القصص
راجت القصص في العصر العباسي وكثر الاقبال عليها ، وهي – وإن كانت في نظر بعض الباحثين لاتدخل في باب القصّة ؛ لأن الخصائص المطلوبة غير متكاملة فيها – تروى للتسلية والسمر وقضاء أوقات الفراغ الى جانب ما فيها من عبر وعظات ودروس أخلاقيّة ،ولاسيما التي تناول البطولة والفروسية قبل الاسلام وبعده .
وكانت بعض القصص تدور على ألسنة الطير والحيوان ، كما هو الحال في كتاب (كليلة ودمنة ) الذي نقله الى العربية ( ابن المقفّع) ، وهو كتاب يصوّر البهائم والطير كائنات عاقلة مفكّرة مدبرة تخضع لنوازع الغرائز وشهوات النفوس خضوعها الى الاعتبار بالأحداث والاحتكام الى الضمير والرغبة في التفلسف واستخلاص العظة أو المثل من المواقف والعلاقات ولـ ( سهل بن هرون ) كتابان على شاكلة كليلة ودمنة ، الاول : ( ثعلة وعفراء) ، والكتاب الثاني : ( النمر والثعلب ) وهو ممتع طريف الاسلوب ، يدور على شخصيات ثلاث الثعلب الحكيم ، والذئب الحجود، والنمر الطاغي ،وقد وصل إلينا منه نصوص متكاملة.
وكانت مجالس الوعظ آنذاك تميل الى القصص الديني ، ولاسيما في تفسير بعض آيات القرآن الكريم، وقد شاهد الجاحظ طرفا من هذه المجالس وذكر أسماء مجموعة من قصّاص العصر العباسي الأول ، قال : (ومن القصّاص موسى بن سيّار الأسواري ، وكان من أعاجيب الدنيا ،وعمرو بن فائد ، كان حافظا للسير ولوجوه التأويلات ، فكان ربّما فسّر آية في عدّة أسابيع ،وكان يقصّ في فنون من القصص ويجعل للقرآن نصيبا من ذلك ، ثمّ قصّ من بعده القاسم بن يحيى ، وهو أبو العباس الضرير ، لم يدرك في القصّاص مثله).
وهؤلاء القصّاص كانوا يعنون بالاسلوب وضبط الكلام وطريقة الالقاء كي يقبل عليهم الناس ويلتفّوا حولهم وينصتوا إليهم .
ويمكن أن نضيف الى ما سبق الحكايات التاريخية التي يندر فيها الحوار وتأخذ طابع السرد المباشر ، مثل قصّة انتقام قصير بن سعد اللخمي لجذيمة الأبرش الذي صرعته الزبّاء ملكة تدمر ، وقصّة معركة القادسية التي صوّر فيها أبو حنيفة الدينوري أحداثها تصويرا دقيقا كما وقعت بين المسلمين والفرس من غير تعمل أو افتعال ،وقد تماسكت فيها الأحداث.
وتجدر الاشارة هنا الى أنّ هناك حكايات لبعض الأطباء مع مرضاهم فيها نوادر ظريفة وحيل طريفة،وقد نقل لنا ( علي بن سهل الطبري ) طائفة منها في كتابه ( فردوس الحكمة) .
وسنتناول فيما يأتي انموذجين من القصص ، أحدهما لابن المقفّع ، والآخر للجاحظ بعد ترجمة موجزة لحياتهما.