انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

البحتري

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       6/4/2011 1:48:24 PM

 البحتري

 

هو أبو عبادة الوليد بن عبيد ، طائيّ الأب شيباني الأم ، غلب عليه لقب البحتري نسبة الى عشيرته الطائية ، بحتر ، ولد سنة 204هـ بمنبج الى الشمال الشرقي من حلب على الطريق المؤدية الى الفرات ، توفي سنة 284هـ .

 

وليس لدينا أخبار عن هيأته وصورته إلاّ ما روي عنه من أنّه كان أسمر طويل اللحية . وقد نشأ في أحضان عشيرته يتغذّى من فصاحتها ويبدو أنّه اختلف مبكرا الى الكتاّب ، فحفظ القرآن ، أو شطراً كبيراً منه، كما حفظ كثيراً من الأشعار والخطب ، واختلف حين شبّ الى حلقات العلماء في المساجد يأخذ عنهم اللغة وشيئاً من الفقه والتفسير والحديث وعلم الكلام ، واستيقظت فيه موهبة الشعر مبكرة ، وسرعان ما أخذ يكثر من نظمه في بعض من عرفهم من عامة أهل بلدته ، وامتدّ به طموحه فتجاوز به بلدته الى بلاد أكبر من حولها ، إذ نراه ينزل حلب ، وهناك تعرّف على (علوة) التي شغفته حبّا .

 

واتسع برحلاته الى حمص ، وكأنّما كان السعد معه على ميعاد ، فإذا هو يسمع بأنّ أبا تمّام بها والشعراء يعرضون عليه أشعارهم ، فعرض عليه شعره ، فأقبل عليه وقال له : أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك ؟ فشكا إليه سوء حاله ، فكتب الى أهل معرّة النعمان بشاعرية البحتري وطلب منهم أن يكرموه فأكرموه واستقبلوه استقبالاً حسناً ووظفوا له أربعة آلاف درهم .

 

ومن صفات البحتري أنّه عديم الوفاء كافر للإحسان ، فحين يقلب الدهر معروفه لبعض ممدوحيه أو حين يسبق إليهم الموت ، نراه يسارع الى الوقوف مع خصومهم الجدد أصحاب الحكم والسلطان ابتغاء المال والنفع ، مثل موقفه مع الخليفة المستعين الذي هجاه هجاء مقذعا بعد أن كان يمدحه وينال جوائزه .

 

وقد مدح البحتري عددا من الخلفاء العباسيين ، ولكن الخليفة (المعتز) كان أقربهم الى نفسه ، فأكثر من مديحه ووصف قصوره وتسجيل الأحداث لزمنه ، ومدح معه ابنه (عبد الله) وتوثّقت بينهما الصداقة .

 

وكان البحتري قد أثرى ثراء فاحشاً منذ عهد المتوكل ، فانه نثر عليه أموالاً جمّة واقطاعات عديدة ، فضلاً عمّا أغدق عليه الفتح بن خاقان وغيره من رجال الدواوين ، إلاّ أنّه عى الرغم من ذلك كان شديد الطمع والالحاح في الطلب .

 

وكان لا يبارى في ثقافته بالشعر ، ممّا جعله يضع فيه ديوان الحماسة مشابهة لاستاذه أبي تمّام في حماسته المشهورة ، ويقول ابن النديم إنّ له كتابا ثانيا في معاني الشعر ، غير أنّ هذا الكتاب سقط من يد الزمن ، والكتاب الأول كافٍ في تصوّر إكبابه على الشعر القديم إكباباً منقطع النظير ، وبالمثل كان يكبّ على دواوين الشعراء المحدثين ، ممّا أتاح له ثقافة شعرية واسعة ، إلّا أنّه لم يخضع شعره للمنطق والفلسفة كأبي تمّام ، وكان هو بنفسه يصرّح بذلك .

 

وهناك ظاهرة مهمّة في شعره وهي أنّه جارى أستاذه أبا تمّام في الاحتفال بألوان البديع واستظهارها في أشعاره .

 

ولكن اذا كان البحتري لم يستطع أن يحقق لنفسه هذا المدى الرائع من الشعر والفن ، بسبب ضعف ثقافته الفلسفية ، فإنه استطاع أن يحقق لنفسه مدىً مقابلا لا يقلّ روعة ، وهو مدى الجمال الصوتي البديع ، بحيث استطاع أن يرتفع باصطفاء الكلمات والملاءمة بينها في الجرس ، بل بين حروفها وحركاتها ملاءمة رفعته الى مرتبة موسيقية لم يلحقه فيها سابق ولا لاحق .

 

وكان البحتري إذا سُئل عنه وعن أبي تمّام قال : (( جيده خير من جيدي ، ورديئي خير من رديئه)) ، وهو يريد بجيد أبي تمّام معانيه وأخيلته الدقيقة التي لم يكن أحد من أهل زمانه يستطيع أن يحلق في آفاقها ، أمّا رديئه فيريد به بعض أبياته التي يضطرب فيها اللفظ لأنّه لم يكن يعنى بألفاظه وأصواته عناية البحتري .

 

والمديح أهم موضوع استنفد شعر البحتري ، فقد عاش يمدح الخلفاء العباسيين من المتوكل الى المعتضد ووزارءهم وولاتهم وقوادهم وكتّابهم ، وكان طبيعياً لذلك أن ينتصر للعباسيين ضد خصومهم العلويين، وأن يتغنّى بذلك في أشعاره ، حتّى يثبت ولاءه لهم وأنّه يقف في صفوفهم مدافعاً عنهم بمثل قوله للمتوكل :

 

شرفا بني العباس إنّ أبـاكـم

عمّ النبيّ وعيصه المتفرّع

إنّ الفضيلة للذي استسقى بـه

عمر وشفّع إذ غدا يستشفع

وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة

حقّا لكم ووراثة مـاتنـزع

أعطاكموها الله عن علم بكـم

والله يعطي من يشاء ويمنع

       فالعباس جدّ العباسيّين وعمّ الرسول ( صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم)  من العيص ومنبت الشجر الضخم ، ويريد أنّه من الأصول بينما الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الفروع .

 

وكان البحتري ينتهز كل فرصة ليدبّج قصائده في الخلفاء العباسيين ، فمن ذلك قصيدته في وصف موكب المتوكّل في اثناء خروجه لاداء الصلاة في عيد الفطر ، وقد صوّر في فاتحتها قوّة الإسلام حينئذ مجسّمة في جيش ضخم كان يحفّ بالمتوكل وكأنّه جبال تنحرّك ، فترجف الأرض وتهتزّ لضخامته وعدده الكثيفة ، ويتحدث عن جلال الموكب وما استدار حول المتوكل من هالات قدسية ومن محبّة للشعب وإعظام ، يقول : 

 

افتنّ فيـك الناظـرون فإصبع

يومـي اليك بها وعيـن تنظر

يجدون رؤيتك التي فازوا بهـا

مـن أنعـم الله التي لا تكفـر

ذكـروا بطلعتك النـبيّ فهللّوا

لما طلعت من الصفوف وكبّروا

حتى انتهيت الى المصلّى لابسا

نـور الهدى يبدو عليك ويظهر

فلو آنّ مشتاقاً تكلّف فوق مـا

فـي وسعه لسعى إليك المنبر

 وفي ديوانه أهاج مختلفة ترجع إمّا الى حرمانه من جائزة ، وإمّا الى كفران صنيعة عند بعض معاصريه ، وإمّا الى منافسة بينه وبين الشعراء ، ولا سيما من كان منهم يتعرّض لشعره بالذمّ والنقد اللاذع.

 

وبالمثل الفخر عند البحتري ضعيف ، وهو حقاً يفخر في بعض قصائده بآله وعشيرته بحتر وقبيلته طيء ناعتا لهم بالكرم والشجاعة والكثرة والحصافة ، ولكنه لا يصدر ذلك عن ايمان قوي بالمجد ، وكأنّما كانت عصبيّته القبليّة ضعيفة ، بل لقد كان إحساسه بعروبته ايضا ً ضعيفاً ، ومثال ذلك قصيدته في إيوان كسرى وبكاؤه لأمجاد الفرس .

 

وهو كذلك يعدّد طائفة من هؤلاء الملوك الفرس وفي مقدّمتهم يزدجرد ، وكسرى وأردشير ، ويصوّر ما كان لهم من أبهة الملك وما كانوا يغدون ويروحون فيه من السندس والحرير ، وحتّى العاطفة الإسلامية بدورها نجدها ضعيفة عند البحتري ، إذ امتدح كثيرين من النصارى .

 

واشتهر البحتري بإجادته للغزل ، ومرَّ بنا أنّه أحبّ في شبابه ( علوة) الحلبية ، وظلّت ذكراها لا تبارحه ، وظلّت تستولي على قلبه ، وكانت قد صبت إليه كما صبا إليها وبادلته ودّاً بود .

 

وكانت لدى البحتري قدرة بارعة في وصف مظاهر العمران ، بما أتيح له من دقّة في التصوير والتعبير ، ولم يكد يترك قصرا بناه المتوكل دون أن يصفه موجزا أو مسهبا، وبالمثل وصف ما بناه الخلفاء بعده من قصور ، ومرّ بنا وصفه لإيوان كسرى ، ومن القصور التي أجاد في وصفها قصر الكامل الذي بناه المعتز .

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .