انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الحياة الاجتماعية

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       5/31/2011 1:10:46 PM

الحياة الاجتماعية

 

         لقد عَمَّ البذخ حياة الخلفاء وحواشيهم من البيت العباسي ومن الوزراء والقواد وكبار رجال الدولة ومن اتصل بهم من الشعراء والمغنين والعلماء والمثقفين ، وكانت خزائن الدولة هي المعين الغَدِق الذي هيأ لهذا الترف ، فقد كانت تُحْمَل اليها حمول الذهب والفضة من أطراف الأرض ، حتى قالوا إن المنصور خلَّف حين توفي أربعة عشر مليوناً من الدنانير وستمائة مليون من الدراهم ، وإن دخل بيت المال سنويّاً لعهد الرشيد كان نحو سبعين مليون من الدنانير ، ولا عجب اذا عرفنا أن عمرو بن مسعدة وزير المأمون خلَّف بعد وفاته ثمانين ألف ألف دينار ونُقِلَ ذلك الى المأمون فلم يأخذه العجب ، بل قال : هذا قليل لمَن اتّصل بنا وطالت خدمته لنا .

 

        وكان الخلفاء والوزراء والولاة والقواد يغدقون على العلماء والأطباء والشعراء والمغنين ، ورَسْمُ المهدي لمروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على مدحته ذائع مشهور ، وكان يصنع الصنيع نفسه مع المغنين حين يطرب لبعض أصواتهم ، وكان الرشيد بحراً فياضاً مايَنِي ينهلّ على العلماء والفقهاء من أمثال قاضيه أبي يوسف  والأصمعي والكسائي ، والأطباء من مثل جبرائيل بن بختيشوع ، وكان يجزل للشعراء والمغنين من نواله ، أما الأمين فقد تجاوز بصلاته كل حَدٍّ حتى قالوا إنه أجاز عبد الله بن أيوب التيمي الشاعر يوماً بمائتي ألف درهم ، وطرب ليلة لغناء إسحاق الموصلي ، فأعطاه ألف ألف درهم وهكذا كان الخلفاء جميعاً يتنافسون في البذخ .

 

ونافسهم الوزراء في هذا البذل الواسع ، وللبرامكة فيه ما ليس لأحد ، فقد كانت بأيديهم خزائن الدولة في عهد الرشيد ، فملأوا منها أيدي العلماء والأطباء والمترجمين والمغنين والشعراء بالأموال ، وكأنهم كانوا يبارون فيه الرشيد .

 

وكان ينافسهم في هذا البذل الواسع أيضا الفضل بن الربيع وبنو سهل وكبار الولاة والقواد من أمثال معن بن زائدة وابن أخيه يزيد بن مزيد الشيباني وابنه خالد ويزيد بن حاتم المهلبي وأخيه روح ومحمد بن حميد الطوسي وأبي دلف العجلي ، وآل طاهر ، وفي مقدمتهم طاهر نفسه .

 

وكان لهذه السيول التي كانت ماتني تسيل الى حجور العلماء والأطباء والمترجمين والشعراء والمغنين أثرها الواسع في نهضة العلوم والآداب والفنون ، فقد كُفِيَ أصحابها مؤونة العيش ، بل كان منهم مَن يُثري ثراءً فاحشاً حتى يقال إنه صار الى ابراهيم الموصلي المغني أربعة وعشرون مليون درهم سوى راتبه الجاري وهو عشرة آلاف درهم .

 

وطبيعي أن تدفع هذه الأموال لا الى النعيم فحسب ، بل أيضاً الى الترف في الحياة وكل أسبابها المادية من دور مزخرفة وفرش وثيرة وثياب أنيقة معطرة ومطاعم ومشارب من كل لون والتماس لكل أدوات الزينة والتفنن فيها تفنناً يتيح كل ما يمكن من استمتاع بالحياة .

 

وطبيعي أن يشيع في هذا الجو الزاخر بالترف التأنق في الملبس والثياب ، وقد عمّ حينئذٍ ببغداد لبس الأزياء الفارسية ، وكان الشعراء يلبسون الوشي والمقطعات الحريرية ، ويلبس المغنون قطوع الديباج والخزِّ.

 

واستكثروا من العطور وأنواع الطيب من الغالية والمسك والكافور والعنبر ، وكذلك فعلت النساء حرائر وجواري في زينتهنَّ وأناقتهنَّ ، ويقال إن ( دنانير) جارية البرامكة كانت تتحلّى بعقد من الجوهر بلَغت قيمته ثلاثين ألف دينار كان قد أهداه اليها الرشيد .

 

ولاريب في أن هذا كله كان على حساب العامة المحرومة التي كانت تحيا حياة بُؤْس تقوم على شظف العيش لينعم الخلفاء والوزراء والولاة والقواد وكبار رجال الدولة وأمراء البيت العباسي الذين بلغوا هم وأبناؤهم نحو ثلاثين ألفاً لعهد المأمون . وظهر في هذا العصر أدب يسمى ( أدب المسامرة ) أو أدب النديم ، وكان يصاحب هذا ظهور أدوات الترويج ولعب كثيرة ، من ذلك سباق الخيل ، وسباق الحمام الزاجل ، ولعبة الصولجان ، وهي كرة تُضرب من فوق ظهور الخيل ، ومن ذلك المحادثة بين الديوك والكباش والكلاب .

 

ونتيجة للحروب التي خاضها المسلمون شاعت ظاهرة الرقيق ، وكان يقوم عليه موظف يسمى ( قَيِّم الرقيق ) . وكان الرقيق يُجلب من بلاد الزنج وافريقية الشرقية ومن الهند وأواسط آسيا ومن بيزنطة وجنوب أوربا ، وقد دعا الاسلام دعوة واسعة الى تحرير الرقيق فكان كثير منهم يحرّرون ، وقد يصل بعضهم الى أرفع المناصب في الدولة مثل الربيع بن يونس مولى المنصور وحاجبه ثم وزيره . وكان الرشيد يستكثر منهم حتى قيل إنه سار يوماً وبين يديه أربعمائة منهم  .

 

وكان رقيق النساء من الجواري أكثر عدداً من رقيق الرجال ، فقد امتلأت بهنَّ الدور والقصور ، وكُنَّ معروضات بدور النخاسة تحت أعين الرجال ، وكانت الجواري من أجناس وثقافات وديانات وحضارات مختلفة ، فأثّرن آثاراً واسعة في أبنائهنّ ومحيطهن وهي آثار امتدت الى قصر الخلافة وعملت فيه عملاً بعيد الغور ، فقد كان أكثر الخلفاء من أبنائهن ، فالمنصور أمه حبشية والهادي والرشيد أمهما الخيزران رومية والمأمون أمه مراجل فارسية وكذلك أم المعتصم ماردة ، وكانت أم الواثق رومية وتسمى قراطيس . وقد أخذ هؤلاء الجواري يكثرن في القصر منذ عهد المهدي ، ويقال إنه اشترى جاريته مكنونة بمائة ألف درهم .

 

وقد استكثر الرشيد وزوجه زبيدة من الجواري حتى قيل إنه كان عند كل منهما زهاء ألفي جارية في أحسن زي من الثياب والجوهر ، وكان قصر الأمين يزخر بالجواري الغلاميات اللائي يلبسن لبس الغلمان، وزخر قصر المأمون بالجواري المسيحيات ، كما زخر بهنّ وبغيرهنّ قصر المعتصم والواثق .

 

ويفيض كتاب الأغاني بأخبارهنّ في دور علية القوم وفي دور النخاسة والقيان ويصوِّر كيف كان يغشى الدور الأخيرة الشعراء ، والجواري يستصبين قلوبهم ، وكثيراً ما يقع حب جارية في قلب شاعر ويصبح محنة لا يجد الى التخلص منها سبيلاً ، وكان من الشعراء من يقاوم إغراءهنّ ، ولكنه يغاديهنَّ صباح مساء مفتوناً بهنّ ، وعلى هذا النحو كانت دور النخاسة والقيان معارض للجمال ، وهي معارض مفتوحة ليلاً ونهاراً يجتمع فيها الفتيان من الشعراء وغيرهم يتملّون بالجمال ومفاتنه .

 

وكان للغناء في الناس أثر كبير ، فقد شغلوا به كثيراً ، وكأنه نعيمهم من دنياهم الذي لا يؤثرون سواه لما يبعث في نفوسهم من غبطة وابتهاج ، وكان الغناء قد بدأ منذ نهاية العصر الأُموي ، وما تنشأ بغداد ويُطلُّ عهد المهدي حتى تصبح داراً كبيرة للغناء ، فقد جذبت اليها المغنين والمغنيات من كل فجٍّ ، نُثِرَت عليهم الأموال ، وأول مَن نثرها من الخلفاء المهدي ، واقتدى به الهادي ، وخلفهما الرشيد فجعل المغنين مراتب وطبقات ، وهو الذي طلب الى ابراهيم الموصلي واسماعيل بن جامع وفُليح بن أبي العوراء أن يختاروا له الأصوات المائة التي أدار أبو الفرج الأصبهاني – فيما بعد – كتابه الأغاني عليها .

 

وأنبه المغنين في العصر اسحاق الموصلي ، وقد تلقن الغناء عن ابراهيم أبيه والضرب على العود عن زلزل ، وفي ترجمته بالأغاني أنه أعطاه على تعليمه له مائة ألف درهم . وكانت صنعته محكمة الأصول، وكان يتصرف في بُسط الايقاعات جميعاً .

 

وبلغ من رُقي هذا الفن وارتفاع شأنه في النفوس أن أقبل أبناء الخلفاء وعِلية القوم على تعلمه واتقانه حتى لنراهم يصنعون فيه ألحاناً وأصواتاً تُنْسَبُ اليهم ، وقد فتح أبو الفرج في أغانيه فصلاً ، بل فصولاً طويلة لأبناء الخلفاء ، وما أُثِرَ عنهم من أصوات ، وأشهرهم ابراهيم بن المهدي وأخته عُليّة ، وكان ابراهيم يُعَدُّ في كبار المغنين المحسنين ، وله أصوات كثيرة ، وكانت عُليّة مثله تجيد الغناء وقد خلّفت فيه ثلاثة وسبعين صوتاً . وممن برع في الغناء وأثرت عنه أصوات بديعة فيه عبد الله بن طاهر ، وأبو دلف العجلي قائد المأمون المشهور .

 

وكانت القيان في الكوفة وبغداد يكثرن من الاختلاف الى دور الشعراء ، وكان الشعراء وغيرهم يزورونهنّ في دور اصحابهنّ من المقيِّنين ، وكانت أشبه بالنوادي الكبيرة للغناء والموسيقى . وكثيراً ما يقع الشعراء في حب بعضهنّ المكتملات الخلق الجميلات الجسد ، فيستأثرن بكل مافيهم من عاطفة وهوى على نحو استئثار ريم بقلب مطيع بن إياس ، وعبادة بقلب عبد الله بن محمد البواب ، وعنان بقلب أبي النضير ، وسلسل بقلب أبان بن عبد الحميد،وكنّ يتبارين في جذب الشعراء بما يُشعن في أحاديثهنّ من عذوبة حلوة وبما يحسُنّ من صنوف الغزل والعبث بقلوب الرجال .

 

وعلى هذا النحو كانت الجواري والقيان في هذا العصر من العوامل الفعّالة في انتشار الظرف والرقة في المجتمع العباسي حتى أصبحا سمتين بارزتين فيه ، وبذلك رقّت المشاعر والأحاسيس ودقّت الاذواق وأرهفت إرهافاً شديداً .

 

المجون

 

ورث المجتمع العباسي ما كان في المجتمع الساساني الفارسي من أدوات لهو ومجون، وساعد على ذلك مادفعت اليه الثورة العباسية من حرية مسرفة ، فإذا الفرس يمعنون في مجونهم ويمعن الناس معهم ، فقد مضوا يعبّون الخمر عبًّا ، ويحتسونها حتى الثمالة ، فأصبح الادمان عليها ظاهرة عامة ، وكان من أسباب انتشارها وإقبال الناس عليها أن أدى اجتهاد فقهاء العراق الى تحليل بعض الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب المطبوخ أدنى طبخ ونبيذ العسل والتين ، فشرب الناس هذه الأنبذة وقبلهم شربها الخلفاء ، وتهالك بعض الناس – إمعانا في المجون – على أنواعها المحرمة باجماع الفقهاء .

 

والمعروف أن الهادي أول خليفة عباسي أُغْرِيَ بالخمر ، وتبعه الرشيد ومَن جاءوا بعده ، ولاسيما الأمين الذي كان يعيش للخمر المسكرة يشربها أرطالاً ، حتى ليصل أحياناً مساءه فيها بصباحه ، وكان من ندمائه أبو نواس ، وكان الأمين اذا نام واستيقظ السحر طلب الى أبي نواس أن ينشطه الى متابعة السكر ببعض الأبيات ، فأنشده :

 

نبه نديمك قد نعس

 

يسقيك كأساً في الغلس

 

صرفا كأن شعاعها

 

في كفّ شـاربها قبس

 

تذر الفتى وكأنّمـا

 

بلسانه منهـا خـرس

 

يدعى فيرفع رأسه

 

فإذا استقلّ بـه نـكس

 

  فهشّ الأمين ونشط ودعا بالشراب يصطبح به لليوم التالي وينعم بنشوته .

 

ولهذا السبب اشتهر فيها غير شاعر بخمرياته ، على نحو ماهو معروف عن أبي نواس ، وقد تفنن الشعراء في وصف نشوتها وآثارها في الجسد والعقل ووصف دنانها ومجالسها وندمائها وسقاتها ، ومنذ أول العصر نجد الخمر تقترن بالغناء والرقص ، إذ تحوّل المقيّنون في كرخ بغداد والبصرة والكوفة بدورهم الى حانات كبيرة للشرب كل مساء ، فكان الشعراء وغيرهم يؤمونها للشرب على غناء القيان وضرب الدفوف والطبول ، وكثير من دور الشعراء أنفسهم تحولوا بها الى مقاصف للخمر والمجون على نحو ماكانت دور مطيع بن إياس ورفقائه في الكوفة ودار بشار بن برد في البصرة ودار أبي نواس في بغداد .

 

ومما لا ريب فيه أن إدمان الخمر حينئذٍ دفع الى كثير من المجون والعبث والإباحية ، وكان المجتمع زاخراً بزنادقة وملاحدة وأناس من ديانات شتى مجوسية وغير مجوسية ، فأطلقوا العِنان في ارتكاب الآثام متحررين من كل قانون للخلق والعرف والدين . وكان من أهم العوامل التي هيأت لذلك السلع التي كانت تُباع وتشترى من الجواري والقيان في هذا العصر الى اتشار الغزل المكشوف الذي لا تصان فيه كرامة المرأة والرجل ، فكان الشعراء ينظمون في ذلك أشعاراً صريحة ، على نحو ما يلقانا عند مطيع بن إياس في الكوفة ًوبشار بن برد ومعاصريه في البصرة ، وقد استحال شعر بشار الى نداء صارخ للغريزة الجسدية ، نداء يندى له جبين الشرف ، مما جعل وعّاظ بلدته من أمثال واصل بن عطاء ومالك بن دينار يصرخون به ان يكفّ عن غيّه ، وتعالى صياحهم حتى وصل سمع المهدي ، فهدّده وأنذره ان ينزل به عقابه إن هو لم يزدجر ، واضطرّ أن ينزل على مشيئته وبكى ذلك طويلاً في اشعاره، على أن تدخل المهدي جاء متأخراً ، فقد عمّ طوفان هذا الغزل لا في البصرة والكوفة وحدهما ، بل أيضاً في بغداد عند أبي نواس وأضرابه ، بحيث عُدَّ ظهورالعباس بن الأحنف بغزله الطاهر العفيف شذوذاً على جيله ومجتمعه .

 

وليس معنى ذلك أن الحياة في بغداد كانت كلها مجوناً وتهالكاً على الفجر والعهر ، فإن تعدد الزوجات الذي أباحه الإسلام وما أعطاه للرجل من حق تسرِّي الجواري ، ذلك كله كان يحول دون سقوط بغداد جميعها في هوّة الفساد ، ومن أجل ذلك ينبغي أن لا نبالغ في تصور موجة المجون والعبث حينئذٍ ، وأن نظن أن أهل بغداد قد تخلوا عن الحياة المستقيمة الطاهرة التي يسودها الخلق والتقاليد والدين ، إنما هو الكرخ حيث بيوت النخاسين والمقينين ومن يفدون عليها من الفتيان والشعراء للشراب والمجون من غير استخفاء ولا حياء.

 

وقد أشاع هؤلاء المجان والخلعاء آفة مزرية هي آفة التعلق بالغلمان المرد ، وكان أول من اشتهر بالغزل فيهم والبة بن الحباب ، وهو يصرح بذلك تصريحاً في غير مواربة ولا استحياء ، ويقال إنه هو الذي يتحمل وزر إفساد أبي نواس ، وفي رأي الدكتور شوقي ضيف أنه يتحمل وزر العصر كله وما شاع فيه من هذا الغزل المقيت الذي يخنق كرامة الرجل ، وربما كان من أسباب شيوعه كثرة الغلمان الذين قُتِلَتْ رجولتهم في بغداد وغيرها من مدن العراق ، وكان منهم من تسقط عنه رجولته حتى ليلبس لبس النساء . وكان من الجواري من يلبس لبس الغلمان لفتاً للشباب والرجال ، ويروى أن الأمين حين أفضت إليه الخلافة قدّم الغلمان وآثرهم ، فشاعت قالة السوء فيه ، ورأت أُمّه زبيدة دَرْءاً لتلك القالة أن تبعث إليه بعشرات من الجواري ، ألبستهنَّ لبس الرجال ، حتى ينصرف عن الغلمان . فكنَّ يختلفن بين يديه ، وابرزهن للناس ، ولم يلبث كثيرون أن جاروه في هذا الصنيع ، وكُنَّ يُسمَّين بالغلاميات ، وعمّت هذه البدعة في الساقيات بالحانات ، ولعلَّ ذلك هو السرّ في أن أبا نواس كثيراً ما يتحدّث عن بعض الجواري بضمير المذكر .

 

الزهد والتصوف

 

كانت موجة المجون حادّة ، ولكنّها لم تكن عامة في المجتمع ، بل كانت خاصة بالمترفين ومن حولهم الشعراء والمغنين ، أما عامة الشعب فلم تكن تعرف المجون ، وكانوا ساخطين سخطاً شديداً على كل ما يرونه حولهم من جموح الأهواء والإمعان في المجون .

 

واذا كانت حانات الكرخ ودور النخاسة والمقينين به اكتضت بالجواري والقيان والمغنين ، فإن مساجد بغداد كانت عامرة بالعُبّاد والنُسَّاك وأهل التقوى والصلاح ، وكان في كل ركن منها حلقة لواعظ يذكِّر بالله واليوم الآخر وما ينتظر الصالحين من النعيم المقيم والعاصين من العذاب والجحيم . وكان من الوعّاظ مَنْ يقتحم قصر الخلافة ليعظ الخلفاء على نحو ماهو معروف عن عمرو بن عبيد في وعظه للمنصور ، وصالح بن عبد الجليل في وعظه للمهدي ، وابن السمّاك في وعظه لهارون الرشيد .

 

وكان الوعظ في هذا العصر يلتحم بالقصص للعظة والعبرة ، وهو التحام قديم منذ تميم الداري وكعب الأحبار في عصر الخلفاء الراشدين ومنذ قُصّاص الفتوح من أمثال أبي سفيان بن حرب . وقد ازدهر هذا الوعظ القصصي في عصر بني أُميّة عند الحسن البصري وأضرابه ، وتكامل ازدهاره في هذا العصر . وقد كثر قصاص الوعظ الذين كانوا يدفعون الى العبادة ورفض المتاع الدنيوي وسلوك السبيل الواضحة الى نعيم الآخرة كثرة مفرطة .

 

وكان بجانب هؤلاء القصاص والوعاظين كثير من النّساك ، ومن الصعب استقصاؤهم إذ كانوا منتشرين في الأمصار كلها ، وكانوا يحيون حياة زهد خالصة كلها تبتل وعبادة وتقشف وانقباض عن الاستمتاع بالحياة وملذاتها وانصراف عن كل نعيم فيها انتظاراً لما عند الله تعالى من النعيم الذي لا يزول ، وفي (البيان والتبيين) و(عيون الأخبار) و(العقد الفريد) منثورات رائعة من أقوال مشاهيرهم أمثال سفيان الثوري (ت161هـ) وداود الطائي(ت165هـ) وعبد الله بن المبارك (ت181هـ) والفُضيل بن عياض (ت187هـ) وسفيان بن عيينة (ت198هـ) .

 

ويدلّ أكبر الدلالة على ارتفاع موجة النّسك حينئذٍ أنه أخذت تنبثق بين النّسّاك مقدمات نزعة التصوف متمثلة في ابراهيم بن أدهم البلخي (ت160هـ) ورابعة العدوية (ت180هـ) وشقيق البلخي تلميذ ابن أدهم (ت194هـ) ومعروف الكرخي (ت200هـ) وعبدك الكوفي وأبي سليمان الداراني الشامي (ت205هـ) وبشر بن الحارث الحافي الخراساني نزيل بغداد (ت227هـ) وينبغي ألّا نبالغ في أن التصوف نضج في العصر العباسي الأول ، إنما أخذت مقدماته في البروز والظهور ، أما تكونه التام فقد حدث في العصر العباسي الثاني .

 

وثمة آراء قيلت في اشتقاق كلمة صوفي ، ذكرها (القشيري) في (الرسالة القشيرية) ، منها : أنها أُخذت من الصوف لأنهم كانوا يلبسونه تمييزاً لهم من أهل الرّفه والتنعم ، أوهي الصَّفاء ، أو هي من الصُّفَّة نسبة الى أهل الصفة الذين كانوا ينقطعون للعبادة في المسجد لعهد الرسول (ص) ، وذهب البيروني الى انها مشتقة من كلمة صوفيا اليونانية بمعنى الحكمة .

 

وعُنِي المستشرقون بدراسة التصوف وبيان المؤثرات الأجنبية التي أثّرت في نشأته وتطوره ، وكان أسبقهم الى ذلك (فون كريمر) ، وكان يذهب الى أن التصوف يشتمل على عنصرين أساسيين ، عنصر مسيحي وعنصر بوذي هندي ، ويتضح العنصر الثاني في فكرة وحدة الوجود التي تمثّلها (الحلاج) في أواخر القرن الثالث الهجري . وذهب (نيكلسون) فيما بعد الى أن (الحلاج) لم يتمثّل هذه الفكرة لا هو ولا غيره من متصوفة القرن الثالث . وممن شدّد على التأثير الأجنبي (جولد تسهر) ، إذ ربط بين التصوف وتعاليم الأفلاطونية الحديثة وما يندرج فيها من مذهب الفيض ووحدة الوجود ، كما ربط بينه وبين البوذية الهندية . وخفف من حدّة القول بهذا التأثير الأجنبي (ماسينون) في بحوثه عن الحلاج ، قد ذهب الى أن التصوف نشأ من صميم الاسلام نفسه ، وإنْ تأثّر في الطريق بمؤثرات الثقافة الهيلينية التي كانت منتشرة في الشرق منذ ميلاد المسيح .

 

وكذلك خفف من حدّة القول بالتأثير الأجنبي (نيكلسون) ، وإن لاحظه مع مرّ الزمن ، كما هو الشأن عند (ذي النون) وتأثره – في رأيه – بالأفلاطونية ، إذ كان على علم بالحكمة اليونانية ، وأيضاً كما هو الشأن عند أبي يزيد البسطامي وتأثره – في رأيه –بالفلسفة الهندية الفارسية . على أنه مضى في بحوثه يُعلي من شأن التأثير الاسلامي في نشأة التصوف ، ويقلل من أهمية التأثيرات الأجنبية .

 

إذن فالتصوف إسلامي في جوهره وفي نشأته ونموه وتطوره ، ومن أشهر المتصوفة الحارث بن أسد المحاسبي (ت234هـ) ، وأهم ما يميزه بين خلفائه ومعاصريه من المتصوفة أنه دعافي قوة الى محاسبة النفس ومراقبتها او مجاهدتها وتزكيتها باتباع الكتاب والسنة ، وهو أول من فرق بين التوكل على الله وبين الرضا بقضاء الله وأحكامه ، ورفض أن يفضي التوكل الى عدم التكسب ، فلابد من السعي في الأرض سعياً ينال به الإنسان الفضل والثواب.

 

وكان يعاصره (ذو النون المصري) (ت245هـ) ، ويرى (نيكلسون) أنه الواضع الحقيقي لأسس التصوف ، إذ هو – كما يقول ابن تغري بردي – أول مَن تكلّم في مصر في الأحوال والمقامات ، ويعمم ذلك نيكلسون ، وينقل عن تذكرة الأولياء للجامي حديثه عن العارف والمعرفة ، وفيه قسم المعرفة ثلاثة أقسام : قسماً مشتركاً بين عامة المسلمين ، وقسماً خاصاً بالفلاسفة والعلماء ، وقسماً خاصاً بالأولياء الذين يرون الله بقلوبهم . وبذلك فصل المعرفة الصوفية عن المعرفة العلمية والفلسفية ، فالأولى قلبية ، تنزع نحو القلب ، وتعتمد التجربة الحدسية ، والثانية عقلية تعتمد المنطق . ومن هنا كان التصوف ليس علماً ولا فلسفة ولا مذهباً ، وإنما هو أحوال ومقامات .

 

وكان السّريّ السّقطي (ت251هـ) شيخ متصوفة بغداد وإمامهم في وقته ، وكان تاجراً فهجر التجارة وَلزم بيته وانقطع للعبادة .

 

وأهم صوفي ظهر في القرن الثالث الهجري (الجنيد) (ت297هـ) ويُنعَت بالقواريري الخزّاز ، لأن أباه كان يبيع الزجاج وكان هو يبيع الخزّ ، وأشهر تلاميذه ( الحسين بن منصور ) المشهور باسم (الحلاج) .

 

ومن أهم الصوفيين المتأخرين ( الحكيم الترمذي محمد بن علي بن الحسن بن بشر) (ت320هـ) ، والملاحظ على المتصوفة بدءاً من أواخر القرن الثالث الهجري أنهم أخذوا ينظمون الشعر مُعبرين به عن التياع قلوبهم في الحب ، مصورين كيف يستأثر حبهم لربهم بأفئدتهم استئثاراً مطلقاً ، مثل (أبي الحسين النوري) (ت295هـ) ، و(أبي علي الروذباري) (ت312هـ) ، و(الشبلي دُلفَ بن جحدر) (ت334هـ) ، وجميعهم من تلامذة الجنيد .

 

وفي هذا العصر تأصّلت في التصوف فكرة المعرفة الإلهية ومحبة الله ، كما تأصلت فكرة أن الصوفية أولياء الله ، وقد أحاط (الحلاج) الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهالة قدسية تشبه الهالة التي يحيط بها المسيحيون المسيح (عليه السلام) ، وكان ذلك كله أثر عميق في حياة التصوف وتطوره على مرّ الأجيال .

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .