انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الهجاء والرثاء

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       6/1/2011 1:07:47 PM

الهجاء

 

وإذا تركنا المديح الى الهجاء وجدنا معالم التطور فيه أعمق وأوسع منها في المديح الخالص ، إذ كان يتّصل بحياة الشعب والعامّه اتّصالاً لعله أدقّ من اتصال المديح ، وهي حياة لم يعد أساسها القبليّة كما كان الشأن في العصر الأُموي ، ومن أجل ذلك ضعف فن النقائض لقيامه عليها إلاّ أسراباً قليلة كانت تظهر من حين الى حين . ولكن إذا كان هذا الفن ضعف ، فإن الهجاء لم يضعف بسبب التنافس الشديد بين الشعراء، وقد عمّت فيه روح جديدة إذ أخذوا يريشونه سهاماً مصمية . ويخيل الى الإنسان أن أصحابه لم يتركوا مثلبة خلقية أو نفسية في شخص إلا صّوروها ، وكأنّما يريدون أن يطهّروا المجتمع منها ، ولم يتورّعوا أحياناً عن هجاء الخلفاء والوزراء ، كلما رأوهم ينحرفون عن الجادّة على نحو ما هو مشهور عند دعبل بن علي الخزاعي ، وبذلك يصبح الهجاء الصحيفة التربوية المقابلة للمديح . وقد تبارى الشعراء في رسم معانيه، تارة يخزون وخز الإبر ، وتارة يطعنون طعنات قاتلة ، من ذلك قول أبي تمّام مصوّراً غير شخص لا في موضع الغيرة من نسائه ، وإنما في الغيرة على طعامه ، حتّى لكأنّ كسر رغيفه كسر عظم من عظامه ، يقول :

 

صدّق أليّته إن قال مجتهـداً

 

لا والرغيف ، فذاك البرّ من قسمه

 

قد كان يعجبني لو أنّ غيرته

 

على جراذقه كانـت على حرمـه

 

إن رمت قتلته فافتك بخبزته

 

فإنّ مـوقعها مـن لحمه ودمـه

 

أليّته : قسمه وحلفه : الجراذق : جمع جرذق وهو الرغيف .

 

واعتمد الهجاء معاني الاستخفاف والتهوين والتحقير والتصغير ، وقد استمد منها حمّاد عجرد كثيراً حين استطار الهجاء بينه وبين بشار من مثل قوله :

 

وأعمى يشبه القـرد

 

 إذا ما عمي القرد

 

دنيءٌ لم يرح يومـاً

 

الى مجد ولم يغـد

 

ولم يحضر مع الحضّا

 

ر في خير ولم يبد

 

ولـم يخش لـه ذمّ

 

ولم يرج له حمـد

 

ويقال إنّ بشاراً حين سمع هذه الأبيات بكى من شدّة إيلامها لنفسه ، فقال له قائل : أتبكي من هجاء حمّاد ؟ فقال : والله ما أبكي من هجائه ، ولكن أبكي لأنه يراني ولا أراه ، فيصفني ولا أصفه ، وأتاه من باب جديد ألهمته به الحضارة وما يأخذ به أهل الحاضرة أنفسهم من النظافة والتعطّر ، فوصفه بالقذارة والدنس في ابيات لعلّها كانت أشد إيلاماً وأوجع وخزاً لنفسه من الأبيات السابقة ، يقول :

 

نهاره أخبث مـن ليلـه

 

ويومـه أخبـث من أمسه

 

وليس بالمقلع عن غيّه

 

حتى يوارى في ثرى رمسه

 

ما خلق الله شبيهـاً له

 

مـن جنّـه طـرّاً وإنسـه

 

والله ما الخنزير في نتنه

 

بربـعه في النتن أو خمسه

 

بل ريحه أطيب من ريحه

 

ومسّـه أليـن مـن مسّه

 

ووجهه أحسن من وجهه

 

ونفسـه أنبـل مـن نفسه

 

وعوده أكرم من عـوده

 

وجنسـه أكـرم من جنسه

 

ثمّ ادّعى حمّاد على بشّار أنّه زنديق يؤمن بإلهي النور والظلمة قائلاً :

 

يابن نهيا رأس عليّ ثقيـل

 

واحتمال الرؤوس خطب جليل

 

ادع غيري الى عبادة ربَّيـ

 

ــن فـإنّي بـواحد مشغول

 

ومكر به حمّاد فأشاع الأبيات لبشار في الناس وجعل فيها مكان ( فإني بواحد مشغول) : ( فإني عن واحد مشغول ) ليثبت عليه الزندقة والكفر . ولما سمع بشّار ذلك قال : عرَّضني للقتل ، والله ما قلت إلاّ (فإني بواحد مشغول ) .

 

ويكثر في هجاء بشّار وغيره هتك الأعراض ، وربما كان لشيوع المجون والفحش أثر في ذلك . وتشيع في كثير من قطع الهجاء روح السخرية المريرة ، وقد تشيع روح الفكاهة المضحكة ، على نحو ما يلقانا في هجاء أبي العتاهية لعبد الله بن معن وقد جعل منه فتاة تتزين لتلفت إليها الرجال .

 

ومعروف أن ابن الرومي هو أكبر شعراء الهجاء في العصر وأكثرهم سهاماً لمهجويه، وكان يعرف كيف يصب عليهم التصغير والحقارة والضّعة ، كقوله المشهور في وصف بخيل :        

 

يقتّر عيسى على نفسه

 

وليس بباق ولا خالد

 

فلـو يستطيع لتقتيره

 

تنفّس من منخر واحد

 

وكانت لابن الرومي حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحو ما يصنع أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية .

 

ولم يكد يترك الشعراء خليفة ولا وزيراً ولا قاضياً ولا عالماً ولا مغنياً إلاّ كالوا له الهجاء كيلاً ، وأدّاهم تنافسهم الى أن يتبادلوا الهجاء . وأقرأ في أي ديوان من دواوين العصر فستجد دائماً هجاءً كثيراً على نحو ما يلقانا في ديوان البحتري مثلاً ، وقد اشتهر بهجائه بعض ممدوحيه حين يقلب لهم الدهر ظهر المجن ، مثل أحمد بن الخصيب ممدوحه ، فإنه حين نكبه المستعين أنشده قصيدة يحثّه فيها على مصادرة أمواله وسفك دمه ، وظل يسلقه بلسانه طويلاً.

 

وله قصائد كثيرة يمجد فيها المستعين وعهده ، حتّى إذا خلع وولّي التّرك بعده المعتز أصلاه ناراً حامية من هجائه في ثنايا مديحه للخليفة الجديد . ولم يكن البحتري حاذقاً في هذا الفن ، غير أنّه كان هناك كثيرون يتقنونه ، مثل علي بن بسّام ، وكان يتعرّض في هجائه كثيراً للخلفاء والوزراء ، وقلّما سلم أحد من لسانه .

 

الرثاء

 

والرثاء فن شعري قديم يعبّر عن اللوعة والحسرة عند الشاعر على من يفقده ، ونشط الشعراء العباسيون فيه نشاطاً واسعاً ، إذ لم يمت خليفة ولا وزير ولا قائد مشهور إلاّ وأبّنوه تأبيناً رائعاً ، وقد صوّروا في القوّاد بطولاتهم ومحنة الأمّة والجيوش في وفاتهم ، وكيف ملأ موتهم القلوب حسرة وفزعاً . وحقّاً رثاؤهم لهم يفيض بالحزن واللوعة ، ولكنه مع ذلك يكتظ بالحماسة والقوّة وتمجيد بطولتهم تمجيداً يضرم الحمية في نفوس الشباب . وكان يحدث أن يخرّ بطل صريعاً في بعض الميادين ، حينئذٍ ينظم فيه الشعراء مراثي حماسيّة تؤجج لهيب الحفيظة في القلوب وتدفع الى الاستشهاد تحت ظلال الرماح ذبّاً عن حرمات الوطن ، ومن خير ما يمثّل ذلك مراثي أبي تمام  في محمد بن حميد الطوسي الطائي ، فإنّه أوقع ببابك وجنوده لعهد المأمون وقائع ملأته هو وعسكره فزعاً ورعباً ، وعندما قتل في آخر وقعة له معهم حزنت الأمة حزناً عميقاً لموته ، وانبرى أبو تمّام يرثيه مراثي رائعة تصوّر جلده في القتال وصبره حتّى الموت ، على نحو ما يلقانا في مرثيته العينيّة التي استهلّها استهلالاً بديعاً بقوله :

 

أصمّ بك الناعي وإن كان أسمعا

 

وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا

 

ومن الأبطال الذين بكاهم الشعراء منصور بن زياد ، وقد أبلى لعهد الرشيد في القضاء على ثورة بالقيروان ، ووافاه القدر ، فرثاه عبد الله بن أيوب التّيميّ بقصيدة بديعة يقول في تضاعيفها :   

 

أمّـا القبور فإنهنّ أوانس

 

بجوار قبرك والديار قبور

 

والناس مأتمهم عليه واحد

 

في كلّ دار رنّـة وزفيـر

 

ولعّل بطلاً لم تذرف دموع الشعراء عليه كما ذرفت على يزيد بن مزيد الذي فتك بخوارج الموصل فتكة لم تقم بعدها لهم قائمة ، وفي تأبينه يقول منصور النّمريّ :

 

وإن تك أفنته اللّيالي وأوشكت

 

فإن له ذكراً سيفني الّلياليا

 

وواضح ما في هذه الأشعار من دقة التفكير وبعد الخيال ، ويلقانا ذلك دائماً في تأبيناته ، إذ كانوا يتنافسون في استنباط المعاني النادرة ، ومن طريف ما لمسلم بن الوليد من هذه المعاني قوله في رثاء شخص:

 

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه

 

فطيب تراب القبر دلّ على القبر

 

وكان الشاعر القديم كثيراً ما يفزع الى العزاء بالأمم السالفة والقرون الخالية وأن الموت كأس دائر يتجرّع غصصه الناس جميعاً ، فردّد ذلك الشاعر العباسي في مراثيه وأخذ يضيف اليه من فكره الخصب تأمّلات في حقائق الموت وسنن الوجود .

 

وشاع في هذا العصر بكاء الرفقاء والأصدقاء ، بكاءً يفجر الحزن في النفس ، لما يصوّر من شقاء الأصدقاء بموت رفاقهم وكيف يصطلون بنار الفراق المحرقة ، من مثل قول بشار في ندب أحد أصدقائه من الزنادقة :

 

اشرب على تلف الأحبًه إنّنا

 

جـزر المنيّة ظاعنين وخفّضا

 

ويلـي عليه وويلتي من بينه

 

كان المحبّ وكنت حبًّا فانقضى

 

قد ذقت ألفته وذقت فراقـه

 

فوجدته ذا عسلاً وذا جمر الغضا

 

جزر : جمع جزور وهو البعير الذبيح ، ظاعنين : سائرين ، خفضا : جمع خافض وهو المقيم، الغضا : من شجر البادية .

 

وكان اخوتهم وأبناؤهم يموتون تحت أعينهم فتدور بهم الأرض ويبكون بدموع غزار ، وينفّسون عن أنفسهم بأبيات تصوّر الحزن المقيم في قلوبهم لا يبرح ، من مثل قول العتبي في ابن له اختطفه الموت بعد أبناء آخرين ، وقد مات في ريعان شبابه :

 

وقاسمني دهري بنيّ بشطره

 

فلمّا تقضّى شطره عاث في شطري

 

     ولكن قبل ذلك كله لا ننسى رثاء الشعراء للخلفاء ، فحين قتل المتوكل بكاه البحتري بكاءً حاراً بقوله :

 

محلّ على  القاطول أخلق داثره

 

وعادت صروف الدهر جيشاً تغاوره

 

حـرامٌ عليّ الرّاح بعدك أو أرى

 

دماً بدم يجري على الأرض مائـره

 

مائره : سائله

 

وعلى نحو ما تفجّعوا على أبنائهم وأخوتهم تفجّعوا على زوجاتهم تفجّعاً كله عطف وبر ورحمة ، ولابن الزيّات مراث مختلفة لزوجته ، توضح من بعض الوجوه ثراء الفكر العباسي بالخواطر وقدرته على تحليلها وتمثيل أحزانه وحزن طفله الذي افتقد عطف الأم وحنانها من مثل قوله :

 

 

 

 

ألا مَن رأى الطفـل المفارق أمّه

 

بعيد الكرى عينـاه تبتـدران

 

رأى كلّ أمّ وابنهـا غيـر أمّـه

 

يبيتان تحـت الليـل ينتجيان

 

وبات وحيداً في الفـراش تجنـّه

 

بلابل قلـب دائـم الخفقـان

 

فلا تلحياني إن بكيـت فـإنّمـا

 

أداوي بهذا الدمع ما تريـان

 

وهبني عزمت الصبر عنها لأنني

 

جليد فمن بالصبر لابن ثمان

 

الكرى : النوم ، تبتدران: تسحان وتهملان بالدموع ، تجنّه : تلفه وتشتمل عليه ، لا تلحياني : لا تلوماني .

 

وظلّت المآتم قائمة على شهداء الشيعة في العصر والعصور السابقة منذ أن أستشهد الامام علي (عليه السلام) ، فهم ينوحون عليهم نواحاً حاراً ، ودموعهم لا ترقأ ولا تجف .

 

وبكى الشعراء البرامكة طويلاً حين نكبهم الرشيد ، من مثل قول سلم الخاسر :

 

خوت أنجم الجدوى وشلّت يد النّدى

 

وغاضت بحار الجود بعد البرامك

 

هـوت أنجـم كانت لأبناء برمك

 

بها يعرف الحادي طريق المسالك

 

خوت : سقطت ، الجدوى : العطاء ، الندى : الكرم .

 

وظهرت ضروب كثيرة في الرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر ، من ذلك رثاء المدن حين تنزل بها كوارث النهب والحرق ، وكان الجيش الذي أحاط ببغداد قبل مقتل الأمين رماها بالمجانيق فاندلعت فيها النيران واحترقت بعض الأحياء ، وعمّ فيها نهب الأموال وقتل الأبرياء ، مما جعل الكثير من الشعراء يبكونها وقد غمرهم الحزن والأسى ، من مثل قول بعضهم :    

 

أَلا ابك لإحراق وهدم منازل

 

وقتل وإنهاب اللّهى والذخائر

 

وإبراز ربّات الخدور حواسراً

 

خرجن بلا خمر ولا بمآزر

 

كأن لم تكن بغداد أحسن منظراً

 

وملهىً رأته عين لاهٍ وناظر

 

ومن ضروب الرثاء الجديدة مراثي الطير الصادح من مثل القمريّ والحيوانات المستأنسة ، ومن المراثي الجديدة الموضوع مرثية محمد بن يسير لبستان له عاثت فيه شاة أفلتت لأحد جيرانه ، ودخلت البيت، فعاثت ببعض صحفه وقراطيسه ، وفيها يندب روعة هذا البستان قبل أن تعبث به ضارعاً الى ربّه بالشكوى من هذه الشاة وأن ينزل بها عقاب أليم .

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .