الفخر
وظلت للفخر حيويته القديمة ، وإن كان قد ضعف فيه الفخر القبلي ، على أنّ أسراباً منه قد بقيت عند نفر من الشعراء ، وفي مقدمتهم أبو نواس ، إذ كان يتعصب لمواليه من بني سعد العشيرة القحطانيين ، وينظم في ذلك أشعاراً كثيرة ، ومثله كان دعبل بن علي الخزاعي، وقد ردَّ على مذَهَّبة الكميت التي تشيّع فيها للنزاريين على القحطانيين رداً عنيفاً ، وكان بشار يتعصب في عصر بني أُميّة لمواليه القيسيين تعصباً حاداً ، حتّى اذا نجحت الثورة العباسيّة أظهر ما كان يستره من كره الاسلام والعرب ، وأخذ يعنّف بهم عنفاً شديداً ، مصوّراً البغض الذي كان يحرق كبده ، وبقيت من ذلك بقية عند ابن المعتز ، إذ نراه يفخر طويلاً على بني عمومته العلويين ، وهو فخر سياسي يدور حول الخلافة وأن العباسيين أولى بها من العلويين، وربما كان أروع من هذا الفخر عنده فخره العام الذي يخلطه بشكواه ، والذي يتحدث فيه عن حبّه مقدّماً لبعض صواحبه فضائله من الشجاعة والبأس والكرم الفيّاض والوفاء ، ومن ذلك قوله :
|
لا أشرب الماء إلاّ وهو منجرد
|
من القذى ولغيري الشوب والرّنق
|
|
عـزمي حسام وقلبي لا يخالفه
|
إذا تخاصـم عزم المرء والفرق
|
الشوب : الماء المخلوط ، الرَّنق : الكدر ، والفرق : الخوف .
والجديد في الفخر لهذا العصر أن كثيراً من الشعراء صدروا في فخرهم عن شعور طاغ بالمروءة والكرم والشيم الرفيعة من مثل قول عوف بن محلَّم الخزاعي :
|
وإني لذو حلم على أن سورتي
|
إذا هزّني قوم حميت بها عرضي
|
|
وإني لأجزي بالكرامة أهلها
|
وبالحقد حقداً في الشدائد والخفض
|
السورة : السطوة وشدة الغضب .
الغزل
غرض شعري تقليدي جميل ومحبب الى النفس الانسانية ، تُصور فيه الأشواق واللواعج للمحبين ، وقد كثر النظم فيه في هذا العصر كثرة مفرطة ، حتى ليمكن أن يقال إن الشعراء جميعاً عنوا به ، وهي عناية أعدته لكي يزدهر ازدهاراً واسعاً ، إذ تداوله أفذاذ الشعراء ، وصاغوه بعقلياتهم الخصبة الحديثة وما أوتوه من قدرة على التوليد في المعاني القديمة واستنباط كثير من الخواطر والأخيلة الجديدة .
وقد مضى الغزل يجري في التيارين نفسهما اللذين اندفع فيهما منذ عصر بني أُميّة ، ونقصد بهما تياري الغزل الصريح والغزل العفيف ، وكان التيار الأول أكثر حدّة وعنفاً ، بسبب انتشار دور النخاسة وما كانت تموج به من إماء وقيان من مختلف الجنسيات اللواتي كنّ يشعن التحلل الخلقي ، والشعراء أنفسهم كانت كثرتهم من الموالي الذين نبذوا التقاليد الخلقية الاسلامية والعربية ، إما بعامل الزندقة والشعوبية ، وإما بعامل الترف وما ينتشر معه من فساد الأخلاق .
ويرى الدكتور شوقي ضيف أنّ كثيراً من هذا الغزل لم يصور حقائق واقعة ، إنما كان يصور حقائق خيالية من بعض الوجوه ، إذ كان يُراد به الى التندير والفكاهة في مجالس هؤلاء المجان الخليعين ، فهم ينظمونه ويتداولونه للضحك والدعابة ، وكأنه يشبه من بعض الوجوه ما قد يجري على بعض الألسنة في عصرنا من نكت جنسية ، ولكن الدكتور شوقي ضيف يستدرك فيقول : وليس معنى ذلك اننا نريد أن ننكر الغزل المكشوف ، إنما نريد أن نلفت الى أن كثيراً منه صنع للتندير والفكاهة .
وشتّان بين الغزل الصريح في هذا العصر عند مطيع بن إياس وأبي نواس وأضرابهما وبينه في العصر الأموي عند عمر بن أبي ربيعة والأحوص وأمثالهما ، إذ كانوا يحتفظون بغير قليل من الوقار والحشمة ، أما مطيع وأبو نواس وبشار وغيرهم فقد خرجوا عن كل حشمة ووقار خروجاً يشبه أن يكون ثورة ، فهم يتحدثون عن غرائزهم النوعية في غير تعفف ولا حياء ولا كرامة ، وقد استحدث كثير منهم – باستثناء بشار – ضرباً جديداً من هذا الغزل الصريح ، وهو الغزل بالغلمان ، وهو يصوّر ما انتهت إليه حياتهم من الفساد ، لكثرة الرقيق ، وقد أطلقوا لأنفسهم فيه العنان لا يرعوون ولا يستحون . ومن امثلة الغزل الصريح قول ربيعة الرقي (ت198هـ) :
|
الحبّ داء عياء لا دواء له
|
إلاّ نسيم حبيب طيّب النّسم
|
|
أو قبلة من فم نيلت مخالسة
|
وما حرام فم ألصقته بفم
|
وكان يجري بجانب هذا التيار تيار الغزل العفيف ، ولكن مجراه أخذ يضيق ضيقاً شديداً بالقياس الى عصر بني أميّة ، إذ كان يتسع حتّى يشمل بوادي الحجاز وحتّى تجري أسراب منه في مكة عند أمثال عبد الرحمن الجشميّ الملقب بالقس لنسكه ، وفي المدينة عند أمثال عروة بن أُذينة . ومن أعلامه في البوادي قيس بن ذريح وجميل بن معمر العذري ، حيث نجد الحبّ النقي الطاهر الذي يملك على الشاعرعواطفه وأهواءه كلها، حتَّى ليصبح ضرباً من الهيام القوي الحاد الذي يدفع الشاعر الى التغنّي بمحبوبته في شعر عذب لا يخدش حياء ، شعر يموج بالحرمان وحرارة العشق وشدّة الظمأ الذي لا ينتهي . وطبيعي أن يضعف هذا التيار في العصر العباسي الأوّل الذي قلّما عرف فيه الشعراء العفة والطهر ، ومع ذلك فقد بقيت له بقية عند العباس بن الأحنف وعند بعض الشعراء الذين هاموا ببعض الجواري ثم بعن وضرب بينهم وبينهنّ حجاب صفيق ، فعاشوا يتعذبون بالحب ، وعاش الحب في قلوبهم قويّاً حادّاً ، ومن ذلك قول العباس بن الأحنف (ت194هـ):
|
أبكي الذين أذاقوني مودّتهـم
|
حتّى إذا أيقظوني للهـوى رقدوا
|
|
جاروا عليّ ولم يوفوا بعهدهم
|
قد كنت أحسبهم يوفون إن عهدوا
|
|
لأخرجنّ مـن الدنيا وحبّكـم
|
بيـن الجوانـح لم يشعر به أحد
|
والفرق كبير بين حرارة هذا الغزل العفيف والغزل المماثل له في عصر بني أُميّة عند قيس بن ذريح وأضرابه . فإنّ غزلهم يصوّر حبًّا جامحاً ، وكأنّ في صدورهم شواظ نار ، فهم يألمون كما لم يألم أحد، ألماً تعجز النفوس عن احتماله ، ألماً يعصف بهم كالسيل المندفع الذي لايترك لهم رويّة ولا أناة ، وإنمّا يترك لهم الحزن الممض والدموع الغزار . ومن أجل ذلك أخذ الغزل العذري يضيق مجراه في هذا العصر ، لأنه لا يبلغ من التأثير في النفس والقلب ما يبلغه الغزل العفيف الأُموي ، وكأنّما أفسدت الحضارة هذا الفنّ ، فإذا هو يجري فيه التكلّف ولا يكاد يؤثر في العاطفة والشعور إلاّ قليلاً .
إلاّ أنه من الخطأ أن نضع حداً فاصلاً في هذا العصر بين الغزل العفيف والغزل الصريح ، ذلك لأننا نجد عند المصّرحين الذي لا يحتشمون ولا يتوقّرون ، والذين يعبرون عن الحب الجسدي حب الغرائز الذي لا يخلو من الفسوق والإثم أسراباً مختلفة من الحبّ المبرّح تجعلهم يقتربون أحياناً من أصحاب الحبّ العفيف ، فنجد عند بشار بن برد مثلاً كثيراً من الغزل الآثم ، ونجد بجانبه غزلاً فيه لوعة وألم وسهاد ، وفيه صبوة يسودها غير قليل من الاحتشام ، على نحو ما يلقانا في أشعاره لصاحبته عبدة ، ومثله أبو نواس في أشعاره لجنان جارية الثقفيين ، وتضرب مثلاً من شعر هؤلاء الخليعين الماجنين يصوّر كيف كان الحبّ أحياناً يستأثر بكل مافي قلوبهم من هوىً وعاطفة ، وكيف كانوا يتعمّقون دقائقه تعمقاً يفضي الى كثير من السّعة والجمال ، وهو هذه القطعة التي أنشدها صاحب الأغاني لآدم بن عبد العزيز حفيد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ، وكان آدم خليعاً ماجناً في أوّل أمره ، وفيها يقول لصاحبة له :
|
أحبـّك حبيّن : لي واحد
|
وآخـر أنَّـك أهـل لـذاك
|
|
فأمّا الذي هو حبّ الطباع
|
فشيء خصصت به عن سواك
|
|
وأمّا الذي هو حبّ الجمال
|
فلـست أرى ذاك حتّـى أراك
|
|
ولسـت أمنّ بهذا عليـك
|
لـكِ المـنّ في ذا وهذا وذاك
|
وممّا يمكن أن نلاحظه على الغزل عامة في العصر العبّاسي هو أنّ الشعراء استخرجوا كثيراً من المعاني في غزلهم ، فقد كان عقلهم خصباً يقتدر على تشعيب المعاني وتحليلها واستنباط كثير من دقائقها . وكثير من غزلهم لا يصوّر ذلك فحسب ، بل يصوّر أيضاً حسّهم المترف الدقيق وشعورهم الرقيق المرهف ، وكذلك نلاحظ كثرة العبارات الليّنة في غزلهم ، وهي شيء طبيعي مردّه الى حياتهم المتحضّرة وأنهم كانوا يتجهون بأكثر غزلهم الى الجواري المغنيات ، ولم يكنّ متبديِّات إنّما كنّ متحضرات ، فكانوا يختارون لهنّ اللفظ السهل البسيط الذي يلمس القلوب لمساً بدون أي حجاب ، ونلاحظ ظاهرة أخرى هي شيوع الأوزان المجزوءة والقصيرة في هذا الغزل ، وكان ذلك بسبب الغناء الذي دفع الى ظهور أوزان جديدة هي المقتضب والمضارع والمتدارك ، وظاهرة أخرى تقترن بالجواري اللائي كان ينظم فيهنّ الشعراء ، وذلك أنّ كثيراً منهنّ كنّ مثقفات يحسنّ صوغ الشعر ونظمه ، فكان الشعراء يراسلونهنّ ، وكانوا أحياناً يفضون إليهنّ ويتطارحون معهن شعر الغزل ، وقد أشاع هؤلاء الجواري الشواعر كثيراً من الظرف والرّقّة في الغزل العباسي ، إذ كنّ يعجبن باللمحة الدالة والخاطرة الدقيقة .