الهجاء
وإذا تركنا المديح الى الهجاء وجدنا معالم التطور فيه أعمق وأوسع منها في المديح الخالص ، إذ كان يتّصل بحياة الشعب والعامّه اتّصالاً لعله أدقّ من اتصال المديح ، وهي حياة لم يعد أساسها القبليّة كما كان الشأن في العصر الأُموي ، ومن أجل ذلك ضعف فن النقائض لقيامه عليها إلاّ أسراباً قليلة كانت تظهر من حين الى حين . ولكن إذا كان هذا الفن ضعف ، فإن الهجاء لم يضعف بسبب التنافس الشديد بين الشعراء، وقد عمّت فيه روح جديدة إذ أخذوا يريشونه سهاماً مصمية . ويخيل الى الإنسان أن أصحابه لم يتركوا مثلبة خلقية أو نفسية في شخص إلا صّوروها ، وكأنّما يريدون أن يطهّروا المجتمع منها ، ولم يتورّعوا أحياناً عن هجاء الخلفاء والوزراء ، كلما رأوهم ينحرفون عن الجادّة على نحو ما هو مشهور عند دعبل بن علي الخزاعي ، وبذلك يصبح الهجاء الصحيفة التربوية المقابلة للمديح . وقد تبارى الشعراء في رسم معانيه، تارة يخزون وخز الإبر ، وتارة يطعنون طعنات قاتلة ، من ذلك قول أبي تمّام مصوّراً غير شخص لا في موضع الغيرة من نسائه ، وإنما في الغيرة على طعامه ، حتّى لكأنّ كسر رغيفه كسر عظم من عظامه ، يقول :
|
صدّق أليّته إن قال مجتهـداً
|
لا والرغيف ، فذاك البرّ من قسمه
|
|
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته
|
على جراذقه كانـت على حرمـه
|
|
إن رمت قتلته فافتك بخبزته
|
فإنّ مـوقعها مـن لحمه ودمـه
|
أليّته : قسمه وحلفه : الجراذق : جمع جرذق وهو الرغيف .
واعتمد الهجاء معاني الاستخفاف والتهوين والتحقير والتصغير ، وقد استمد منها حمّاد عجرد كثيراً حين استطار الهجاء بينه وبين بشار من مثل قوله :
|
وأعمى يشبه القـرد
|
إذا ما عمي القرد
|
|
دنيءٌ لم يرح يومـاً
|
الى مجد ولم يغـد
|
|
ولم يحضر مع الحضّا
|
ر في خير ولم يبد
|
|
ولـم يخش لـه ذمّ
|
ولم يرج له حمـد
|
ويقال إنّ بشاراً حين سمع هذه الأبيات بكى من شدّة إيلامها لنفسه ، فقال له قائل : أتبكي من هجاء حمّاد ؟ فقال : والله ما أبكي من هجائه ، ولكن أبكي لأنه يراني ولا أراه ، فيصفني ولا أصفه ، وأتاه من باب جديد ألهمته به الحضارة وما يأخذ به أهل الحاضرة أنفسهم من النظافة والتعطّر ، فوصفه بالقذارة والدنس في ابيات لعلّها كانت أشد إيلاماً وأوجع وخزاً لنفسه من الأبيات السابقة ، يقول :
|
نهاره أخبث مـن ليلـه
|
ويومـه أخبـث من أمسه
|
|
وليس بالمقلع عن غيّه
|
حتى يوارى في ثرى رمسه
|
|
ما خلق الله شبيهـاً له
|
مـن جنّـه طـرّاً وإنسـه
|
|
والله ما الخنزير في نتنه
|
بربـعه في النتن أو خمسه
|
|
بل ريحه أطيب من ريحه
|
ومسّـه أليـن مـن مسّه
|
|
ووجهه أحسن من وجهه
|
ونفسـه أنبـل مـن نفسه
|
|
وعوده أكرم من عـوده
|
وجنسـه أكـرم من جنسه
|
ثمّ ادّعى حمّاد على بشّار أنّه زنديق يؤمن بإلهي النور والظلمة قائلاً :
|
يابن نهيا رأس عليّ ثقيـل
|
واحتمال الرؤوس خطب جليل
|
|
ادع غيري الى عبادة ربَّيـ
|
ــن فـإنّي بـواحد مشغول
|
ومكر به حمّاد فأشاع الأبيات لبشار في الناس وجعل فيها مكان ( فإني بواحد مشغول) : ( فإني عن واحد مشغول ) ليثبت عليه الزندقة والكفر . ولما سمع بشّار ذلك قال : عرَّضني للقتل ، والله ما قلت إلاّ (فإني بواحد مشغول ) .
ويكثر في هجاء بشّار وغيره هتك الأعراض ، وربما كان لشيوع المجون والفحش أثر في ذلك . وتشيع في كثير من قطع الهجاء روح السخرية المريرة ، وقد تشيع روح الفكاهة المضحكة ، على نحو ما يلقانا في هجاء أبي العتاهية لعبد الله بن معن وقد جعل منه فتاة تتزين لتلفت إليها الرجال .
ومعروف أن ابن الرومي هو أكبر شعراء الهجاء في العصر وأكثرهم سهاماً لمهجويه، وكان يعرف كيف يصب عليهم التصغير والحقارة والضّعة ، كقوله المشهور في وصف بخيل :
|
يقتّر عيسى على نفسه
|
وليس بباق ولا خالد
|
|
فلـو يستطيع لتقتيره
|
تنفّس من منخر واحد
|
وكانت لابن الرومي حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحو ما يصنع أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية .
ولم يكد يترك الشعراء خليفة ولا وزيراً ولا قاضياً ولا عالماً ولا مغنياً إلاّ كالوا له الهجاء كيلاً ، وأدّاهم تنافسهم الى أن يتبادلوا الهجاء . وأقرأ في أي ديوان من دواوين العصر فستجد دائماً هجاءً كثيراً على نحو ما يلقانا في ديوان البحتري مثلاً ، وقد اشتهر بهجائه بعض ممدوحيه حين يقلب لهم الدهر ظهر المجن ، مثل أحمد بن الخصيب ممدوحه ، فإنه حين نكبه المستعين أنشده قصيدة يحثّه فيها على مصادرة أمواله وسفك دمه ، وظل يسلقه بلسانه طويلاً.
وله قصائد كثيرة يمجد فيها المستعين وعهده ، حتّى إذا خلع وولّي التّرك بعده المعتز أصلاه ناراً حامية من هجائه في ثنايا مديحه للخليفة الجديد . ولم يكن البحتري حاذقاً في هذا الفن ، غير أنّه كان هناك كثيرون يتقنونه ، مثل علي بن بسّام ، وكان يتعرّض في هجائه كثيراً للخلفاء والوزراء ، وقلّما سلم أحد من لسانه .
الرثاء
والرثاء فن شعري قديم يعبّر عن اللوعة والحسرة عند الشاعر على من يفقده ، ونشط الشعراء العباسيون فيه نشاطاً واسعاً ، إذ لم يمت خليفة ولا وزير ولا قائد مشهور إلاّ وأبّنوه تأبيناً رائعاً ، وقد صوّروا في القوّاد بطولاتهم ومحنة الأمّة والجيوش في وفاتهم ، وكيف ملأ موتهم القلوب حسرة وفزعاً . وحقّاً رثاؤهم لهم يفيض بالحزن واللوعة ، ولكنه مع ذلك يكتظ بالحماسة والقوّة وتمجيد بطولتهم تمجيداً يضرم الحمية في نفوس الشباب . وكان يحدث أن يخرّ بطل صريعاً في بعض الميادين ، حينئذٍ ينظم فيه الشعراء مراثي حماسيّة تؤجج لهيب الحفيظة في القلوب وتدفع الى الاستشهاد تحت ظلال الرماح ذبّاً عن حرمات الوطن ، ومن خير ما يمثّل ذلك مراثي أبي تمام في محمد بن حميد الطوسي الطائي ، فإنّه أوقع ببابك وجنوده لعهد المأمون وقائع ملأته هو وعسكره فزعاً ورعباً ، وعندما قتل في آخر وقعة له معهم حزنت الأمة حزناً عميقاً لموته ، وانبرى أبو تمّام يرثيه مراثي رائعة تصوّر جلده في القتال وصبره حتّى الموت ، على نحو ما يلقانا في مرثيته العينيّة التي استهلّها استهلالاً بديعاً بقوله :
|
أصمّ بك الناعي وإن كان أسمعا
|
وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
|
ومن الأبطال الذين بكاهم الشعراء منصور بن زياد ، وقد أبلى لعهد الرشيد في القضاء على ثورة بالقيروان ، ووافاه القدر ، فرثاه عبد الله بن أيوب التّيميّ بقصيدة بديعة يقول في تضاعيفها :
|
أمّـا القبور فإنهنّ أوانس
|
بجوار قبرك والديار قبور
|
|
والناس مأتمهم عليه واحد
|
في كلّ دار رنّـة وزفيـر
|
ولعّل بطلاً لم تذرف دموع الشعراء عليه كما ذرفت على يزيد بن مزيد الذي فتك بخوارج الموصل فتكة لم تقم بعدها لهم قائمة ، وفي تأبينه يقول منصور النّمريّ :
|
وإن تك أفنته اللّيالي وأوشكت
|
فإن له ذكراً سيفني الّلياليا
|
وواضح ما في هذه الأشعار من دقة التفكير وبعد الخيال ، ويلقانا ذلك دائماً في تأبيناته ، إذ كانوا يتنافسون في استنباط المعاني النادرة ، ومن طريف ما لمسلم بن الوليد من هذه المعاني قوله في رثاء شخص:
|
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه
|
فطيب تراب القبر دلّ على القبر
|
وكان الشاعر القديم كثيراً ما يفزع الى العزاء بالأمم السالفة والقرون الخالية وأن الموت كأس دائر يتجرّع غصصه الناس جميعاً ، فردّد ذلك الشاعر العباسي في مراثيه وأخذ يضيف اليه من فكره الخصب تأمّلات في حقائق الموت وسنن الوجود .
وشاع في هذا العصر بكاء الرفقاء والأصدقاء ، بكاءً يفجر الحزن في النفس ، لما يصوّر من شقاء الأصدقاء بموت رفاقهم وكيف يصطلون بنار الفراق المحرقة ، من مثل قول بشار في ندب أحد أصدقائه من الزنادقة :
|
اشرب على تلف الأحبًه إنّنا
|
جـزر المنيّة ظاعنين وخفّضا
|
|
ويلـي عليه وويلتي من بينه
|
كان المحبّ وكنت حبًّا فانقضى
|
|
قد ذقت ألفته وذقت فراقـه
|
فوجدته ذا عسلاً وذا جمر الغضا
|
جزر : جمع جزور وهو البعير الذبيح ، ظاعنين : سائرين ، خفضا : جمع خافض وهو المقيم، الغضا : من شجر البادية .
وكان اخوتهم وأبناؤهم يموتون تحت أعينهم فتدور بهم الأرض ويبكون بدموع غزار ، وينفّسون عن أنفسهم بأبيات تصوّر الحزن المقيم في قلوبهم لا يبرح ، من مثل قول العتبي في ابن له اختطفه الموت بعد أبناء آخرين ، وقد مات في ريعان شبابه :
|
وقاسمني دهري بنيّ بشطره
|
فلمّا تقضّى شطره عاث في شطري
|
ولكن قبل ذلك كله لا ننسى رثاء الشعراء للخلفاء ، فحين قتل المتوكل بكاه البحتري بكاءً حاراً بقوله :
|
محلّ على القاطول أخلق داثره
|
وعادت صروف الدهر جيشاً تغاوره
|
|
حـرامٌ عليّ الرّاح بعدك أو أرى
|
دماً بدم يجري على الأرض مائـره
|
مائره : سائله
وعلى نحو ما تفجّعوا على أبنائهم وأخوتهم تفجّعوا على زوجاتهم تفجّعاً كله عطف وبر ورحمة ، ولابن الزيّات مراث مختلفة لزوجته ، توضح من بعض الوجوه ثراء الفكر العباسي بالخواطر وقدرته على تحليلها وتمثيل أحزانه وحزن طفله الذي افتقد عطف الأم وحنانها من مثل قوله :