التجديد في الألفاظ والأساليب
قطع العلم والأدب في العصر العباسي شوطا كبيراً في ساحة الرقي والتقدم والازدهار ، وازداد عدد الدارسين والناهلين من معين المعرفة ، تلك المعرفة النابعة من أصول قديمة أو آتية من منافذ جديدة ، ومن يلاحظ في ألفاظ هؤلاء الدارسين وأساليبهم يجدها تتراوح بين القوّة والجزالة من جهة والسهولة والليونة من جهة أخرى .
كانت صلة كثير من الشعراء قويّة بالشعر القديم ، فبشار بن برد مثلا كان يجاري امرأ القيس ، ويتعمّد محاكاة الأساليب القديمة ، ولاعجب حين قال الأصمعي (( بشار خاتمة الشعراء ، والله لولا أيامه تأخّرت لفضّلته على كثير منهم )).
وكذلك كان أبو نواس وأبو تمّام ، حتّى أنّ الحسن بن رجاء قال عنه (( مارأيت أحداً قطّ أعلم بجيّد الشعر قديمه وحديثه من أبي تمّام )).
إنّ فئة كبيرة من شعراء العصر العباسي الأول كان شعرهم يجاري الأقدمين تارة ، والمحدثين تارة أخرى ، ومن أشهرهم بشار بن برد ، وأبو نواس ، ومروان بن أبي حفصة ، ومسلم بن الوليد ، وأبو الشيص، ودعبل الخزاعي ، والحسين بن مطير الأسدي ، وعمارة بن عقيل ، وكلثوم بن عمرو العتّابي ، وابو تمّام ، وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي .
ومن النماذج السهلة الميسورة الخفيفة على الأسماع قول مروان بن أبي حفصة في مقدمة قصيدة يمدح بها الخليفة المهدي :
|
طرقتك زائرة فحيِّ خيّالها |
بيضاء تخلط بالحياء دلالها |
|
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها |
قاد القلوب الى الصّبا فأمالها |
وهناك فئة أخرى من الشعراء سلكت طريقاً سهلاً ميسوراً ، يسميهم ( محمد نجيب البهبيتي ) (أنصار المدرسة الشعبية ) ، وهم كثيرون وعلى رأسهم أبو العتاهية ، والعباس بن الأحنف ، وربيعة الرقِِّي . وقد سار شعرهم بين محبي الأدب ، ووجد الناس فيه مراحا من كدّ القريحة ،وإعمال الذهن ، ومهرباً من النّّضب الذي يلقونه في قراءة غيرهم من الشعراء ، ومن ذلك قول ربيعة الرقِِّي متغزلا بفتاة تدعى غنمة :
|
حمامة بلّغي عنّي سلاما |
حبيبا لاأطيق له كلاما |
|
وقولي للتي غضبت علينا |
علامَ، وفيمَ ياسكني علاما |
بهذه العذوبة والرقّة يسترسل الشاعر في قصيدة طويلة ، طالبا من الحبيبة أن يلين قلبها ،وتعطف عليه ، وتميل اليه ، وتنجيه من لوعة الغرام ودواعي الشوق والهيام.
إنّ أكثر الشعراء ، سواء أكانوا من أنصار الأوائل أم من أنصار المدرسة الشعبية تأثّروا بالعصر الجديد ومعطياته ، ومن هنا تعصّب اللغويّون لأدب ما قبل الاسلام والعصر الاسلامي والأموي ، وقد تساهل الأصمعي حين ختم الشعر بابن هرمة وابن ميّادة وأضرابهما من شعراء نجد والحجاز الذين أدركوا الدولة العباسية.
لقد تسرّبت كثير من الألفاظ والأفكار الى الساحة الأدبية من الأقوام الذين امتزجوا بالعرب وتصاهروا معهم . ومن يراجع الكتب التي عنيت بالألفاظ الدخيلة مثل ( المعرب) لأبي منصور الجواليقي ، و ( شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ) لشهاب الدين الخفاجي ، يجد ألفاظاً كثيرة أصبحت مألوفة الاستعمال في الشعر والنثر مثل : الديباج والطشت والابريق والمهرجان والنيروز والترياق والقيراط ، ومن أكثر الشعراء استخداماً للألفاظ العربية أصلا أبو نواس . وكذلك وفدت الى العربية بعض ألفاظ التبجيل مثل الحضرة والجناب ، والادارية مثل صاحب الشرطة .
وشاع استعمال الألفاظ المركبة مع لا النافية في حالة التعريف كاللانهاية واللاضرورة واللاارادة ، وكذلك صياغة الأسماء من الحروف والضمائر مثل الكميّة والكيفية والماهية والهوية ، كما أُدخلت الألف والنون قبل ياء المتكلم مثل نفساني وروحاني .
وضمّن بعض الشعراء ألفاظ المتكلمين والفلاسفة في شعرهم مثل : الحركة والسكون والجسد والروح والجوهر والعرض والجزء والقليل والأقل .
وهكذا تجاوز الشعراء على المعجم الشعري الأصيل ،واستخدموا ألفاظاً وتراكيب أعجمية ، فضلاً عن المصطلحات العلمية والفقهية والفلسفية والصوفية وسواها .
وقد ابتعد بعض الشعراء عن السليقة ممّا هيّأ لظهور اللّحن والخروج أحيانا عن القياس الصرفي،وكان علماء اللغة لهم بالمرصاد ، كّلما انحرفوا دلّوهم على انحرافها ، ويفيض كتاب ( الموشّح ) للمرزباني في مآخذ هؤلاء العلماء عليهم .