العباس بن الأحنف
هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة ، وهناك رواية أوردها الخطيب البغدادي في تاريخه دون إسناد يصل فيها نسب العباس بن الأحنف بنزار بن معد بن عدنان .
وبخصوص تاريخ مولده لا نملك غير اشارة واحدة تقول إنّ العباس مات وعمره أقلّ من ستّين سنة، وأكثر الظنّ أنّه مات بين سنة 193و 194 هـ ، وعلى هذا يكون مولده ما بين عام 133 و 134 هـ.
أمّا مسقط رأسه فمجهول أيضاً ، ولعلّه ولد في البصرة ، وكانت نشأته في بغداد.
شخصيته
كان العباس بن الأحنف شديد الترف ظاهر النعمة ، فاره المركب ، مكتملا أسباب الجاه عليه سيماء العزّ والإمارة ، حتّى أن صاحب الأغاني يقول : إنّه وجد بعض أشعاره في خراسان مكتوبا عليها : ( شعر الأمير أبي الفضل العباس بن الأحنف ) .
وكان كريما متلافا لايكاد يمسك ما بيديه ، وكان مترفا لم يسخِّر شعره لرغبة ولا رهبة .
والراجح أنّه كان ينفق أمواله في أسباب الترف وفي مجالس الشرب ، فديوانه يذكر لنا غير مرّة أنّه كان من هواة الشرب وواحداً ممن كانت تعمر بهم مجالس السماع واللهو ، إلاّ أنّ حبّه للشراب كان معتدلا ليس فيه اسراف أو تبذّل أو خروج عمّا يرضي المروءة .
والشاعر لم يكن فاسقا ، وقد أكّد ذلك صاحب الأغاني حين قال عنه : ( وكان شاعرا ولم يكن فاسقا).
والديوان كلّه شاهد على عفافه ، من مثل قوله:
|
وما يرى في وصال اثنين قد شغفا |
ما لم يميلا الى الفحشاء من عار |
وكيف لايكون عفيفا من يرى في حبِّه آية يتقرب بها الى ربّه يوم الحساب :
|
أستغفر الله إلّ من مودّتكم |
فإنها حسناتـي يوم ألقـاه |
|
فإن زعمت بأنّ الحبّ معصية |
فالحبّ أحسن مايعصى به الله |
خصائص شعره
إنّ العباس ، شأن كل شاعر عربي ، كان على علم بالأمثال وروائع الأشعار ، وقد درس القرآن الكريم دراسة ظهر أثرها بيّنا واضحا في شعره ، كما في قوله:
|
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف |
فان قميصي لم يكن قدّ من قبل |
وكانت كثير من قصائده ومقطوعاته تغنّى من لدن الكثير من المغنّين أمثال ابراهيم الموصلي وابنه اسحاق ومخارق وابن جامع وسليم وغيرهم .
ونلحظ في شعر العباس أثرا بيّنا للعذريّين كجميل بن معمر وعروة بن حزام وكثيّر عزّة وغيرهم.
والملاحظ في شعره أنّه أوّل من عني بالرسائل الشعريّة الغراميّة ، فله ستّ وسبعون مقطوعة هي رسائل شعريّة أو حديث عن رسائل ، ولانعرف بعض هذا لشاعر عربي قبله .
وأكثر الشاعر من ذكر العتاب في الحبّ أو قد حلّل لنا العتاب وذكر أسبابه ونتائجه ،وربّما هو خير من كتب في أدب العتب بين العاشقين .
وشكوى العباس ميزة بارزة في شعره من جهة ومميّزة إيّاه بين أنداده من العشّاق ، هذه الشكوى التي تجعل الشاعر يصرخ بها لا الى من حوله من الناس حسب ،بل الى ما حوله من البهائم والطيور ، ومناجاة العباس للقطا مشهورة وجدت صداها في كلّ أذن ووقعها في كل قلب :
|
بكيت الى سرب القطاحين مرّبي |
فقلت ومثلي بالبكاء جدير |
|
أسرب القطا هل من معير جناحه |
لعلّي الى من قد هويت أطير ؟ |
والخضوع البالغ سمة بارزة من سمات العباس العاشق ،وهي وإن كانت سمة العشّاق كلهم ، إلاّ أنّها لدى العباس أعنف وأقوى.
أمّا أسلوب العباس الشعري فهو السهل الممتنع ، ومن يدرسه من قريب يرى فيه كثيراً من الصناعة الخفيّة التي لايعرف لحسن موقعها في كثير من الأحيان أهي طبيعية أم متعمّدة ، فاننا نجد في شعره الفنون البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ، والبديعية بنوعيها اللفظي : كالجناس والاقتباس ،والمعنوي : كالطباق والمقابلة والتورية ، ولكن الشاعر لم يغرق في استعمالها إغراقا يفسد عليه معانيه فهو محافظ على شرف المعاني قدر محافظته على جمال الأسلوب وبيان التعابير .
ومن نافلة القول أن نذكر أنّ الشاعر أوقف ديوانه كلّه على الغزل العفيف، وقد اشتهر هذا الغزل شهرة منقطعة النظير بين أوساط المجتمع العباسي ، ولا سيما بين النساء ، فهذه ( عريب ) جارية أحد الهاشميين تطرّز قميصها بخيوط من ذهب ببعض شعر العبّاس ، أوربّما حلا لها أن تفّوف بشعره أذيال ثوبها، وهنا أخرى تتوّج قلنسوتها ببعض أبيات الشاعر ، وثالثة تزيّن عصابتها ببعض شعره ، وتلك أخرى يبلغ بها الهوس والاعجاب حدّاً يدفعها أن تخضّب صفحة قدميها بالحنّاء ببعض شعره .
ويعتمد العباس في كثير من شعره اسلوب الحوار بين العين والقلب في غزله ، ومن ذلك قوله :
|
اذا لمـت عينـيّ اللتيـن أضرّتا |
بجسمي فيكم قالتا لي لـم القلـبا |
|
فإن لمت قلبي قال : عيناك هاجتا |
عليك الذي تلقى ولي تجعل الذنبا؟ |
|
وقالت له العينان : أنت عشقتها! |
فقال : نعم أورثتماني بهـا عجبـا |
|
فقالت له العينان: فاكفف عن التي |
من البخل ما تسقيك من ريقها عذبا |
|
فقال فؤادي : عنك لوترك القطا |
لنام وما بات القطا يخرق السّهبـا |
ويسود هذا الحوار المنطق وتغلب عليه الحجج المتينة من الطرفين .