الشعر : خصائصه ، أغراضه وفنونه
كانت البادية في هذا العصر لا تزال تمدّ الحاضرة بكثير من الشعراء ذوي السليقة العربية السليمة من مثل أبي البيداء وابن الدُّمَينة وابن ميّادة وأبي حيّة النّميريّ ، وكان يقابلهم في المدن شعراء لم ينشأوا في البادية ، ولكن السليقة العربية تحوّلت إليهم وتمثّلت في دخائلهم، حتى أصبحوا لا يقلون عن شعراء البادية فصاحة وبياناً ، وكان ذلك بفضل علماء اللغة ورواتها مثل (حماد الراوية ، وخلف الأحمر، والأصمعي ) ، فقد جمعوا لهم اللغة والشعر الجاهلي والإسلامي ، ووضعوا لهم مقاييسها وضعاً دقيقاً ، وظلوا طوال العصر يبعثون فيهم الإيمان بأن الشعر القديم هو القدوة المثلى ،
ولم يعرض هؤلاء اللغويون على شعراء الحاضرة نماذج الشعر القديم السهلة فحسب ، بل كان همهم الأول أن يعرضوا عليهم نماذجه العويصة المليئة بالحوشيّ والألفاظ الغريبة ، ومضوا فجعلوها مدار إملاءاتهم ومحاضراتهم ، وبسبب هذا التسجيل والشرح والتفسير انقادت اللغة وسلست لمعاصريهم من الشعراء وغير الشعراء .
وكان يقف وراء المحافظة على القديم لغة وأدباً عوامل كثيرة منها :
كان أهم ماحفزهم على ذلك القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، حتى لا تستغلق دلالاتهما على أفهام الناس وأفهام العلماء أنفسهم ، وهذا يحدث عن طريق ذلك الكلام وتلك النماذج .
والعامل الآخر هو عامل سياسي ، فان خلفاء بني العباس أظهروا محافظة شديدة على لغة القرآن الكريم وبعثوا العلماء على مدارستها والتعمق فيها ورواية كل ما يتصل بها من أنساب وأيام وأخبار وأشعار . وقد جعلوا مقاييس وظائفهم الكبيرة التفوق فيها فكانوا لا يستوزرون ولا يستكتبون إلا مَن حذقها وبرع في أدائها، وأخذوا أبناءهم بتعلمها ، فأحضروا لهم كبار اللغويين ليحفظوهم كثيراً من نماذجها الشعرية وكي يقفوهم على صياغتها أو أساليبها ، وتأليف المفضّل الضبي للمهدي كتاب ( المفضليات ) ذائع مشهور . وبذلك صار في القصر العباسي ذوق محافظ كان له أثره في الشعراء ، إذ كانوا يمثلون بين أيدي الخلفاء مادحين لهم . وكانوا يقيسون جودتهم بهذا الذوق ، فكان لابد لهم أن يتلاءموا معه حتى يظفروا بما يبتغون من جوائز كبيرة .
ولقد أصبح اللغويون سدنة الشعر في هذا العصر وحراسه ، فمن نوّهوا به طار اسمه، ومن لوحوا في وجهه خمل وغدا نسيا منسيا ، وأخذ الشعراء يعرضون عليهم أشعارهم قبل انشادها في المحافل العِظام . وعلى هذا النحو سيطر اللغويون على سوق الشعر العباسي، وقد مضوا يتمسكون بالمثل الشعري القديم تمسكاً شديداً ، وكان ابن الأعرابي يقول: (( إنما أشعار هؤلاء المحدثين – مثل أبي نواس وغيره – مثل الرّيحان يشمّ يوماً ويذوى فيرمى به ، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلّما حرّكته ازداد طيبا)) .
ولا شّك في أن اهدار اللغويين لشعر العباسيين بسبب حداثته خطأ في التقويم – كما يرى الدكتور شوقي ضيف – ونؤيده في هذا الرأي ، إذ الجودة الفنية لا تقاس بالقدم والحداثة، والشعر الجيد جيد في كل زمان ومكان .
وعلى هذا النحو كان الشاعر العباسي يحوِّل الى نفسه نماذج الشعر القديم بخصائصها كلها ، يعينه في ذلك اللغويون بما يعرضون عليه منها سمعه وتحت بصره .
وشاركهم في ذلك بعض الشعراء على نحوماهو معروف عن أبي تمام ، ومجموعاته الشعرية التي انتخبها بذوقه من أشعار القدماء والمحدثين ،وفي مقدمتها ديوان الحماسة ، ولم يكتفِ اللغويون بما عرضوا من القصيد والرجز ، فقد وضعوا للشعراء أقيسة للغة في الاشتقاق والتصريف والنحو وموسيقى الشعر وعروضه .
ولا نبالغ اذا قلنا إن اللغويين هيؤوا للشاعر العباسي من العلم بالشعر القديم ما لم يكن يتهيأ لأصحابه أنفسهم ، فقد جمعوه لهم وكشفوا مادته من أطرافها جميعاً وأخذت تونق وتزدهر من جديد ، وهو ازدهار نفذ منه العباسيون الى اسلوب لهم حديث عُرِفَ باسم اسلوب المولدين ، وهو اسلوب قام على عتاد من القديم وعدّة من الذوق الحضري الجديد ، اسلوب يحافظ على مادة اللغة ومقدماتها التصريفية والنحوية ويلائم بينها وبين حياة العباسيين المتحضرة ، بحيث تنفى عنه ألفاظ العامة المبتذلة كما تنفى ألفاظ البدو الحوشيّة ، وأشاعوا في هذا الأسلوب الألفاظ المنتخبة مع العذوبة والرشاقة حيناً ، والجزالة والرصانة حيناً آخر .
وبشار في طليعة مَن أرسوا هذا الاسلوب المولد الجديد ، واسلوبه يمتاز بالنصاعة والرصانة والصفاء والرونق . وتلاه جيل من الشعراء توزّعوا بين مَن يؤثرون الجزالة والفخامة وقوة البناء وضخامته مثل مسلم بن الوليد ، ومَن يؤثرون الليونة والسهولة مثل أبي العتاهية الذي عَمَّم ذلك في الشعر الرسمي : شعر المديح ، والشعر الشخصي : شعرالخمر والغزل ، وشعر الزهد والوعظ ، وكان معاصره أبو نواس يحتفظ بكل ما يمكن من جزالة في الشعر الرسمي ، وفي بعض شعره الشخصي ، وكثيراً ما يعمد في الضرب الأخير الى السهولة المفرطة .
على أن الشعراء سرعان ما انصرفوا عن طريق أبي العتاهية مؤثرين طريق بشار وما انتهى اليه هذا الطريق عند مسلم من المتانة وقوّة البناء ورصانته ، وخلفه أبو تمام فأوفى بهذا الاسلوب الجزل الرصين على غايته من الفخامة والروعة . وبذلك ردّ الأسلوب المولد الى قوّة السبك وضخامة البناء .
لقد ظلّ الشعراء يحافظون بكل قوّة على الصياغة العربية في المفردات والتراكيب وقواعد الاعراب والتصريف ، وتأثر كثير من الشعراء في الثقافات الأجنبية من فارسية وهندية ويونانية ، وكذلك تعمق كثير منهم الفلسفة اليونانية ، وقد بدا ذلك كله في أشعارهم من غير أن يخرجوا عن أصول الشعر الموروثة .
وقد ظل الشعر يمثل العصب في قلب المجتمع العباسي ، فكثر النظم وازداد عدد الشعراء زيادة لا نكاد نجد لها نظيراً في أي عصر آخر ، أمّا الأغراض لهذا الشعر فقد كانت هي نفسها في العصور التي سبقت هذا العصر ، أي ينظمون في موضوعات تقليدية ، وبذلك أبقوا للشعر العربي شخصيته الموروثة مع ملاءمتهم بين تلك الشخصية وبين حياتهم العقلية الخصبة وأذواقهم المتحضّرة المرهفة ، وبذلك كان التواصل الوثيق مع الأنموذج القديم .
ونقف الآن على الأغراض التقليدية التي توسّعوا فيها وجدّدوا في جوانب منها :
المديح
المديح غرض قديم ومن أبرز أغراض الشعر العربي منذ العصر الجاهلي ، حظي بعناية فائقة من الشعراء والمتلقين ، فصار نصيبه القسم الأوفر من النتاج الشعري .
ومعروف أن الشاعر الجاهلي والاسلامي كان يرسم في ممدوحه المثالية الخلقية الرفيعة التي تقدرها الجماعة مثل الكرم والشجاعة والسماحة والعفة وحماية الجار والعزم والمروءة والبأس والعدل وغيرها من الصفات ، وفي العصر الاسلامي أخذ الشعراء يضيفون عليها صفات مثالية تنتمي الى مثالية الدين الاسلامي مثل التقوى والورع والتواضع والوقار وخفض الجناح .
وقد جسم الشعراء هذه الصفات في الممدوحين تجسيماً قوياً ، حتى لتصبح كأنها تماثيل قائمة نصب أعين الناس كي يحتذوها ويحوزوا لانفسهم مجامع الحمد والثناء . وبذلك أصبحت المدحة تبث في الأمة التربية الخلقية القويمة حافزة لها على الفضائل والمكارم الرشيدة . وقد مضى الشعراء في مديح الخلفاء والولاة يضيفون الى هذه المثالية مثالية الحكم وما ينبغي عليه من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الله والعدالة التي لا تصلح حياة الأمة بدونها ، من ذلك قول مروان بن أبي حفصة في مطلع قصيدة للمهدي :
|
أحيا أمير المؤمنين محمد
|
سنن النبيّ : حرامها وحلالها
|
وقد يكون الخليفة سيء السلوك مثل الأمين ، ولكن الشعراء يمدحونه خليفة للمسلمين بهذه المثالية الكريمة نفسها ، لأنهم لا يمدحونه من حيث هو ، وانما يمدحونه خليفة للمسلمين وموضع آمالهم ، وكأنما يريدون أن يرفعوا أمام عينه الشعارات التي تطلبها الأمة في خليفتها وراعيها ، ولعله يثوب الى طريق الرشاد . وقد نمت من هذا المديح فروع الشعر السياسي ، الذي يقف فيه الشاعر مدافعاً عن حزب من الأحزاب في الحكم والخلافة .
ولم يصور الشعراء مثاليتنا الخلقية العامة في مدائحهم وكذلك مثاليتنا السياسية فحسب، بل صوروا أيضاً الأحداث التي وقعت في عصور الخلفاء ، ولا سيما الفتن والثورات الداخلية وحروب أعداء الدولةمن الروم والترك ، وبذلك قامت قصيدة المديح في هذا العصر مقام الصحافة الحديثة ، فهي تسجل الأحداث التي عاصرها الشاعر والأعمال الكبرى التي ينهض بها الخلفاء ، مما يعطيها قيمة بعيدة ، إذ تصبح وثائق تاريخية ، وكان أوّل من نفذ الى ذلك السيد الحميري ، فإنه حوّل أخبار الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) ومناقبه الى مدائح بديعة .
وربما كان أهم ماسجلته صحف المديح في هذا العصر صور الأبطال الذين كانوا يقودون جيوش الأمة المظفرة ضد أعدائها من الترك والبيزنطيين ، فقد أشادت إشادة رائعة بكل معركة خاضوا غمارها وكل حصن اقتحموه ، وكل شاعر يتفنن في رسم بطولة القائد الذي يمدحه رسماً يشعل الحماسة في نفوس جنوده ونفوس الشباب العربي ، وكان الرشيد والمأمون والمعتصم يقودون بأنفسهم الجيوش التي كانت تمحق البيزنطيين محقاً ، فتغنى الشعراء بانتصاراتهم على نحو ماهو معروف في بائية أبي تمام بفتح المعتصم لأنقرة وحرقه لعمورية ، وهي الى أن تكون ملحمة اقرب منها الى أن تكون قصيدة . وتكتظ كتب الأدب ودواوين الشعراء بتصويرهم لبسالة القواد جميعاً . فهو تاريخ كتب شعراً ، وكان هؤلاء الأبطال ومن ورائهم الخلفاء يرصدون الجوائز الضخمة للشعراء كي يرسموا هذه البطولات .
وكانت المدحة قديماً تشتمل على مقدمات تصف الأطلال وعهود الهوى بها وما يلبث الشاعر أن يستطرد الى وصف الصحراء ناعتاً ما يركبه من بعير أو فرس وما يراه فيها من حيوان وحشي ، وقد يعرض لوصف مشهد الصيد ، وكثيراً ما يضمنها حكماً توسع مدارك السامع وتبصره بأطراف من سنن الحياة . وذلك كلّه استبقاه الشاعر العباسي ، ولكن مع اضافات كثيرة ، حتى يلائم بينه وبين عصره . وهي اضافات تعبّر عن الذخائر العقلية والخيالية للشاعر العباسي . وقد نعجب لاستبقاء هؤلاء الشعراء المتحضرين لعناصر الأطلال ورحلة الصحراء البدوية ، غير أنهم اتخذوها رمزاً ، أمّا الأطلال فلحبهم الداثر ، ومّا رحلة الصحراء فلرحلة الانسان في الحياة ، وقد استثمروا ما كان يصحب الأطلال من حنين لذكريات حبهم ومعاهده لا يزال يترقرق في أشعارهم من مثل قول مسلم بن الوليد :
|
هلاّ بكـيت ظـعائناً وحمولا
|
ترك الفؤاد فراقهم مخبـولا
|
|
فإذا زجرتُ القلب زاد وجيبه
|
وإذا حبست الدمع زاد همولا
|
|
واهاً لأيـام الصّبـا وزمانه
|
لو كان أمتع بالمقـام قليلا
|
وحاول بعض الشعراء أن يترك الحديث عن الأطلال المهجورة الى قصور الحاضرة المأنوسة ، وحينئذٍ كان لا يسترسل في وصف حنينه ، على شاكلة قول (أشجع السّلمي) في استهلال إحدى قصائده :
|
قصر عليه تحيّة وسلام
|
نشرت عليه جمالها الأيّام
|
وعلى نحو ما استبقوا الأطلال وما يتصل بها من حنين يبعث بنفوسهم ، استبقوا رحلة الصحراء، وتفننوا في وصف وعوثة طرقها ورياحها الحارة التي تكاد تتوقد توقداً .
وتحّول الشاعر العباسي في أحيان كثيرة من وصف الصحراء ومسالكها وسمومها وحيوانها الى وصف الرياض في الحاضرة ومناظرها البهيجة في الربيع ، مثل قول أبي تمام في مدح المعتصم بقصيدة استهلها بقوله :
|
رقّت حواشي الدهر فهي تمرمر
|
وغدا الثرى في حليه يتكسّر
|
تمرمر : تموج لينا ونعومة ، الثرى : التراب ، ويريد به النبات ، يتكسّر : يتثنى .
وقد مضى يتحدث في اسهاب عن جمال الطبيعة في الربيع وكأنه يتخذ منه رمزاً لعصر المعتصم . واتخذوا احياناً من وصف السفن ورحلتها في الأنهار صورة مقابلة لرحلة البعير في الصحراء ، مثل قول بشار في احدى مدائحه للمهدي :
|
وعذراءَ لا تجري بلحـمٍ ولا دم
|
قليلة شكوى الأين ملجمـة الدّبـر
|
|
إذا ظعنت فيها الفلول تشخّصت
|
بفرسانها لا في وعوث ولا وعـر
|
|
تلاعب تيـّار البحـور وربّمـا
|
رأيت نفوس القوم من جريها تجري
|
الأين : الإعياء ، الفلول : الجماعات ، وعوث : جمع وعث وهو المكان الشاق والصعب .
وجعلتهم موجة المجون الحادّة في العصر يصفون في مقدّمات مدائحهم الخمر أحياناً ، واستهلّ ذلك بشار ، وتوسع فيه مسلم وأبو نواس وأبو العتاهية سعة شديدة ، وعُنوا على نحو ما عُنِيَ الشاعر القديم ببثّ الحكم في قصائدهم ، وكان قد ترجم كثير من الحكم الفارسية والهندية واليونانية ، فأفادوا من ذلك كله ونثروه في تضاعيف مدائحهم ، مضيفين إليه كثيراً من تأمّلاتهم في الحياة والطباع ، من مثل قول أبي تمام في فضل المحسود ونقص الحسود :
|
وإذا أراد اللهُ نشـرَ فضيـلـة
|
طويت أتاح لهـا لسـان حسود
|
|
لولا اشتعال النار فيما جاورت
|
ما كان يعرف طيب عرف العود
|
العرف : الرائحة والشذا .
وهو كثير الحكم في مدائحه ، وقد صبّ فيها كثيراً من شكوى الزمن وخطوبه ، بحيث يعدّ مقدمة قوية لابن الرومي والمتنبي ، وهو يمزج شكواه بمغالبة عاتية للدهر ونوازله.
وعلى هذا النحو ازدهرت المدحة على لسان الشاعر العباسي ، لا بما رسم فيها من مثاليتنا الخلقية ، وسجّل من الأحداث ، وصور من البطولات العربية فحسب ، بل ايضاً بما تمثّل من العناصر القديمة وأذاع فيها من ملكاته وما أضافه اليها من عناصر جديدة استمدّها من بيئة الحضارية ومن نفسيته وملكاته العقلية . ودفعتهم دقتهم الذهنية الى أن يلائموا بين مدائحهم وممدوحيهم ، فإذا مدحوا الخلفاء نوّهوا بتقواهم وعدلهم في الرعيّة ، واذا مدحوا القوّاد أطالوا في وصف شجاعتهم ، واذا مدحوا الوزراء تحدّثوا عن حسن سياستهم ، وكذلك صنعوا بالفقهاء والقضاة والمغنين ، فلكل أوصافه التي تخصّه ، وهي أوصاف طلبوا فيها في مدائحهم كلّها الفكر الدقيق والتعبير الرشيق .