البحتري
هو أبو عبادة الوليد بن عبيد ، طائيّ الأب شيباني الأم ، غلب عليه لقب البحتري نسبة الى عشيرته الطائية ، بحتر ، ولد سنة 204هـ بمنبج الى الشمال الشرقي من حلب على الطريق المؤدية الى الفرات ، توفي سنة 284هـ .
وليس لدينا أخبار عن هيأته وصورته إلاّ ما روي عنه من أنّه كان أسمر طويل اللحية . وقد نشأ في أحضان عشيرته يتغذّى من فصاحتها ويبدو أنّه اختلف مبكرا الى الكتاّب ، فحفظ القرآن ، أو شطراً كبيراً منه، كما حفظ كثيراً من الأشعار والخطب ، واختلف حين شبّ الى حلقات العلماء في المساجد يأخذ عنهم اللغة وشيئاً من الفقه والتفسير والحديث وعلم الكلام ، واستيقظت فيه موهبة الشعر مبكرة ، وسرعان ما أخذ يكثر من نظمه في بعض من عرفهم من عامة أهل بلدته ، وامتدّ به طموحه فتجاوز به بلدته الى بلاد أكبر من حولها ، إذ نراه ينزل حلب ، وهناك تعرّف على (علوة) التي شغفته حبّا .
واتسع برحلاته الى حمص ، وكأنّما كان السعد معه على ميعاد ، فإذا هو يسمع بأنّ أبا تمّام بها والشعراء يعرضون عليه أشعارهم ، فعرض عليه شعره ، فأقبل عليه وقال له : أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك ؟ فشكا إليه سوء حاله ، فكتب الى أهل معرّة النعمان بشاعرية البحتري وطلب منهم أن يكرموه فأكرموه واستقبلوه استقبالاً حسناً ووظفوا له أربعة آلاف درهم .
ومن صفات البحتري أنّه عديم الوفاء كافر للإحسان ، فحين يقلب الدهر معروفه لبعض ممدوحيه أو حين يسبق إليهم الموت ، نراه يسارع الى الوقوف مع خصومهم الجدد أصحاب الحكم والسلطان ابتغاء المال والنفع ، مثل موقفه مع الخليفة المستعين الذي هجاه هجاء مقذعا بعد أن كان يمدحه وينال جوائزه .
وقد مدح البحتري عددا من الخلفاء العباسيين ، ولكن الخليفة (المعتز) كان أقربهم الى نفسه ، فأكثر من مديحه ووصف قصوره وتسجيل الأحداث لزمنه ، ومدح معه ابنه (عبد الله) وتوثّقت بينهما الصداقة .
وكان البحتري قد أثرى ثراء فاحشاً منذ عهد المتوكل ، فانه نثر عليه أموالاً جمّة واقطاعات عديدة ، فضلاً عمّا أغدق عليه الفتح بن خاقان وغيره من رجال الدواوين ، إلاّ أنّه عى الرغم من ذلك كان شديد الطمع والالحاح في الطلب .
وكان لا يبارى في ثقافته بالشعر ، ممّا جعله يضع فيه ديوان الحماسة مشابهة لاستاذه أبي تمّام في حماسته المشهورة ، ويقول ابن النديم إنّ له كتابا ثانيا في معاني الشعر ، غير أنّ هذا الكتاب سقط من يد الزمن ، والكتاب الأول كافٍ في تصوّر إكبابه على الشعر القديم إكباباً منقطع النظير ، وبالمثل كان يكبّ على دواوين الشعراء المحدثين ، ممّا أتاح له ثقافة شعرية واسعة ، إلّا أنّه لم يخضع شعره للمنطق والفلسفة كأبي تمّام ، وكان هو بنفسه يصرّح بذلك .
وهناك ظاهرة مهمّة في شعره وهي أنّه جارى أستاذه أبا تمّام في الاحتفال بألوان البديع واستظهارها في أشعاره .
ولكن اذا كان البحتري لم يستطع أن يحقق لنفسه هذا المدى الرائع من الشعر والفن ، بسبب ضعف ثقافته الفلسفية ، فإنه استطاع أن يحقق لنفسه مدىً مقابلا لا يقلّ روعة ، وهو مدى الجمال الصوتي البديع ، بحيث استطاع أن يرتفع باصطفاء الكلمات والملاءمة بينها في الجرس ، بل بين حروفها وحركاتها ملاءمة رفعته الى مرتبة موسيقية لم يلحقه فيها سابق ولا لاحق .
وكان البحتري إذا سُئل عنه وعن أبي تمّام قال : (( جيده خير من جيدي ، ورديئي خير من رديئه)) ، وهو يريد بجيد أبي تمّام معانيه وأخيلته الدقيقة التي لم يكن أحد من أهل زمانه يستطيع أن يحلق في آفاقها ، أمّا رديئه فيريد به بعض أبياته التي يضطرب فيها اللفظ لأنّه لم يكن يعنى بألفاظه وأصواته عناية البحتري .
والمديح أهم موضوع استنفد شعر البحتري ، فقد عاش يمدح الخلفاء العباسيين من المتوكل الى المعتضد ووزارءهم وولاتهم وقوادهم وكتّابهم ، وكان طبيعياً لذلك أن ينتصر للعباسيين ضد خصومهم العلويين، وأن يتغنّى بذلك في أشعاره ، حتّى يثبت ولاءه لهم وأنّه يقف في صفوفهم مدافعاً عنهم بمثل قوله للمتوكل :
|
شرفا بني العباس إنّ أبـاكـم |
عمّ النبيّ وعيصه المتفرّع |
|
إنّ الفضيلة للذي استسقى بـه |
عمر وشفّع إذ غدا يستشفع |
|
وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة |
حقّا لكم ووراثة مـاتنـزع |
|
أعطاكموها الله عن علم بكـم |
والله يعطي من يشاء ويمنع |
فالعباس جدّ العباسيّين وعمّ الرسول ( صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم) من العيص ومنبت الشجر الضخم ، ويريد أنّه من الأصول بينما الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الفروع .
وكان البحتري ينتهز كل فرصة ليدبّج قصائده في الخلفاء العباسيين ، فمن ذلك قصيدته في وصف موكب المتوكّل في اثناء خروجه لاداء الصلاة في عيد الفطر ، وقد صوّر في فاتحتها قوّة الإسلام حينئذ مجسّمة في جيش ضخم كان يحفّ بالمتوكل وكأنّه جبال تنحرّك ، فترجف الأرض وتهتزّ لضخامته وعدده الكثيفة ، ويتحدث عن جلال الموكب وما استدار حول المتوكل من هالات قدسية ومن محبّة للشعب وإعظام ، يقول :
|
افتنّ فيـك الناظـرون فإصبع |
يومـي اليك بها وعيـن تنظر |
|
يجدون رؤيتك التي فازوا بهـا |
مـن أنعـم الله التي لا تكفـر |
|
ذكـروا بطلعتك النـبيّ فهللّوا |
لما طلعت من الصفوف وكبّروا |
|
حتى انتهيت الى المصلّى لابسا |
نـور الهدى يبدو عليك ويظهر |
|
فلو آنّ مشتاقاً تكلّف فوق مـا |
فـي وسعه لسعى إليك المنبر |
وفي ديوانه أهاج مختلفة ترجع إمّا الى حرمانه من جائزة ، وإمّا الى كفران صنيعة عند بعض معاصريه ، وإمّا الى منافسة بينه وبين الشعراء ، ولا سيما من كان منهم يتعرّض لشعره بالذمّ والنقد اللاذع.
وبالمثل الفخر عند البحتري ضعيف ، وهو حقاً يفخر في بعض قصائده بآله وعشيرته بحتر وقبيلته طيء ناعتا لهم بالكرم والشجاعة والكثرة والحصافة ، ولكنه لا يصدر ذلك عن ايمان قوي بالمجد ، وكأنّما كانت عصبيّته القبليّة ضعيفة ، بل لقد كان إحساسه بعروبته ايضا ً ضعيفاً ، ومثال ذلك قصيدته في إيوان كسرى وبكاؤه لأمجاد الفرس .
وهو كذلك يعدّد طائفة من هؤلاء الملوك الفرس وفي مقدّمتهم يزدجرد ، وكسرى وأردشير ، ويصوّر ما كان لهم من أبهة الملك وما كانوا يغدون ويروحون فيه من السندس والحرير ، وحتّى العاطفة الإسلامية بدورها نجدها ضعيفة عند البحتري ، إذ امتدح كثيرين من النصارى .
واشتهر البحتري بإجادته للغزل ، ومرَّ بنا أنّه أحبّ في شبابه ( علوة) الحلبية ، وظلّت ذكراها لا تبارحه ، وظلّت تستولي على قلبه ، وكانت قد صبت إليه كما صبا إليها وبادلته ودّاً بود .
وكانت لدى البحتري قدرة بارعة في وصف مظاهر العمران ، بما أتيح له من دقّة في التصوير والتعبير ، ولم يكد يترك قصرا بناه المتوكل دون أن يصفه موجزا أو مسهبا، وبالمثل وصف ما بناه الخلفاء بعده من قصور ، ومرّ بنا وصفه لإيوان كسرى ، ومن القصور التي أجاد في وصفها قصر الكامل الذي بناه المعتز .