الشعر الفكاهي
الفكاهة : المزاح ، والفكه : الذي يحدّث أصحابه فيضحكهم ، وقد وجدت الفكاهة مجالا رحبا في أوساط المجتمع العباسي ، وبعدما أخذ هذا المجتمع بأسباب التحضّر والتطوّر . وأصبحت تطلب كثيراً في المجالس والمحافل ، ولاسيما من الخلفاء والوزراء وسراة القوم ، إذ جعلوها وسيلة للترفيه والإضحاك والتسلية ، أولترويض الفكر ، كما قال الرشيد : (( النوادر تشحذ الأذهان ، وتفتق الاذان )) ، وكان طبيعياً في وسط الحياة اللاهية أن تنزع النفوس المكدودة الى أساليب الفكاهة التي تسري الهمّ وتشرح الصدر وتفتح مغاليق القلوب ، ولاجرم أن كان الخلفاء يقبلون عليها ويعقدون لها مجالس السحر.
والفكاهة عادة تتطلّب الذكاء والنباهة واللباقة وسرعة البديهة ،وكان بعض الشعراء قادرين على إتيانها في المكان الملائم والزمان المناسب . وكان البخلاء موضع التندّر في المجالس ، وقد عقد الجاحظ في كتابه (البخلاء ) حديثاً لنوادرهم ، وفي دواوين الشعراء شيء كثير عنهم ، ولاسيّما في ديوان أبي نواس ، فله أكثر من مقطوعة في التهكم بهم ، مثل قوله في رجل يدعى سعيداً :
|
رغيف سعيد عنده عدل نفسه |
يقلّبه طورا ،وطوراً يلاعبه |
|
ويخرجـه مـن كمّه فيشمّـه |
ويجلسه في حجره ويخاطبه |
|
وإن جاءه المسكين يطلب فضله |
فقـد ثكلتـه أمّـه وأقاربه |
|
يكرّ عليه السّوط من كلّ جانب |
وتكسر رجلاه وينتف شاربه |
وتندّر الشعراء كثيراً بأولئك الذين لم يحسنوا تنظيم لحاهم وتنظيفها ، من مثل قول مروان بن أبي حفصة في لحية شيخ يسمّى رباحا :
|
لقد كانت مجالسنا فساحا |
فضيّقها بلحيته رباح |
|
مبعثرة الأسافل والأعالي |
لها في كلّ زاوية جناح |
ولابن الرومي باع طويل في هذا اللّون من الشعر فله فيه صور مضحكة . والنوادر أحيانا تكون لاذعة وساخرة ، ويسلك التعابث بها عند بعض الشعراء طريق الاساءة ، وهو أمر خطير يؤدّي الى زرع الفتنة ، وتفكك الروابط وزوال المحبّة ، وهذا ما نجده عند عبد الصمد بن المعذّل في كثير من شعره ، مثل قوله في ابان اللاحقي :
|
صحفت أمّك إذ سمْـ |
ـمَتك بالمهد أبانا |
|
قد علمنا ما أرادت |
لم ترد إلاّ أتانـا |
|
صيّرت باء مكان التْ |
تَاء والـله عيانا |
إنّ هذا الشعر لايرقى الى المستوى الذي شاهدناه في الأغراض الأخرى ، إذ يخلو من الجمال ، وتبدو عليه السطحية والضعف ، لأنه في الأكثر منظوم على عجل أو ارتجالا.