، ثمّ الجأه الى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمّه ، ثمّ ألجأه الى أن تابع بين ذلك . وعلم أنّ فعله كلّه بعين من حضره من أمنائه وجلسائه . فلمّا نظروا إليه قال : أشهد أنّ الذباب ألجّ من الخنفساء وأزهى من الغراب ، وأستغفر اللّه ، فما أكثر من أعجبته نفسه ، فأراد الله عزّ وجلّ أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا . وقد علمت أنّي عند الناس من أزمت الناس ، فقد غلبني وفضحني أضعف خلقه ، ثمّ تلاقوله تعالى : (( وإن يسلبهم الذّباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب )).

 

الرسائل

 

هي اسلوب من أساليب النثر لمخاطبة البعيد ، وقد تطوّر هذا الفن في العصر العباسي تطوّرا ملحوظا بسبب تعقّد أمور الدولة وتشابكها ، فحاجة الدولة الى موظفين يتقنون هذا الفن لتعيينهم في الدواوين بأنواعها المختلفة دفع الكتّاب الى التنافس فيما بينهم ، وهذه المنافسة دفعت هؤلاء الى محاولة التفوّق في الكتابة والبراعة فيها ، وأدّت الى أزدهار الرسائل الديوانية في هذا العصر كمّا ونوعا.

 

وهناك ثلاثة أنواع من الرسائل وهي : الديوانية والاخوانية والأدبية ، أمّا الديوانية فهي الكتب الرسميّة التي تتعلق بمختلف شؤون الدولة ، والاخوانية هي التي يتبادلها الناس والأصدقاء فيما بينهم في مناسبات شتى ولاعلاقة للدولة بها ، وكان كتّابها يعنون بديباجتها ، ويسندونها بآيات قرآنية وأحاديث نبويّة وأقوال الصحابة والتابعين والأشعار والأمثال والحكم ، واشتهر الكثيرون بها أمثال ابن المقفّع ، ومحمد بن زياد الحارثي ، وكلثوم بن عمرو العتابي ، أمّا الرسائل الأدبية فهي بحوث صغيرة أقلّ من الكتاب مثل رسالة الجاحظ في القيان.

 

وكان هؤلاء الكتّاب مثقّفين بثقافة عصرهم من معرفة بعلوم العربية والعلوم الاسلامية والعلوم المترجمة ، وقد تكون لهم ثقافة خاصة تفرضها الوظيفة مثل المعرفة بعلم الحساب اذا كان موظّفا في ديوان الخراج ، أو المعرفة بالجانب الفقهي اذا كان موظّفا في ديوان الزكاة .

 

وفيما يلي ترتيب أسماء كتّاب الرسائل في العصر العباسي بحسب ترتيب بعض الخلفاء العباسيين:

 

في عهد السفّاح : عمارة بن حمزة.

 

في عهد المنصور : عمارة بن حمزة ، ومسعدة بن سعد، ويوسف بن صبيح ، وجبل بن يزيد ، وغسّان بن عبد الحميد.

 

في عهد المهدي : أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله بن يسار ، واسماعيل بن صبيح ، ومطرّف بن أبي مطرّف العبدي ، ومحمد بن حجر .

وكانت هناك رسائل تعرف باسم ( رسائل الخميس ) إلاّ أنّها غير معروفة كثيرا ، وهي خاصة الى خراسان فقط وليس للناس كلّهم، وهذه الرسائل هي امتداد للمنشورات السريّة في زمن الدعوة العباسية ، ويتحدّث بها الكاتب عن مناقب الخليفة العباسي وأحقيّته بالخلافة مثلما كانوا قبل قيام الدولة العباسية.

لذا أراد الخلفاء العباسيون الحفاظ على العلاقات القائمة بينهم وبين خراسان وليؤكدوا أنّهم لم ينسوهم ، وبقيت هذه الرسائل الى عهد المعتصم الذي استعان بالأتراك .

 

فهل كانت هذه الرسائل تكتب كلّ يوم خميس ؟ ولماذا يوم الخميس بالذات؟ وهل كانت تكتب أوّل ما يتولّى الخليفة ؟ أسئلة لانعلم الجواب عنها.

 

وأوّل رسالة ديوانية كتبت في تاريخ العربية هي في الاسلام عندما أصبح للعرب دولة لأوّل مرّة ، والرسائل الديوانية أسبق من الرسائل الأخرى ، وهي رسائل الرسول محمد ( صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم) الى ملوك الدول المجاورة له يدعوهم فيها الى الاسلام ، وكذلك رسائله الى بعض قوّاده وولاته البعيدين عنه ، ولم يكن الرسول ( عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام) يكتب بيده وإنّما يُملي للكاتب ، ولكن الاسلوب للرسول ( صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم) ، فهو اذن واضع الرسائل الديوانية وأسسها.

 

وتبدأ الرسالة بالبسملة أوّلاً ثمّ يقول الرسول (صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم) مثلا : من محمد رسول الله الى خالد بن الوليد . أي يقدّم فيها اسم المرسل ، ثمّ يأتي اسم المرسل اليه ،حتى لو كان أقلّ رتبة منه ، فعندما يجيبه خالد يقول : من خالد الى الرسول . ثمّ يأتي التحميد وهو قصير ( أحمد اليك الله )، ثمّ تأتي عبارة ( أمّا بعد) وهي الفاصلة بين المقدمة والموضوع الأساس . فيقول : ( أمّا بعد وصلني كتابك وفهمت ما فيه اقبل وليقبل معك وفدك) ، وتنتهي الرسالة بعبارة ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ).

 

وكلّ مايصدر عن الرسول ( عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام) سنة متبعة، لذلك أصبحت الرسائل جميعاً تمرّ بهذه الخطوات ، فهي موجزة جدّا وجافّة وخالية من العواطف الشخصية وخالية من الألقاب ، وذلك لأنّها ليست رسالة اخوانية ، وانّما ديوانية مختصّة بالدولة.

 

أمّا الأسباب لبساطة هذه الرسائل في العصر الاسلامي فهي:

 

كانت أمور الدولة بسيطة وناشئة فلا تحتاج الى التفصيل .

 

كان الكلام بين العرب الفصحاء أنفسهم ، فكلّهم من قريش ويفهمون بعبارات موجزة .

 

كان الايجاز عند العرب أعلى مراتب البلاغة.

كان الكتّاب يكتبون نخوة من دون أجرة ، فالرسالة الطويلة تكون شاقّة عليهم .

كانوا يتعلّمون مبادئ القراءة والكتابة .

كانت الكتابة بالرقاع لعدم توفّر الورق .

ثمّ تطوّرت الرسائل في العصر العباسي لعكس الأسباب السابقة ، فامور الدولة تطوّرت وتعقّدت ، فأصبحت الرسائل تحتاج الى الشرح الطويل ، ولم تعد الكتابة بين العرب الفصحاء ـ فأكثرهم كانوا عجما يحتاج لهم الشرح الطويل ، وأصبحت الأمّة تجيد القراءة والكتابة ، فلا يجد الكاتب صعوبة في الكتابة ، وتوفر الحبر والورق ، وأصبح الخلفية لايكتب ولايملي لأن له كتّابا لهذه المهمّة ، ويحدد للكاتب الموضوع وتترك له الحريّة في المقّدمة ، ولايوجد تحديد في التحميدات ، وهنا يتّضح اسلوب الكاتب ، فأصبح هناك منافسة بين الكتّاب وتمييز فأصبح بعض الكتّاب من كبار الأدباء مثل ابن المقفّع ، وعلى قدر براعة الكاتب تأتي الشهرة والترقّي ورضا الرؤساء عنه .

وفيما يأتي نصّ لرسالة ديوانية أرسلها يحيى البرمكي الى هارون الرشيد عندما سجنه ، يقول فيها:

 

(( من شخص أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه ، وخذله شقيقه ، ورفضه صديقه، ومال به الزمان ،ونزل به الحدثان ، فحلّ في الضيق بعد السّعة ، وعالج البؤس بعد الدّعة ،وافترش السخط بعد الرضا ، واكتحل السّهاد بعد الهجود ، ساعته شهر ، وليلته دهر ، قدعاين الموت ، وشارف الفوت ، جزعا لموجدتك ياأمير المؤمنين وأسفا على ما فات من قربك )).

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .