انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الفخر والغزل

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       6/1/2011 1:21:18 PM

الفخر

وظلت للفخر حيويته القديمة ، وإن كان قد ضعف فيه الفخر القبلي ، على أنّ أسراباً منه قد بقيت عند نفر من الشعراء ، وفي مقدمتهم أبو نواس ، إذ كان يتعصب لمواليه من بني سعد العشيرة القحطانيين ، وينظم في ذلك أشعاراً كثيرة ، ومثله كان دعبل بن علي الخزاعي، وقد ردَّ على مذَهَّبة الكميت التي تشيّع فيها للنزاريين على القحطانيين رداً عنيفاً ، وكان بشار يتعصب في عصر بني أُميّة لمواليه القيسيين تعصباً حاداً ، حتّى اذا نجحت الثورة العباسيّة أظهر ما كان يستره من كره الاسلام والعرب ، وأخذ يعنّف بهم عنفاً شديداً ، مصوّراً البغض الذي كان يحرق كبده ، وبقيت من ذلك بقية عند ابن المعتز ، إذ نراه يفخر طويلاً على بني عمومته العلويين ، وهو فخر سياسي يدور حول الخلافة وأن العباسيين أولى بها من العلويين، وربما كان أروع من هذا الفخر عنده فخره العام الذي يخلطه بشكواه ، والذي يتحدث فيه عن حبّه مقدّماً لبعض صواحبه فضائله من الشجاعة والبأس والكرم الفيّاض والوفاء ، ومن ذلك قوله :

 

لا أشرب الماء إلاّ وهو منجرد

 

من القذى ولغيري الشوب والرّنق

 

عـزمي حسام وقلبي لا يخالفه

 

إذا تخاصـم عزم المرء والفرق

 

الشوب : الماء المخلوط ، الرَّنق : الكدر ، والفرق : الخوف .

 

والجديد في الفخر لهذا العصر أن كثيراً من الشعراء صدروا في فخرهم عن شعور طاغ بالمروءة والكرم والشيم الرفيعة من مثل قول عوف بن محلَّم الخزاعي :

 

وإني لذو حلم على أن سورتي

 

إذا هزّني قوم حميت بها عرضي

 

وإني لأجزي بالكرامة أهلها

 

وبالحقد حقداً في الشدائد والخفض

 

السورة : السطوة وشدة الغضب .

 

الغزل

 

غرض شعري تقليدي جميل ومحبب الى النفس الانسانية ، تُصور فيه الأشواق واللواعج للمحبين ، وقد كثر النظم فيه في هذا العصر كثرة مفرطة ، حتى ليمكن أن يقال إن الشعراء جميعاً عنوا به ، وهي عناية أعدته لكي يزدهر ازدهاراً واسعاً ، إذ تداوله أفذاذ الشعراء ، وصاغوه بعقلياتهم الخصبة الحديثة وما أوتوه من قدرة على التوليد في المعاني القديمة واستنباط كثير من الخواطر والأخيلة الجديدة .

 

وقد مضى الغزل يجري في التيارين نفسهما اللذين اندفع فيهما منذ عصر بني أُميّة ، ونقصد بهما تياري الغزل الصريح والغزل العفيف ، وكان التيار الأول أكثر حدّة وعنفاً ، بسبب انتشار دور النخاسة وما كانت تموج به من إماء وقيان من مختلف الجنسيات اللواتي كنّ يشعن التحلل الخلقي ، والشعراء أنفسهم كانت كثرتهم من الموالي الذين نبذوا التقاليد الخلقية الاسلامية والعربية ، إما بعامل الزندقة والشعوبية ، وإما بعامل الترف وما ينتشر معه من فساد الأخلاق .

 

ويرى الدكتور شوقي ضيف أنّ كثيراً من هذا الغزل لم يصور حقائق واقعة ، إنما كان يصور حقائق خيالية من بعض الوجوه ، إذ كان يُراد به الى التندير والفكاهة في مجالس هؤلاء المجان الخليعين ، فهم ينظمونه ويتداولونه للضحك والدعابة ، وكأنه يشبه من بعض الوجوه ما قد يجري على بعض الألسنة في عصرنا من نكت جنسية ، ولكن الدكتور شوقي ضيف يستدرك فيقول : وليس معنى ذلك اننا نريد أن ننكر الغزل المكشوف ، إنما نريد أن نلفت الى أن كثيراً منه صنع للتندير والفكاهة .

 

وشتّان بين الغزل الصريح في هذا العصر عند مطيع بن إياس وأبي نواس وأضرابهما وبينه في العصر الأموي عند عمر بن أبي ربيعة والأحوص وأمثالهما ، إذ كانوا يحتفظون بغير قليل من الوقار والحشمة ، أما مطيع وأبو نواس وبشار وغيرهم فقد خرجوا عن كل حشمة ووقار خروجاً يشبه أن يكون ثورة ، فهم يتحدثون عن غرائزهم النوعية في غير تعفف ولا حياء ولا كرامة ، وقد استحدث كثير منهم – باستثناء بشار – ضرباً جديداً من هذا الغزل الصريح ، وهو الغزل بالغلمان ، وهو يصوّر ما انتهت إليه حياتهم من الفساد ، لكثرة الرقيق ، وقد أطلقوا لأنفسهم فيه العنان لا يرعوون ولا يستحون  . ومن امثلة الغزل الصريح قول ربيعة الرقي (ت198هـ) :

 

الحبّ داء عياء لا دواء له

 

إلاّ نسيم حبيب طيّب النّسم

 

أو قبلة من فم نيلت مخالسة

 

وما حرام فم ألصقته بفم

 

وكان يجري بجانب هذا التيار تيار الغزل العفيف ، ولكن مجراه أخذ يضيق ضيقاً شديداً بالقياس الى عصر بني أميّة ، إذ كان يتسع حتّى يشمل بوادي الحجاز وحتّى تجري أسراب منه في مكة عند أمثال عبد الرحمن الجشميّ الملقب بالقس لنسكه ، وفي المدينة عند أمثال عروة بن أُذينة . ومن أعلامه في البوادي قيس بن ذريح وجميل بن معمر العذري ، حيث نجد الحبّ النقي الطاهر الذي يملك على الشاعرعواطفه وأهواءه كلها، حتَّى ليصبح ضرباً من الهيام القوي الحاد الذي يدفع الشاعر الى التغنّي بمحبوبته في شعر عذب لا يخدش حياء ، شعر يموج بالحرمان وحرارة العشق وشدّة الظمأ الذي لا ينتهي . وطبيعي أن يضعف هذا التيار في العصر العباسي الأوّل الذي قلّما عرف فيه الشعراء العفة والطهر ، ومع ذلك فقد بقيت له بقية عند العباس بن الأحنف وعند بعض الشعراء الذين هاموا ببعض الجواري ثم بعن وضرب بينهم وبينهنّ حجاب صفيق ، فعاشوا يتعذبون بالحب ، وعاش الحب في قلوبهم قويّاً حادّاً ، ومن ذلك قول العباس بن الأحنف (ت194هـ):

 

أبكي الذين أذاقوني مودّتهـم

 

حتّى إذا أيقظوني للهـوى رقدوا

 

جاروا عليّ ولم يوفوا بعهدهم

 

قد كنت أحسبهم يوفون إن عهدوا

 

لأخرجنّ مـن الدنيا وحبّكـم

 

بيـن الجوانـح لم يشعر به أحد

 

والفرق كبير بين حرارة هذا الغزل العفيف والغزل المماثل له في عصر بني أُميّة عند قيس بن ذريح وأضرابه . فإنّ غزلهم يصوّر حبًّا جامحاً ، وكأنّ في صدورهم شواظ نار ، فهم يألمون كما لم يألم أحد، ألماً تعجز النفوس عن احتماله ، ألماً يعصف بهم كالسيل المندفع الذي لايترك لهم رويّة ولا أناة ، وإنمّا يترك لهم الحزن الممض والدموع الغزار . ومن أجل ذلك أخذ الغزل العذري يضيق مجراه في هذا العصر ، لأنه لا يبلغ من التأثير في النفس والقلب ما يبلغه الغزل العفيف الأُموي ، وكأنّما أفسدت الحضارة هذا الفنّ ، فإذا هو يجري فيه التكلّف ولا يكاد يؤثر في العاطفة والشعور إلاّ قليلاً .

 

إلاّ أنه من الخطأ أن نضع حداً فاصلاً في هذا العصر بين الغزل العفيف والغزل الصريح ، ذلك لأننا نجد عند المصّرحين الذي لا يحتشمون ولا يتوقّرون ، والذين يعبرون عن الحب الجسدي حب الغرائز الذي لا يخلو من الفسوق والإثم أسراباً مختلفة من الحبّ المبرّح تجعلهم يقتربون أحياناً من أصحاب الحبّ العفيف ، فنجد عند بشار بن برد مثلاً كثيراً من الغزل الآثم ، ونجد بجانبه غزلاً فيه لوعة وألم وسهاد ، وفيه صبوة يسودها غير قليل من الاحتشام ، على نحو ما يلقانا في أشعاره لصاحبته عبدة ، ومثله أبو نواس في أشعاره لجنان جارية الثقفيين ، وتضرب مثلاً من شعر هؤلاء الخليعين الماجنين يصوّر كيف كان الحبّ أحياناً يستأثر بكل مافي قلوبهم من هوىً وعاطفة ، وكيف كانوا يتعمّقون دقائقه تعمقاً يفضي الى كثير من السّعة والجمال ، وهو هذه القطعة التي أنشدها صاحب الأغاني لآدم بن عبد العزيز حفيد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ، وكان آدم خليعاً ماجناً في أوّل أمره ، وفيها يقول لصاحبة له :

 

أحبـّك حبيّن : لي واحد

 

وآخـر أنَّـك أهـل لـذاك

 

فأمّا الذي هو حبّ الطباع

 

فشيء خصصت به عن سواك

 

وأمّا الذي هو حبّ الجمال

 

فلـست أرى ذاك حتّـى أراك

 

ولسـت أمنّ بهذا عليـك

 

لـكِ المـنّ في ذا وهذا وذاك

 

 وممّا يمكن أن نلاحظه على الغزل عامة في العصر العبّاسي هو أنّ الشعراء استخرجوا كثيراً من المعاني في غزلهم ، فقد كان عقلهم خصباً يقتدر على تشعيب المعاني وتحليلها واستنباط كثير من دقائقها . وكثير من غزلهم لا يصوّر ذلك فحسب ، بل يصوّر أيضاً حسّهم المترف الدقيق وشعورهم الرقيق المرهف ، وكذلك نلاحظ كثرة العبارات الليّنة في غزلهم ، وهي شيء طبيعي مردّه الى حياتهم المتحضّرة وأنهم كانوا يتجهون بأكثر غزلهم الى الجواري المغنيات ، ولم يكنّ متبديِّات إنّما كنّ متحضرات ، فكانوا يختارون لهنّ اللفظ السهل البسيط الذي يلمس القلوب لمساً بدون أي حجاب ، ونلاحظ ظاهرة أخرى هي شيوع الأوزان المجزوءة والقصيرة في هذا الغزل ، وكان ذلك بسبب الغناء الذي دفع الى ظهور أوزان جديدة هي المقتضب والمضارع والمتدارك ، وظاهرة أخرى تقترن بالجواري اللائي كان ينظم فيهنّ الشعراء ، وذلك أنّ كثيراً منهنّ كنّ مثقفات يحسنّ صوغ الشعر ونظمه ، فكان الشعراء يراسلونهنّ ، وكانوا أحياناً يفضون إليهنّ ويتطارحون معهن شعر الغزل ، وقد أشاع هؤلاء الجواري الشواعر كثيراً من الظرف والرّقّة في الغزل العباسي ، إذ كنّ يعجبن باللمحة الدالة والخاطرة الدقيقة .

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .